مزارع الأسماك في سهل الغاب تواجه خسائر غير مسبوقة

يواجه مربّو الأسماك في سهل الغاب بريف حماة خسائر متصاعدة، على خلفية نفوق واسع في المزارع وتراكم الديون. ويطالب المربون بتشديد الرقابة على الاستيراد، وتأمين الكهرباء أو دعم المحروقات والأعلاف، إضافة إلى فتح قنوات تسويقية لتصريف الإنتاج المحلي، قبل انهيار القطاع بشكل كامل.

مزارع الأسماك في سهل الغاب تواجه خسائر غير مسبوقة
السبت 2 مايو, 2026   05:40
حماة

شهدت مزارع تربية الأسماك في مناطق قلعة المضيق والحمرا وباب الطاقة بسهل الغاب في ريف حماة نفوقاً واسع النطاق خلال الأسابيع الماضية، ما أثار مخاوف جدية لدى العاملين في القطاع من انهيار أحد أهم مصادر الدخل التي يعتمد عليها سكان المنطقة.

وأكد مربّون، من بينهم مسعود صقار ومفيد أحمد وعوض السالم، أن سهل الغاب يُعد من أبرز مناطق تربية أسماك المياه العذبة في سوريا، حيث يشكل هذا النشاط ركيزة اقتصادية أساسية لعشرات العائلات.

وأضافوا أن القطاع يعاني منذ فترة طويلة من ضغوط متراكمة، رغم محاولات إعادة تشغيل المزارع بعد سنوات من التراجع، لافتين إلى أنهم أمضوا قرابة 18 شهراً في أعمال التأهيل وإعادة تجهيز الأحواض، ما أدى إلى تراكم ديون كبيرة عليهم مقابل تكاليف التشغيل والإنتاج.

وبحسب المربين، فإن النفوق الأخير جاء في ظل تكدّس الإنتاج المحلي وعدم القدرة على تسويقه، الأمر الذي أدى إلى خسائر واسعة.

وأشاروا إلى أن السبب المباشر يعود إلى استمرار دخول الأسماك المجمدة المستوردة إلى الأسواق بسعر يقارب 2.5 دولار للكيلوغرام الواحد، وهو سعر يقل عن تكلفة الإنتاج المحلي، ما تسبب بتراجع الطلب على المنتج المحلي وتعطّل حركة البيع.

وقال مربّون إن هذا الواقع يأتي رغم وجود قرارات وتعليمات صادرة عن وزارة الزراعة في الحكومة المؤقتة بسوريا تمنع استيراد أسماك المياه العذبة استناداً إلى مبدأ الاكتفاء الذاتي للسوق المحلية، إلا أن السوق بقي منفتحاً على المستورد، الأمر الذي أفقد المنتج المحلي قدرته على المنافسة.

وفي تفاصيل أكثر دقة، أوضح مربّون من بينهم سليم ريان وهشام الهيثم ورعد رموش أن تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد من الأسماك المحلية، مثل الكرب والمشط والسلور، تصل إلى نحو 3.5 دولار، مشيرين إلى أن السبب الرئيس يعود إلى ارتفاع أسعار المحروقات اللازمة لتشغيل مولدات الديزل بعد تعرض المحولات الكهربائية التي كانت تغذي المزارع للسرقة، ما دفع المربين للاعتماد جزئياً على الطاقة الشمسية، التي لا توفر احتياجات تشغيل المضخات والري إلا خلال ساعات النهار.

وأضاف المربون أن تكاليف الإنتاج تتضاعف كذلك بفعل غلاء الأعلاف، إذ تحتاج المزرعة الواحدة بمساحة 25 دونماً إلى نحو 1.2 طن من الأعلاف يومياً، بينما يبلغ سعر الطن قرابة 500 دولار، وهو ما ينعكس مباشرة على سعر الكيلوغرام النهائي ويضع المنتج المحلي في موقع غير قادر على منافسة الأسماك المستوردة.

من جهته، قال طبيب بيطري مشرف على عدد من مزارع تربية الأسماك في الغاب (فضل عدم ذكر اسمه) إن المساحة الإجمالية للمزارع المرخصة في المنطقة تبلغ نحو 6500 دونم، وتنتج أنواعاً من الأسماك تنافس المستورد من حيث الجودة والنوعية، كونها تعتمد على خلطات علفية نباتية تتكون من النخالة والذرة والصويا وكسبة القطن.

وأوضح الطبيب البيطري أن إنتاج كيلوغرام واحد من الأسماك المحلية يحتاج إلى ما لا يقل عن 4 كيلوغرامات من الأعلاف، ما يزيد من التكلفة التشغيلية مقارنة بالأسماك المستوردة، مضيفاً أن المنتج المحلي يخضع لظروف إنتاجية قاسية وأعباء تشغيلية مرتفعة لا تنعكس على المستورد الذي يدخل الأسواق بأسعار أقل.

وفي سياق متصل، يرى مربّو الأسماك في الغاب أن الجهات المعنية أسهمت في تعميق الأزمة عبر انفتاح السوق على المستورد المدعوم ضمنياً وعدم تطبيق إجراءات واضحة لضبط الاستيراد، ما أدى إلى إضعاف قدرة المربين على تصريف إنتاجهم وتراكم الخسائر وصولاً إلى نفوق كميات كبيرة من الأسماك.

وبحسب مراجعة ما نُشر خلال عام 2026، فإن ملف الثروة السمكية جاء ضمن سياق أوسع من الإجراءات الحكومية المرتبطة بضبط الأسواق وحماية الإنتاج المحلي، حيث جرى تداول تعاميم تتعلق بتقييد استيراد بعض المنتجات الزراعية خلال مواسم الإنتاج، إضافة إلى قرارات تنظيمية في بعض المحافظات، مثل منع صيد وبيع الأسماك النهرية خلال فترات التكاثر لحماية المخزون السمكي، الا أنها بقيت معلقة.

وحتى الآن، لم يصدر بيان رسمي موثق من الجهات المعنية في محافظة حماة يوضح أسباب النفوق الأخير أو يحدد إجراءات مباشرة لمعالجة الأزمة في سهل الغاب، الأمر الذي يزيد من حالة القلق لدى العاملين في القطاع.

ويحذر مربّون من أن استمرار الظروف الحالية دون تدخل فعلي قد يؤدي إلى انهيار كامل لقطاع تربية الأسماك في الغاب، مطالبين بإجراءات عاجلة تشمل ضبط الاستيراد، وتوفير الكهرباء أو المحروقات بأسعار مدعومة، ودعم الأعلاف، إضافة إلى فتح قنوات تسويق تساعد على تصريف الإنتاج المحلي قبل تفاقم الخسائر.

وفي وقت يترقب فيه المزارعون أي خطوات رسمية جديدة، يؤكد مربّو الأسماك أن استمرار الأزمة يهدد مصدر رزق مئات العائلات في الغاب، ويضع مستقبل أحد أهم القطاعات الزراعية الحيوية في المنطقة أمام خطر حقيقي.

(أم)

ANHA