أطفال لا يعرفون قراهم

هجّرت تركيا أكثر من 300 ألف مدني من مدينتي سري كانيه وكري سبي شمال شرق سوريا. ومنذ ذلك الحين، نشأ آلاف الأطفال في مخيمات النزوح، بعيداً عن قراهم التي لم يروها قط. وباتت تفاصيل المدن المحتلة تُروى لهم من أقرانهم وذويهم، فيما يواصل الاحتلال فرض واقع ديمغرافي جديد وسط صمت دولي مريب.

أطفال لا يعرفون قراهم
أطفال لا يعرفون قراهم
أطفال لا يعرفون قراهم
أطفال لا يعرفون قراهم
أطفال لا يعرفون قراهم
أطفال لا يعرفون قراهم
الجمعة 10 تشرين الأول, 2025   05:00
عين عيسى

في التاسع من تشرين الأول عام 2019، شنّت دولة الاحتلال التركي هجوماً على مناطق شمال وشرق سوريا، انتهى باحتلال مدينتي سري كانيه/رأس العين وكري سبي/تل أبيض، وتسبب في تهجير أكثر من 300 ألف مدني، بينهم نحو 100 ألف من سكان كري سبي، تحت وابل من القصف والتهديد والمجازر. ومنذ ذلك الحين، يعيش المهجرون في مخيمات النزوح ضمن مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية، بينما تحولت مدنهم إلى ساحات للفوضى والانتهاكات المنظمة.

لم يكن هدف الاحتلال التركي مجرد السيطرة العسكرية، بل اتضح منذ البداية أن الهدف إحداث تغيير ديمغرافي واسع النطاق. فقد تم جلب عائلات المرتزقة الموالين لأنقرة وإسكانهم في منازل السكان الأصليين الذين أُجبروا على النزوح، بينما مُنع المهجرون من العودة إلى ديارهم. كما فُرضت أنظمة تعليمية وخدمية تتبع مباشرة للسلطات التركية.

المهجر إبراهيم الياسين، الخمسيني من قرية العلي باجلية التابعة لكري سبي، قال: "أقطن في المخيم، بينما يسكن شخص آخر من دير الزور في منزلي الذي هُجِّرت منه؛ أين العدل؟". وطالب بتطبيق اتفاق 10 آذار لضمان العودة الآمنة وإنهاء معاناة التهجير.

توطين قسري وترحيل منظم

خلال العامين الماضيين، وثّقت وكالتنا دخول أكثر من 30 ألف شخص إلى مدينة كري سبي وريفها، بعد إعلان السلطات التركية بدء ترحيل اللاجئين السوريين من أراضيها إلى المناطق التي تحتلها في سوريا، وتوطينهم في منازل المهجرين أو في مستوطنات أُنشئت بدعم من جمعيات ودول خليجية.

منذ عام 2019، لم تتوقف التقارير الحقوقية عن رصد انتهاكات يومية بحق من تبقى من المدنيين في المدينتين المحتلتين، شملت الخطف، الابتزاز، الاستيلاء على الأملاك، تدمير المنازل، ونهب المحاصيل الزراعية. كما أصبحت حالات القتل خارج القانون والاعتقالات التعسفية جزءاً من الحياة اليومية، وسط صمت دولي مريب.

المهجرة نورة الشريد من قرية الشركراك قالت: "خرجنا من منازلنا تحت القصف خوفاً على أطفالنا، على أمل العودة خلال أيام، لكننا اليوم على أعتاب السنة السادسة للتهجير". وأكدت أن منزلها تم تجريفه بالكامل لإنشاء قاعدة عسكرية للاحتلال قرب الطريق الدولي M4، مشيرة إلى أنها مستعدة للعيش في خيمة قرب منزلها المدمر.

يعيش آلاف المهجرين في مخيم كري سبي ومخيمات أخرى بريف الرقة في ظروف قاسية منذ ست سنوات. خولة إبراهيم، إحدى المهجرات، قالت: "أطفالنا كبروا في الخيم، المدارس محدودة، والعمل شبه معدوم".

النساء والأطفال دفعوا الثمن الأكبر؛ كثير من النساء فقدن أزواجهن أو مصادر رزقهن ويعشن في خوف من المستقبل، بينما نشأ الأطفال في بيئة تفتقر للاستقرار النفسي والتعليمي، ما ينذر بجيل يعاني أزمة هوية وانتماء.

الطفل أحمد المصطفى من قرية الشركراك يبلغ من العمر حوالي ثمانية أعوام، قال: "لا أتذكر قريتي، عشت في المخيم، ولكن والدي يحدثني عنها. أتمنى العودة إليها والعيش فيها، وأن أتعلم في مدرسة القرية".

رغم توثيق الانتهاكات والجرائم التي يرتكبها الاحتلال التركي، لا يزال الموقف الدولي يفتقر للجدية، ولم يُمارس أي ضغط حقيقي على أنقرة لإنهاء احتلالها أو ضمان حماية المدنيين، ما سمح بترسيخ واقع الاحتلال والتغيير الديمغرافي.

مع دخول العام السادس على الاحتلال، تبقى قضية المهجرين واحدة من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية في شمال وشرق سوريا. فلا يمكن الحديث عن حل عادل ودائم دون ضمان العودة الآمنة والطوعية لجميع المهجرين، واستعادة الحقوق، وإنهاء سياسات الاحتلال التركي.

(د)

ANHA