صحفيان يؤكدان أن خطاب الحكومة الانتقالية أحادي ويعمّق الاحتقان ويهدد الاستقرار

حذّر صحفيان من أن الخطاب الحكومي الانتقالي بات "أحادياً يكرّس الإقصاء ويعمّق الشرخ بين السوريين"، وأكدا أن هذا الخطاب تحوّل إلى "لغة تبريرية تدار بها الأزمات بدل حلها"، وأن استمرار هذا النهج يهدد المرحلة الانتقالية.

صحفيان يؤكدان أن خطاب الحكومة الانتقالية أحادي ويعمّق الاحتقان ويهدد الاستقرار
الجمعة 5 كانون الأول, 2025   04:00
قامشلو
سلافا عبد الرحمن

تشهد مناطق الداخل والساحل السوري موجة احتجاجات متصاعدة، وسط اتهامات للحكومة الانتقالية بالتقصير في إدارة المرحلة الراهنة، ويشير مراقبون إلى أن الخطاب الإعلامي الرسمي التابع للحكومة الانتقالية بات يعتمد بشكل متزايد على التبرير وتبادل الاتهامات بدلاً من طرح حلول عملية. 

وفي هذا الشأن، تحدث لوكالتنا الصحفي والمحلل السياسي عبد الحليم سليمان، والصحفية والمحررة في صحيفة روناهي بيريفان خليل.

عبد الحليم سليمان أوضح أن الخطاب الذي تعتمده الحكومة الانتقالية الحالية لا يتطابق مع واجباتها في تسيير المرحلة الانتقالية، والتي يفترض أن تكون انعكاساً لمفهوم هذه المرحلة عبر إشراك جميع المكونات في العملية. إلا أن خطاب الحكومة الانتقالية اليوم يظهر بلسان واحد، كما هو حال العملية الانتقالية بمجمل جوانبها السياسية والإدارية.

وأوضح سليمان أن: "الحكومة تعتمد غالباً على التبرير بدل تقديم حلول حقيقية، مع وجود أخطاء ومفاهيم تعمّق خطاب الكراهية في المجتمع، وبدلاً من معالجة هذه المشكلات أو تفاديها، يتم اللجوء إلى التبرير واعتباره من البديهيات المطلوب من الجميع الالتزام بها، وهذا يتناقض مع طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا التي يجب أن تقوم على مشاركة جميع المكونات".

وفيما يخص التعامل الإعلامي، أوضح سليمان أن بعض المسؤولين يظهرون أحياناً قدراً من الشفافية في تصريحاتهم ومحاولاتهم تقديم معلومات عبر البيانات الرسمية، لكن هذه الشفافية تُفشل لاحقاً عبر التناول الإعلامي الواسع في الشاشة الرسمية ووسائل الإعلام التابعة للحكومة، ما يؤدي إلى إحباط أي محاولة لنقل صورة واضحة أو متوازنة. وقال إن: "هناك نوعاً من الطحن الذاتي داخل الخطاب الحكومي؛ تُقدَّم معلومات بشفافية من جهة، ثم تُنسَف عبر خطاب يدعو للكراهية ويعمّق الانقسامات من جهة أخرى".

وأشار سليمان إلى أن اعتماد هذا النهج يسهم بطبيعة الحال، في زيادة الشرخ بين السوريين، خصوصاً في ظل غياب مقاربة جامعة، وقد ظهرت انعكاسات ذلك في عدة مناطق مثل حمص والساحل والسويداء، التي تعيش اليوم حصاراً ميدانياً وإعلامياً معاً، حيث لا يُسمح لخطاب الأطراف الأخرى بأن يصل إلى الرأي العام. كما لفت إلى استخدام لغة السباب والتحقير بحق مكونات سورية مختلفة، ما يؤدي إلى ردود فعل حادة ويعمق عدم القبول المتبادل.

وأكد أن استمرار الخطاب الأحادي الذي يعتمد على السرديات الإقصائية أو تحقير الأشخاص والمكونات يؤدي إلى مزيد من الانفجار المجتمعي، وقد أصبح ذلك واضحاً خلال الأشهر الأخيرة من خلال طريقة تناول الإعلام لقضايا السوريين.

وأضاف: "وجود شاشة سورية تتحدث في قضايا السوريين أمر إيجابي، لكن طريقة التناول هي الأساس، وفي ظل وجود مفاوضات بين الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية ودمشق، يفترض أن يكون الخطاب الحكومي معززاً للمشتركات لا مثيراً للتوتر أو محرضاً على أطراف أخرى".

وشدد سليمان على أن الإعلام المستقل يتحمّل اليوم دوراً أساسياً في كشف الروايات والمعلومات التي يتحاشاها الإعلام الرسمي، سواء لعجز الحكومة عن معالجتها أو لرغبتها في توجيه الرأي العام، ومع تعدد الروايات وتناقضها بين السوريين يصبح دور الإعلام المحايد أكبر في كشف الحقائق وتقديم صورة أكثر توازناً.

وقال: "لتخفيف التوتر، يجب اعتماد برنامج واضح واستراتيجية إعلامية تقوم على تناول القضايا من جميع زواياها والاستماع مباشرة لأصحابها، وليس الاكتفاء بالمصادر التي ترغب الحكومة بإبرازها فقط".

نهج إعلام الحكومة الانتقالية يشكل خطراً حقيقياً على استقرار المرحلة الانتقالية

ومن جانبها، انتقدت الصحفية والمحررة في صحيفة روناهي بيريفان خليل، الخطاب الإعلامي الصادر عن الحكومة الانتقالية خلال الفترة الأخيرة، معتبرة أنه: "ارتباك سياسي يتستر خلف لغة تبريرية بدل تقديم حلول حقيقية للأزمات التي يعيشها الشارع، بل تؤجج الأزمات وتعمّقها سواء بشكل مباشر عبر وسائل إعلامها أو ما خلف الستار".

وأوضحت بيريفان خليل: "منذ قرابة العام، أمِل الشعب أن تُبنى سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية، تصان فيه حقوق جميع المكونات، وأن يُتخذ نموذج شمال وشرق سوريا مثالاً له، ولكن ما نراه هو عكس طموحات وآمال الشعب، إذ نرى انقسامات ضمن المجتمع السوري فقد خلق إعلام الحكومة فجوات بين المجتمع وشرخاً طائفياً عميقاً".

وقالت بيريفان إن الخطاب الرسمي بات يعتمد على إدارة الأزمة بالكلام، مشيرة إلى أن البيانات الحكومية تفتقر إلى رؤية واضحة أو خطة عملية، ما أدى إلى اتساع فجوة الثقة بين الشارع والمؤسسات، وأوضحت أن الحكومة تلجأ في خطابها إلى توزيع المسؤوليات بشكل فضفاض وغير محدد، دون تحديد جهة تتحمّل المسؤولية المباشرة، الأمر الذي يترك المواطنين في حالة ضياع ويمنعهم من فهم من يقود القرار السياسي والاقتصادي في البلاد.

وأكدت بيريفان خليل أن تأثير هذا الخطاب انعكس بشكل سلبي على الشارع في الداخل والساحل، حيث يواجه المواطنون ظروفاً معيشية خانقة دون أن يتلقوا من الحكومة إشارات تطمين أو حلولاً عملية، في وقت كان يتطلب أن يكون الدور الإعلامي بنّاء وليس خلق أزمات، وأضافت: "الناس لم تعد تريد تبريرات، بل خطوات ملموسة، وغياب هذه الخطوات هو ما يدفع نحو مزيد من الاحتقان".

وحذرت من أن استمرار هذا النهج الإعلامي يشكل خطراً حقيقياً على استقرار المرحلة الانتقالية، مؤكدة أن تآكل الثقة الشعبية قد يقود إلى مزيد من الفوضى أو استغلال الشارع من قبل أطراف ترغب في تأجيج الوضع.

وبيّنت أن الإعلام الحكومي يفتقر إلى المهنية والإنسانية، فمن ناحية يهدد ويتوعد الطوائف بالقتل والذبح والإبادة، ويحاول أن يجعل كل الطوائف في سوريا، تقتل بعضها بعضاً، وقد شاهدنا ذلك خلال المسيرات والمظاهرات التي وقعت قبل فترة وجيزة ولغة التحريض والتقليل من شأن المكونات الأخرى".

وشددت على الدور المهم للإعلام المستقل في هذه المرحلة، معتبرة أنه الجهة القادرة على سد الفجوة المعلوماتية من خلال تقديم معلومات دقيقة، وفتح الملفات الأساسية، وتسليط الضوء على جذور الأزمات بعيداً عن التهويل، وختمت بدعوتها إلى اعتماد خطاب رسمي بديل يقوم على الشفافية والمكاشفة، وفتح المجال أمام الإعلام لطرح أسئلة جوهرية تسهم في اتخاذ قرارات تعالج أساس الأزمة، لا أعراضها فقط.

(أ ب)

ANHA