إلغاء "عيد الشهداء" يعيد النقاش حول الرموز الوطنية والهوية السورية

يواجه "عيد الشهداء" المصادف في 6 أيار محاولات لتقليص رمزيته الوطنية، وسط تحذيرات من مساعٍ لطمس الهوية السورية وتكريس تبعية محتملة لمشروع "العثمانية الجديدة".

إلغاء "عيد الشهداء" يعيد النقاش حول الرموز الوطنية والهوية السورية
إلغاء "عيد الشهداء" يعيد النقاش حول الرموز الوطنية والهوية السورية
إلغاء "عيد الشهداء" يعيد النقاش حول الرموز الوطنية والهوية السورية
إلغاء "عيد الشهداء" يعيد النقاش حول الرموز الوطنية والهوية السورية
إلغاء "عيد الشهداء" يعيد النقاش حول الرموز الوطنية والهوية السورية
إلغاء "عيد الشهداء" يعيد النقاش حول الرموز الوطنية والهوية السورية
الأربعاء 6 مايو, 2026   03:20
مركز الأخبار
محمد عبدو

مع تغييب الحكومة المؤقتة لـ"عيد الشهداء"، والذي يُعدّ يوماً لإحياء ذكرى المناضلين الثائرين على الاحتلال العثماني، جعلت عدد من السياسيين والكتاب يعبّرون عن مخاوفهم من طمس الهوية الوطنية السورية لصالح مشروع "العثمانية الجديدة" وتبعية كاملة لأنقرة، فمن أين أتى هذا اليوم؟، وكيف ينظر له اليوم؟

مثلت معركة مرج دابق التي وقعت عام 1516م قرب حلب بين الاحتلال العثماني والمماليك نقطة مفصلية في تغيير مسار تاريخ المنطقة، حيث فتحت المجال عبر خيانة خائر بك والي حلب أبواب المنطقة أمام الاحتلال لمدة 402 عام، عانت المنطقة الممتدة ما بين بلاد الشام والحجاز وصولاً لمصر وشمال أفريقيا من الفقر والقتل وانتشار الأمية.

ومع وصول القوميين الأتراك، وفي مقدمتهم حزب الاتحاد والترقي إلى السلطة عام 1908، عملوا على فرض سياسة التتريك على كل القوميات الأخرى التي كانت تعيش تحت الاحتلال العثماني، مرتكبين أبشع المجازر بحق كل من يعارضهم.

لتشهد المنطقة انفجار لثورة قادها المثقفون والسياسيون والشيوخ الذين طالبوا بإنهاء الاحتلال، كردة فعل مجتمعية أمام سياسات الضرائب والتجنيد الإجباري التي فرضها جمال باشا السفاح المعيين كقائد للقوات العثمانية في بلاد الشام.

أحكام إعدام بدلاً من الحكم الذاتي

وبدلاً من تنفيذ القرارات الصادرة عن مؤتمر باريس عام 1913، والتي كانت تقتضي مشاركة العرب في الحكم، وتمتعهم بالحكم الذاتي ضمن الدولة العثمانية آنذاك، أصدر جمال باشا أحكاماً بالإعدام على عدد من المثقفين والوطنيين والسياسيين المفكرين، من دمشق وبيروت في محكمة صورية في جبل لبنان.

وأتت عمليات الإعدام لترهيب الأهالي من الالتحاق بالثورة الكبرى التي انطلقت من الحجاز لإسقاط حكم العثمانيين.

الـ 6 من أيار

ونفذت السلطات العثمانية هذه الأحكام على دفعتين، الأولى في 21 آب 1915، والثانية في 6 أيار 1916 الذي أعدم فيه نخبة من المثقفين، في كل من ساحة البرج في بيروت وعددهم 14، التي سميت فيما بعد بساحة الشهداء، وفي ساحة المرجة في دمشق وبلغ عددهم 7.

الذين أعدموا في بيروت هم كل من: (جرجي موسى الحداد، سعيد فاضل عقل، عمر مصطفى حمد، عبد الغني محمد العريسي، عارف محمد سعيد الشهابي، توفيق أحمد البساط، سيف الدين الخطيب، علي عمر النشاشيبي، محمود جلال البخاري، بترو باولي، الشيخ أحمد طبارة، محمد الشنطي، أمين لطفي الحافظ، وسليم الجزائري).

أما الذين أعدموا في دمشق فهم كل من: (شفيق مؤيد العظم، الشيخ عبد الحميد الزهراوي، رفيق رزق سلوم، شكري العسلي، عبد الوهاب الإنكليزي، عمر الجزائري "حفيد عبد القادر الجزائري"، ورشدي الشمعة).

ليتم إدراج يوم الـ 6 من أيار من كل عام "عيداً للشهداء" في سوريا منذ عام 1925، حين أصدر هذا المرسوم الرئيس السوري في عهد الانتداب الفرنسي، صبحي بركات الخالدي، ووقع عليه المندوب السامي الفرنسي، وفق ما نشرته منصة "التاريخ السوري المعاصر"، إحياءً لذكرى الشهداء الذين أعدمهم العثماني جمال باشا السفاح في دمشق وبيروت.

وليمثل الـ 6 من أيار على مدار أكثر من قرن، بالتوازي مع التغيرات الحاصلة بأنظمة الحكم، عيداً وطنياً وذاكرة جمعية تحيي نضال شعوب ثارت ضد الاحتلال العثماني من أجل نيل الاستقلال.

سوريا الجديدة بلا عيد شهداء

ومع إصدار رئاسة الحكومة المؤقتة في سوريا، المرسوم رقم (188) لعام 2025، ألغي عدد من المناسبات الوطنية من قائمة العطل الرسمية، كان أبرزها "عيد الشهداء"، وهو اليوم الذي يعدّه السوريون واللبنانيون على حد سواء، مناسبة وطنية لإحياء ذكرى المناضلين من أجل الاستقلال، فلماذا؟

تضعنا الباحثة اللبنانية والخبيرة في الشأن التركي، الدكتورة هدى رزق، أمام العمق الفلسفي والتاريخي لهذا التناقض، ففي قراءتها للمشهد، تشير إلى وجود وجهتي نظر تصطدمان عند عتبة الـ 6 من أيار.

وقالت هدى رزق: "هناك من يرى في هؤلاء أبطالاً نادوا بالاستقلال، بينما يراهم آخرون من منظور المدافعين عن السلطنة العثمانية، كأدوات للسفارات البريطانية والفرنسية في وقت كانت فيه السلطنة تخوض حرباً وجودية ضد الحلفاء".

وترى رزق أن موقف الدولة السورية الحالي في ظل الحكومة المؤقتة قد يعكس تحولاً جذرياً في الأيديولوجيا، حيث تشير في هذا الصدد: "يبدو أن السياسة اليوم اختلفت 100%، فهي تتجه نحو نهج أكثر إسلامية يرى في السلطنة العثمانية صديقاً، وبالتالي يميل لتبنّي وجهة النظر التي تسقط صفة الشهادة عن هؤلاء المثقفين وتعدّهم أقرب لدوائر الغرب".

إعادة صياغة الهوية السورية

فيما ترى الكاتبة والسياسية السورية ميس كريدي أن استهداف الرموز الوطنية السورية، وفي مقدمتها "عيد الشهداء" في الـ 6 من أيار، ليس مجرد محاباة سياسية أو استرضاء لقوى إقليمية، بل هو مؤشر خطير على تبعية كاملة وتكريس لمشروع "العثمانية الجديدة".

وقالت أيضاً: "نحن نتحدث عن محاولة لإعادة إنتاج (نموذج الولاية) التابعة لمركز القرار في أنقرة، وتحويل سوريا من كيان دولة مستقلة لها قواعد اشتباكها الجيوسياسي وتاريخها النهضوي، إلى مجرد جغرافيا ملحقة بالعثمانية الجديدة".

وأضافت ميس كريدي: "أن حزب العدالة والتنمية، بوصفه المربي والأب الأيديولوجي للجماعات التي كانت في الشمال والحاكمة الآن، يسعى عبرها إلى قلب الهوية السورية وإعادة أدلجة المجتمع، عبر إعادة صياغة للجغرافيا والذاكرة والتاريخ ليصبح جزءاً من المناخ العثماني، وهو الممهد لإعادة سيناريو سلخ لواء اسكندرون".

ويفتح الجدل حول إلغاء "عيد الشهداء" نقاشاً أوسع يتجاوز حدود المناسبة ذاتها، ليصل إلى سؤال الهوية الوطنية السورية ومسار إعادة تشكيل الذاكرة الجمعية في ظل التحولات السياسية الراهنة.

وبين قراءات ترى القرار تغييراً إدارياً مرتبطاً بإعادة ترتيب الأولويات، وأخرى تراه جزءاً من تحول أعمق في المرجعيات الفكرية والسياسية، يبقى هذا الملف مرشحاً لمزيد من التفاعل والنقاش في المرحلة المقبلة، في ظل حساسية الرموز التاريخية لدى مختلف المكونات السورية.

ANHA