إجراءات جديدة واتفاقيات خارجية تعيد طرح ملف الخصخصة في سوريا

يثير تزامن توقيع سلطات الحكومة في سوريا مذكرات تفاهم مع شركات أجنبية لتنفيذ مشاريع تخص المياه، مع إصدار مراسيم لإعادة هيكلة قطاعات المياه والكهرباء والتعدين، مخاوف واسعة في الشارع السوري من توجه تدريجي نحو خصخصة الخدمات الأساسية ورفع تكلفتها.

إجراءات جديدة واتفاقيات خارجية تعيد طرح ملف الخصخصة في سوريا
الجمعة 10 نيسان, 2026   03:40
دمشق

بالتوازي مع إعلان سلطات الحكومة المؤقتة في سوريا توقيع مذكرات تفاهم استراتيجية مع شركات سعودية، من بينها شركة "أكوا باور" المتخصصة في مشاريع الطاقة وتحلية المياه، أصدرت "الرئاسة السورية" خلال الأيام الماضية سلسلة مراسيم تشريعية أعادت بموجبها هيكلة قطاعات الكهرباء والمياه والتعدين، عبر إحداث مؤسسات وشركات عامة جديدة تتولى إدارة هذه الملفات.

وبحسب ما نشرته "سانا"، فإن الحكومة وقّعت مذكرة تفاهم مع شركات سعودية تتضمن مشروعاً لإنشاء محطة ضخمة لتحلية مياه البحر على الساحل السوري، ونقل المياه المنتجة باتجاه دمشق والمناطق الجنوبية، ضمن ما وصفته السلطات بـ "خطة لتحسين الأمن المائي في البلاد وتطوير البنية التحتية".

وتزامن الإعلان عن المشروع مع صدور مراسيم تشريعية جديدة عن رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع، تضمنت إحداث المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي، إلى جانب إحداث شركات عامة في قطاعي الكهرباء والتعدين، في خطوة قالت الحكومة إنها تهدف إلى "إعادة تنظيم المؤسسات الخدمية ورفع كفاءتها".

غير أن هذه الإجراءات أثارت ردود فعل واسعة في الشارع السوري وعلى منصات التواصل الافتراضي، حيث تداول ناشطون وخبراء اقتصاديون سوريون منشورات ذكروا فيها أن التوجه الجديد يعكس مساراً واضحاً نحو خصخصة القطاعات الخدمية، وفي مقدمتها المياه والكهرباء، محذرين من أن إعادة الهيكلة قد تمهد لتسليم موارد استراتيجية لشركات استثمارية محلية وأجنبية، ما يهدد بتحويل الخدمات الأساسية إلى سلعة خاضعة لمنطق الربح.

ورأى ناشطون أن الجمع بين ملف التعاقدات الخارجية وإعادة تشكيل المؤسسات العامة ضمن كيانات جديدة يحمل دلالات تتجاوز "الإصلاح الإداري"، ويشير إلى توجه لإعادة صياغة دور الدولة من مزود للخدمات إلى جهة تنظيمية تفتح الباب أمام الشركات الخاصة لتولي إدارة القطاعات الأكثر حساسية في حياة السوريين.

وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي السوري المقيم في الخارج حيدر حسن، في تصريح لوكالتنا، إن جمع قطاعات حساسة مثل الكهرباء والنفط والموارد المائية ضمن هياكل إدارية جديدة، ومنح إدارتها لأشخاص مقربين من السلطة وتركيا، قد يفتح الباب أمام سياسات خصخصة غير معلنة أو منح امتيازات استثمارية طويلة الأمد دون ضمانات كافية لحماية حق المواطنين في الحصول على الخدمات الأساسية.

وأضاف أن ما يثير القلق هو "التجربة الأخيرة المتعلقة بفواتير الكهرباء في مناطق شمال سوريا، حيث جرى فرض رسوم مرتفعة وفوائد على المتأخرات رغم الاعتراضات الشعبية الواسعة"، مشيراً إلى أن "أقل فاتورة كهرباء باتت تبدأ من نصف مليون ليرة سورية وما فوق"، في وقت لم يلمس فيه السكان تحسناً فعلياً في التغذية الكهربائية، إذ لا يزال التقنين بحسب إفادات الأهالي يدور حول أربع ساعات قطع مقابل ساعتين وصل.

وشدد الخبير أن هذا الواقع يضع علامات استفهام حول قدرة المؤسسات الجديدة على تحسين الخدمات فعلياً، محذراً من أن انتقال ملف المياه إلى نماذج تشغيل ذات طابع تجاري قد يؤدي إلى رفع التعرفة تدريجياً، بما ينعكس على الشرائح الأشد فقراً.

كما أشار إلى أن سياسات إعادة الهيكلة قد تترافق مع تغييرات واسعة في الكوادر الإدارية، عبر تهميش بعض الخبرات السابقة أو استبعادها تحت ذرائع مرتبطة بانتماءاتها السياسية، مقابل الاستعانة بكوادر جديدة برواتب مرتفعة وبعملات أجنبية، وهو ما قال إنه "حدث سابقاً في أكثر من مؤسسة حكومية، بينها المصرف المركزي ومؤسسات أخرى".

وبالتزامن مع ذلك، تداول ناشطون على مواقع التواصل الافتراضي شهادات وتصريحات لمهندسين سابقين وعاملين في قطاعات المياه والكهرباء، تحدثوا فيها عن مخاوف من "تفريغ المؤسسات العامة من كوادرها" وإحلال شبكات إدارية جديدة مرتبطة بمراكز القرار، ورأوا أن هذا المسار يفتح الباب أمام تحويل هذه القطاعات إلى مشاريع استثمارية بدلاً من كونها مرافق عامة.

من جهته، قال مدير موارد بشرية يعمل في إحدى مؤسسات المياه بدمشق، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن المخاوف داخل المؤسسات تتزايد مع بدء تطبيق الهيكل الإداري الجديد، رغم أن نص المرسوم بحسب ما نُشر رسمياً يؤكد انتقال العاملين إلى المؤسسة الجديدة مع الحفاظ على حقوقهم وقدمهم الوظيفي.

وأوضح أن العاملين يخشون من أن يصبح ملف التسريح أو إعادة التعيين بيد مجلس الإدارة، خاصة في ظل حديث متداول داخل المؤسسات عن "بناء نظام إداري جديد" قد يفتح الباب أمام توظيف أشخاص دون خبرات كافية، وإقصاء الكفاءات الحالية عبر التضييق أو دفعها للاستقالة، محذراً من أن الخطوة قد تكون تمهيداً لتطبيق سياسة تسعير جديدة لخدمات المياه.

وأشار المصدر إلى أن بعض العاملين يتخوفون من أن تؤدي هذه التغييرات إلى إدخال نمط تشغيل يشبه ما حدث في قطاع الكهرباء، عبر فرض رسوم ثابتة ورفع التعرفة تدريجياً وربط الخدمة بالدفع، ما سيؤدي إلى حرمان شريحة واسعة من السوريين من حقها في الحصول على مياه الشرب بشكل منتظم.

وتتزامن هذه المخاوف مع تساؤلات متداولة بين العاملين والمواطنين حول أولوية تنفيذ مشروع جر المياه من الساحل إلى دمشق والجنوب، في وقت تعاني فيه بعض مناطق الساحل السوري نفسها من نقص حاد في مياه الشرب خلال فترات الصيف، رغم أنها من المناطق الأعلى من حيث معدلات الهطول المطري مقارنة بمناطق أخرى في البلاد.

ويرى منتقدون للمشروع أن توجيه المياه خارج مناطق إنتاجها قبل معالجة أزمة العطش المحلية قد يفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً إذا تم تشغيل المشروع لاحقاً عبر شركات استثمارية خاصة تعمل وفق منطق الربح والخسارة وليس وفق منطق الخدمة العامة.

وفي سياق متصل، حذّر الخبير الاقتصادي حيدر حسن من أن اعتماد خيار "تحلية مياه البحر" بالشراكة مع شركات أجنبية قد يُستخدم غطاءً لمنح امتيازات واسعة على حساب الموارد الطبيعية، مشيراً إلى وجود دراسات سورية سابقة تحدثت عن مصادر مياه عذبة تحت سطح البحر في مناطق الساحل، داعياً إلى نشر أي دراسات رسمية للرأي العام وتوضيح آلية الاستثمار وضمان ملكية الدولة لهذه الموارد.

كما عبّر عن قلقه من سيناريوهات محتملة تتعلق بإدارة مصادر مياه رئيسة مثل نبع الفيجة، معتبراً أن إدخال شركات خاصة إلى هذا الملف قد يفتح الباب أمام احتكار أو تحكم بالتوزيع والأسعار، خاصة في حال ربط مصادر المياه التقليدية بخيارات بديلة مثل المياه المحلاة أو المنقولة من الساحل.

وفي المقابل، تقول الحكومة المؤقتة وفق تصريحاتها الرسمية، إن المراسيم الجديدة "تهدف إلى تحديث الإدارة الخدمية وإصلاح المؤسسات ورفع كفاءة الإنتاج والتوزيع، إضافة إلى جذب استثمارات خارجية تساعد في إعادة الإعمار وتحسين الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه".

وبين الرواية الحكومية المؤقتة والمخاوف الشعبية المتصاعدة، يتفق الخبير والمختصون في الشأن، في رؤية أن الإعلان عن مشاريع التحلية والتعاقدات الخارجية دون نشر تفاصيل واضحة عن طبيعة العقود ومدتها وآليات التسعير والرقابة، يزيد من الشكوك حول اتجاه البلاد نحو خصخصة تدريجية للقطاعات الخدمية، الأمر الذي قد ينعكس على حياة ملايين السوريين في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة.

مطالبين جهات اقتصادية ومهنية بضرورة نشر تفاصيل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بشكل رسمي، وتوضيح آليات التسعير المستقبلية، وضمان بقاء مياه الشرب والكهرباء ضمن مفهوم الخدمة العامة، وليس ضمن نموذج تجاري قد يضع هذه الموارد الأساسية خارج متناول شرائح واسعة من السوريين.

(أم)

ANHA