زهرة النيل تخنق سهل الغاب.. معالجات سطحية تطفو فوق إهمال حكومي متجذر

يواجه سهل الغاب في ريف حماة أزمة خانقة، نتيجة جفاف غير مسبوق وانتشار واسع لنبتة زهرة النيل التي تخنق القنوات المائية، وتعطل الري، وتستهلك كميات كبيرة من المياه، ما يهدد الزراعة ومصدر رزق آلاف المزارعين. وتفاقمت المشكلة مع غياب المعالجة الجذرية والاكتفاء بحملات تنظيف مؤقتة لا توقف تمدد هذه النبتة الغازية.

زهرة النيل تخنق سهل الغاب.. معالجات سطحية تطفو فوق إهمال حكومي متجذر
الإثنين 8 كانون الأول, 2025   03:50
حماة

بينما يدخل الموسم الزراعي الشتوي، لا تزال حقول سهل الغاب في ريف حماة الغربي تكافح للبقاء، تحت وطأة جفاف غير مسبوق واجتياح لنبتة زهرة النيل المدمرة.

على الرغم من الإعلان الحكومي المتكرر عن حملات إزالة متعاونة مع منظمات دولية، فإن المسطحات المائية والقنوات الرئيسة والفرعية تختنق تحت طبقات كثيفة من هذه النبتة الغازية، ما يعكس فجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي والإهمال العملي في إدارة الأزمة.

الأزمة البيئية والاقتصادية.. نبتة واحدة تسرق 4 لترات ماء يومياً

تتحول زهرة النيل من مجرد نبتة ذات مظهر جذاب إلى "سارق للمياه" ومدمر للقطاع الزراعي في المنطقة، ويؤكد مهندسون زراعيون أن النبتة الواحدة تستهلك ما بين 1 إلى 4 لترات من المياه يومياً، مع انتشارها الكثيف على مساحات شاسعة، ما يؤدي إلى استنزاف هائل للموارد المائية الشحيحة أصلاً في ظل موجة الجفاف.

وتشمل أبرز الأضرار المباشرة بحسب المهندس الزراعي سامر محمد، الذي تحدث لوكالتنا، إغلاق قنوات الري حيث تتراكم أوراق وجذور النباتات لتعيق بشكل كامل جريان المياه إلى الأراضي الزراعية، إضافة إلى تعطيل مضخات الري، فالكتل النباتية الكثيفة تؤدي إلى انسداد وتعطيل مضخات الري التي يعتمد عليها الفلاحون وتحول النبتة دون وصول الضوء والأكسجين إلى الحياة المائية وتؤثر على الثروة السمكية.

ويضيف أن المزارعين يشتكون من انتقال النبتة وانتشارها بين المزروعات، ما يؤثر بشكل واضح على نموها ويسبب خسائر فادحة بالمحاصيل الزراعية.

وفي ظل المعالجات غير المجدية التي تتبعها الحكومة، أعلنت الهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي (WFP) ومديرية الموارد المائية، عن إطلاق "المرحلة الثانية" من مشروع إزالة زهرة النيل بمسافة 20 كم. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذه الحملات هي مجرد "معالجات سطحية" لقضية بنيوية تتطلب استراتيجية مستدامة.

يتمثل الإهمال الحكومي في عدة جوانب، منها غياب المعالجة الجذرية، حيث يؤكد مهندسون مختصون أن النبتة تتجدد باستمرار وبسرعة بعد اقتلاعها، وأن غياب الأدوية الفعالة والمكافحة المتكاملة هو السبب الرئيس في استمرار انتشارها، وعلى الرغم من الإشارة إلى تنفيذ عدة مشاريع تنظيف في السنتين الماضيتين، فإن غياب العمل المتكامل أدى إلى بقاء المشكلة وازديادها.

الضحايا الحقيقيون للإهمال

في قلب هذه الأزمة، الذين يتحملون العبء الأكبر هم المزارعون والصيادون، حيث يقول مزارعون إن السنوات الأخيرة شهدت "تناقصاً مرعباً" في كميات المياه المتاحة، ويعزون ذلك بشكل أساسي إلى التمدد السريع لزهرة النيل، ويطالب هؤلاء المزارعين المنظمات والجهات المعنية بمساعدتهم على التخلص من هذه الآفة التي تهدد مصدر رزقهم الوحيد.

 إن انتشار زهرة النيل ليس مجرد كارثة طبيعية، وفق خبراء زراعيين، بل هو نتيجة مباشرة لإدارة موارد مائية فاشلة وتقاعس عن حماية الثروات الطبيعية.

وتبدو معركة سهل الغاب ضد زهرة النيل كصراع غير متكافئ من جهة، فهي نبتة غازية لا تعرف الرحمة، وتستهلك المياه وتدمر الزراعة، ومن جهة أخرى، إجراءات حكومية بطيئة وغير فاعلة، تكتفي بالتعامل مع الأعراض وتغفل المعالجات الجذرية.

ويرى خبراء أن الأزمة تحتاج إلى تحوّل جذري في النهج، من حملات تنظيف مؤقتة إلى استراتيجية وطنية متكاملة للمكافحة، مع توفير التمويل اللازم والتقنيات الحديثة، والأهم من ذلك، محاسبة حقيقية للمقصرين في إدارة هذه الأزمة البيئية والاقتصادية التي تهدد أحد أهم أحواض الإنتاج الزراعي في سوريا.

(أم)

ANHA