السويداء والدروز.. تاريخ طويل من الإصرار على تحقيق الأهداف

اتخذت السويداء مع انطلاق الأزمة السورية خطوات مهمة باتجاه إدارة نفسها من خلال الاعتماد على أبنائها ومواردها المحلية، في وقت سعى نظام البعث السابق والمجموعات المسلحة ومرتزقة داعش لإخضاع أهالي المدينة، لتأتي الحكومة الانتقالية الجديدة وتكمل المسار نفسه، إلا أن إرادة الشعب الدرزي كانت أقوى من هذه السياسات وبات أهلها على بعد خطوات من تحقيق أهدافهم.

السويداء والدروز.. تاريخ طويل من الإصرار على تحقيق الأهداف
السبت 19 تموز, 2025   05:10
مركز الأخبار

تقع السويداء جنوب غرب سوريا قريبة من دمشق، حيث يحدها من الشمال ريف دمشق ومن الجنوب الأردن ومن الغرب درعا ومن الشرق بادية الشام، تعرف بـ "جبل العرب" كونها أوت أحرار سوريا الذين حاربوا الانتداب الفرنسي، وكانت نواة الثورة السورية الكبرى عام 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش التي حصلت سوريا بعدها على الاستقلال.

وتبلغ مساحتها 6 آلاف و500 كيلومتر مربع، ومن أبرز مدنها السويداء المدينة، وشهبا، وصلخد، واشتهرت المنطقة بزراعة العنب والتفاح وتوجد بها آثار رومانية عديدة، كما توجد على أطرافها سلسلة جبال بركانية خامدة وكهوف.

يقدر عدد سكانها بنحو 770 ألف نسمة، إذ يشكل المسيحيون (معظمهم من الروم الأرثوذكس) 11%، ويشكّل المسلمون من السنة 2%، إلا أن النسبة الأكبر ينتمون إلى الدروز الذين يشكلون 87.6%.

والدروز يطلقون على أنفسهم الموحدين، طائفة وإثنية دينية تدين بمذهب التوحيد ذي التعاليم الباطنية، التي تعود أصولها إلى مذهب الإسماعيلية، إحدى المذاهب الإسلامية، وإلى الدولة الفاطمية في القرن العاشر، كما ترجع جذورهم إلى غرب آسيا، تراوح أعدادهم في العالم بين 800 ألف نسمة إلى حوالي المليونين، موجودون في المقام الأول في كل من سوريا ولبنان وإسرائيل، كما أنهم معروفون بتماسكهم الاجتماعي والثقافي والسياسي، نتيجة حملات الاضطهاد التي تعرضوا لها، إذ شكلَوا مجتمعات متماسكة مغلقة لا تسمح بانضمام غير الدروز إليها، على الرغم من أنهم مندمجون بشكل كامل في أوطانهم المعتمدة.

وتتوزع عشائر البدو على أطراف مدينة السويداء الشمالية والشرقية في مناطق الحروبة ورجم الزيتون والمقوس وبريكة والمزرعة ونجران والمنصورة والمقوس والكفر وسهوة البلاطة والشعاب، ويوجدون أيضاً بكثافة في بلدة عرى جنوب غرب مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية.

ولم تخلُ العلاقة بين المكونين خلال هذه السنوات من التوتر بسبب خلافات حول المراعي أو قضايا جنائية فردية تحولت أحياناً إلى خلافات جماعية. ويوضح أن أحداث عام 2000 التي شهدتها السويداء من صدامات حادة ما بين البدو والدروز، التي تطورت إلى معارك متفرقة أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من الجانبين، أثرت كثيراً على العلاقة بينهما لسنوات طويلة.

تاريخ نضالي طويل على الرغم من المعاناة والتحديات

لم يكن تثبيت أقدام الدروز في بلاد الشام بالأمر السهل، لما تميزوا به من ميول استقلالي، فقد جابهوا الكثير من الصعوبات والعراقيل وتعرضوا إلى محاولات إفناء وإبادة ذهب ضحيتها الآلاف منذ ألف عام، وأبرز هذه المحن كانت محنة الدَّجال (1021 حتى 1026) التي ارتكبت على يد الخليفة الفاطمي علي الظاهر لإعزاز دين الله، ومحنة أنطاكيا (١٠٣٢م) التي ارتكبت على يد المرداسيين والبيزنطيين، ومعركة عكار (١٥٤٨م)، التي صارعوا فيها العثمانيين ووصل عدد ضحايا المعركة من الدروز إلى ستين ألفاً، هذا بالإضافة إلى الدمار والخراب الذي حل في البلاد وقضى على عشرات القرى الدرزية الآمنة، بالإضافة إلى معركة كسروان التي حدثت بين الدروز والمارونيين (المسيحيين) عام 1860 في لبنان، والتي كانت سبباً في هجرة كبيرة للدروز نحو جبل العرب في سوريا.

أدى الدروز دوراً مهماً في السياسة السورية بالمقارنة مع عددهم الصغير نسبياً، إذ شكل دروز الجبال الجنوبية الغربية في سوريا قوة فاعلة في سياسة البلاد، ولعبوا دوراً قيادياً في الكفاح ضد الانتداب الفرنسي تحت القيادة العسكرية للسلطان باشا الأطرش.

وقدم الدروز الكثير من الوجوه العسكرية التي قادت الثورة السورية الكبرى بين عامي 1925- 1927، وفي عام 1945 قاد سلطان الأطرش، القائد السياسي الأعلى لجبل الدروز الوحدات العسكرية الدرزية في نضال ضد الانتداب الفرنسي، مما جعل جبل الدروز المنطقة الأولى والوحيدة في سوريا التي قامت بتحرير نفسها من الحكم الفرنسي دون مساعدة بريطانية، واستمروا في المقاومة حتى جلاء الفرنسيين عام 1946.

وبعد الاستقلال، توقع الدروز أن تكافئهم دمشق على تضحياتهم الكثيرة في ساحة المعركة، وطالبوا بالحفاظ على إدارتهم المستقلة التي حصلوا عليها خلال فترة الانتداب الفرنسي وطلبوا آنذاك مساعدة اقتصادية سخية من "الحكومة" المستقلة حديثاً.

وخلال فترة الانتداب الفرنسي قسّمت سوريا إلى دول قصيرة الأمد، وهي دولة دمشق (1920)، ودولة حلب (1920)، ودولة جبل العلويين (1920)، ودولة جبل الدروز (1921)، ودولة سنجق اسكندرون (1921) المحتلة الآن من قبل تركيا.

إلا أن الوقائع التي حدثت بفعل السلطة الحاكمة في سوريا كانت بعكس مطالبهم، إذ تعرّض الدروز لحملة اضطهاد من قبل السلطة الحاكمة في سوريا آنذاك، فخلال السنوات الأربع لحكم أديب الشيشكلي في سوريا خلال الفترة الممتدة بين عامي 1949- 1954، تعرّض المجتمع الدرزي لهجوم شديد من قبله، معتقداً أن الدروز هم "الأكثر خطورة" بين خصومه، وكان مصمماً على القضاء عليهم، إذ صرح مراراً وتكراراً "أعدائي مثل الثعبان: الرأس هو جبل الدروز والمعدة هي حمص والذيل هي حلب، وإذا سحقت الرأس فسيموت الثعبان"، وعلى إثر كل هذا الاضطهاد بحق الدروز اغتيل أديب الشيشكلي في البرازيل في 27 أيلول/ سبتمبر عام 1964 على يد درزي سعياً للانتقام.

البعث يكمل مسيرة الاضطهاد

وبعد استلام حزب البعث زمام الأمور في سوريا، ظلت سياسات الاضطهاد والتهميش مستمرة بحق الدروز، ففي عام 2000 نشب صدام حاد بين دروز السويداء وبدوها، إثر قيام بعض العناصر من البدو المرتبطين بأجهزة الأمن التابعة للنظام السابق بخرق الأعراف الاجتماعية في المنطقة، ولكن في الحقيقة لم يكن صراعاً مع البدو كما صورها وصدرها "إعلام حكومة دمشق"، ولم يكن البدو طرفاً أساسياً به، فجميع من قضوا في أحداثها والذين بلغ عددهم 25 قتيلاً، كانوا قد قتلوا برصاص قوات النظام، ما أدى إلى انفجار الاحتجاجات في ساحات المدينة، سارع النظام إلى لجمها من خلال زرع الفتنة والتدخل العنيف ضد أبنائها.

واستمر هذا السيناريو بالتكرار نفسه بعد اندلاع الأزمة السورية عام 2011، إذ كانت السويداء من بين أولى المحافظات السورية التي شاركت في التظاهرات التي اندلعت في البلاد، إلا أنه سرعان ما تدخل النظام للجم تلك التظاهرات، واعتقل على إثرها الكثير من أبنائها.

السويداء واستحضار التجربة في شمال وشرق سوريا

بالتزامن مع نجاح تجربة شمال وشرق سوريا من خلال إنهاء سيطرة نظام البعث وحماية مناطق الإدارة الذاتية وعدم الدخول في صراعات سياسية وطائفية وقومية، سلك الدروز نفس الطريق تحت شعار "حماية الأرض والعرض"، إذ تمكنوا من تشكيل أحزاب سياسية وفصائل عسكرية محلية لإدارة شؤونهم بنفسهم، كما دعا العديد من القوى والشخصيات السياسية من أبناء السويداء لتطبيق نموذج الإدارة الذاتية الذي تم تطبيقه في شمال وشرق سوريا في منطقتهم، كما انتقدوا دور الدولة القومية في وصول سوريا لهذه الأزمة.

وتشكلت عدة قوى سياسية وعسكرية أبرزها حركة "رجال الكرامة"، التي تأسست على يد الشيخ وحيد البلعوس لمنع أجهزة النظام الأمنية من اعتقال الشبان الرافضين تأدية الخدمة الإلزامية في قواتها. ولكن هذه الحركة تلقت صدمة كبرى حين اغتيل قائدها ومؤسسها منتصف عام 2015، في تفجير دامٍ.

- حركة رجال الكرامة: هي من أكبر الفصائل المحلية في السويداء حيث تنتشر بغالبية مناطقها، تأسست عام 2012 على يد "وحيد فهد البلعوس"، ومرجعيتها الدينية الشيخ "راكان الأطرش" والشيخ "يحيى الحجار".

وتدخلت الحركة مرات عدة وضغطت على قوات النظام من أجل الإفراج عن معتقلين دروز، وتحظى الحركة بدعم الحزب "التقدمي الاشتراكي" اللبناني الذي يتزعمه "وليد جنبلاط"، حيث تشير بعض التقارير إلى تلقيها دعماً من الحزب، وقتل مؤسسها "وحيد البلعوس" في شهر أيلول عام 2015، برفقة العشرات من مقاتلي الحركة بعد انفجار استهدف موكبه في السويداء، لتتوجه أصابع الاتهام إلى استخبارات النظام السوري السابق، باعتبار أن "البلعوس" كانت له مواقف حادة قبيل مقتله متعلقة بالتحاق شباب السويداء بالخدمة الإلزامية، وجاء مقتله بعد أسابيع من قوله لجملته المشهورة قبل أسابيع من مقتله: "كرامتنا أغلى من بشار الأسد".

المجلس العسكري في السويداء: شُكِّل "المجلس العسكري" في بلدة الغارية بالسويداء منذ 24 شباط 2025، أي بعد سقوط نظام الأسد، وهو اتحاد مجموعات مسلّحة بقيادة طارق الشوفي، باستثناء "لواء الجبل"، و"رجال الكرامة"، و"أحرار الجبل"، ويتميز "المجلس العسكري" في السويداء بتنظيم عسكري وإداري متكامل، وأعرب "المجلس العسكري" عن انفتاحه على التعاون مع قوات سوريا الديمقراطية، كما أعلن تأييده للرئيس الروحي للطائفة الدرزية في البلاد، حكمت الهجري.

 كتائب المقداد: تنشط في قريتي "المزرعة" و "عرمان" بالسويداء، ويقودها زعيم محلي يدعى "ثائر فياض"، وأبرز ما قامت به منذ تشكيلها المشاركة في مواجهة مرتزقة داعش عند اقتحامه قرى شرق السويداء.

أما بالنسبة للقوى السياسية، فكان أبرزها حزب اللواء السوري، الذي شكلته مجموعة من المعارضين السياسيين في السويداء في مسعى لاستعادة الدور الحقيقي للدروز المبعدين بشكل مقصود عن المشهد السياسي في سوريا منذ عقود، وتشكيل هيئة حكم انتقالي بصلاحيات كاملة لضمان انتقال سلمي ودوري للسلطة، وإقامة دولة ديموقراطية تحت ظل الدستور.

البعث وداعش يعاقبان الدروز ولكن

وبسبب موقف الدروز من الأزمة السورية، تعرضت السويداء في 25 تموز عام 2018، لسلسلة هجمات شنها مرتزقة داعش، ما أسفر عن مقتل 258 شخصاً على الأقل، ووجهت آنذاك إلى نظام البعث انتقادات واتهامات على أنه متآمر مع داعش لضرب الدروز.

وإثر تعمّد نظام البعث في خلق حالة من الفوضى والفلتان الأمني في السويداء والواقع المعيشي المتردي الذي يعانوا منه، اندلعت احتجاجات مطلع عام 2020، حملت عنوان: "بدنا نعيش لا فساد ولا تهميش"، اشتدت ذروتها عام 2022 لتتطور مطالب المحتجين من التنديد بالواقع المعيشي إلى الهتاف بـ "إسقاط النظام السوري" والمطالبة بتطبيق القرار الأممي 2254 الذي ينص على الانتقال السياسي في سوريا والإفراج عن المعتقلين والكشف عن مصيرهم.

الحكومة الانتقالية تكمل مسار البعث

مع انطلاق العمليات العسكرية ضد نظام البعث، أعلنت القوات العسكرية في السويداء دعمها لهذه العمليات، وتحدثت تقارير عن مساهمة فعلية ومنها التحرك باتجاه دمشق قبل وصول "هيئة تحرير الشام" والفصائل الأخرى، إلا أن هذه الفصائل ومنذ الأيام الأولى لسقوط النظام استفردت بالحكم وأقصت كل المكونات والقوى السياسية والعسكرية وخاصة ذات الطابع المدني والوطني والديمقراطي ومن بينهم القوى في السويداء.

ولم يتم إشراك القوى العسكرية والسياسية الدرزية في الخطوات اللاحقة كحراك تشكيل الجيش الذي لم يصل إلى نتائج حتى الآن وصولاً إلى جلسات الحوار الوطني وهذا يوضح بأن الحكومة الانتقالية تبيّت نوايا سيئة تجاه أهالي السويداء.

وخلال تلك الفترة حاولت الحكومة الانتقالية وفصائلها اختبار الدروز وابتزازهم من خلال افتعال مشكلات أمنية معهم، سواء في السويداء وفي أحياء يقطنوها في دمشق مثل جرمانا وصحنايا، على الرغم من إبداء قوى السويداء الاندماج في الحكومة وسمحت للمحافظ ومؤسسات الدولة بالدخول إلى المدينة والعمل هناك، إلا أن الحكومة الانتقالية لم تكتفِ بذلك حيث تريد فرض الهيمنة والسيطرة بشكل كامل على المدينة وريفها.

ومنذ الأسابيع الأولى بعد سقوط النظام، بدأت صفحات تابعة لمؤيدي الحكومة الانتقالية بالتحريض على أهالي السويداء وقادتهم السياسيين والعسكريون والدينيين ودعت لتكفيرهم والتحشيد ضدهم، ووصل الأمر إلى افتعال أزمة مع أهالي السويداء من خلال استغلال المشكلات بينهم وبين عشائر البدو، إلا أنه وفي الواقع كانت الحكومة الانتقالية ومجموعات مسلحة مرتبطة بها هي من تقف وراء هذه الأزمة، حيث سرعان ما تدخلت وبدأت بشن الهجمات على السويداء وحاولت فرض الاستسلام على أهلها.

وأكد مراسلنا، وكذلك مصادر ميدانية من القوات العسكرية المحلية والمرصد السوري لحقوق الإنسان، أن قوات الحكومة الانتقالية ومجموعات مسلحة مرتبطة بها سيطرت يوم الاثنين 14 تموز على عدة قرى يسيطر عليها الدروز على أطراف المدينة، في المقابل الرئيس الروحي لطائفة المسلمين الموحدين الدروز، حكمت الهجري في اليوم نفسه، الثلاثاء، دعا إلى "التصدي لهذه الحملة البربرية بكل الوسائل المتاحة"، لكن التدخل الإسرائيلي دفع الحكومة الانتقالية للتراجع وسحب قواتها، ورغم أن الحكومة حاولت تجميل هذه الاتفاقية وعدم إظهار تنازلها، إلا أن رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع وخلال خطاب متلفز ألقاه فجر يوم الخميس، أقرّ بأنه تم "تكليف فصائل محلية وشيوخ من الطائفة الدرزية لإدارة مناطقهم".

وتحدث سكان عن انتهاكات جسيمة شملت إعدامات وعمليات نهب وحرق منازل منذ توغل القوات التابعة للحكومة الانتقالية والمجموعات المرافقة، وبعد انسحاب المجموعات تم اكتشاف الكثير من الجرائم والانتهاكات حيث أعلن المرجع الديني الدرزي حكمت الهجري السويداء مدينة منكوبة.

ونوّه سياسيون ونشطاء سوريون عبر مواقعهم على التواصل الافتراضي، أنه على الرغم من أن الحكومة الانتقالية تحاول تكرار مصطلحات النظام البعثي حول السويداء مثل وحدة البلاد ومنع التقسيم، إلا أن مجريات الانسحاب منحت إدارة لامركزية بصلاحيات موسعة لأهالي السويداء.

(آ)

ANHA