ثلاثون عاماً على زيارة الشهيد فؤاد لقرية عبد السلام

مرّ ثلاثون عاماً على زيارة الشهيد علي حيدر كايتان لقرية عبد السلام بريف سري كانيه، لكن أثر الزيارة لا يزال حيّاً في ذاكرة عائلة عبد الكريم عبدو التي احتضنته يوماً، لتصبح تلك اللحظة منطلقاً لمسيرة نضالٍ لم تنطفئ.

ثلاثون عاماً على زيارة الشهيد فؤاد لقرية عبد السلام
ثلاثون عاماً على زيارة الشهيد فؤاد لقرية عبد السلام
ثلاثون عاماً على زيارة الشهيد فؤاد لقرية عبد السلام
ثلاثون عاماً على زيارة الشهيد فؤاد لقرية عبد السلام
ثلاثون عاماً على زيارة الشهيد فؤاد لقرية عبد السلام
الإثنين 2 حزيران, 2025   05:01
قامشلو
سلافا عبد الرحمن

أعلن حزب العمال الكردستاني في بيانه الختامي لمؤتمره الثاني عشر، الذي انعقد بدعوة من القائد عبد الله أوجلان، عن استشهاد اثنين من كوادره البارزين والمؤسسين، علي حيدر كايتان (فؤاد) ورضا ألتون، مؤكدًا أن نضالهما سيبقى حيّاً في ذاكرة الشعب ومقاومته.

وفي مدينة قامشلو، جلست عائلة من قرية عبد السلام الواقعة في ريف سري كانيه والمحتلة اليوم من قبل جيش الاحتلال التركي ومرتزقته تتأمل صورةً قديمة جمعتهم بالشهيد علي حيدر كايتان (فؤاد) خلال زيارته لقريتهم عام 1995.

الصورة، التي مرّ عليها نحو ثلاثين عاماً، لا تزال تحمل دفء تلك اللحظة التي التقوا فيها بأحد مؤسسي حزب العمال الكردستاني، في زمنٍ كان فيه كل لقاء مع مناضل يشبه احتضان الحلم.

تفتح الذاكرة أبوابها، ويستعيد عبد الكريم عبدو تفاصيل الزيارة كما لو أنها حدثت بالأمس: "حين رأيته أول مرة، أدركت أننا أمام رجلٍ مختلف... قيادي بارز، ولكن أكثر من ذلك، كان إنساناً دافئاً، تقرّب منا بابتسامة لم تكن تُطمئن فقط، بل تُلزمك أن تصدّقه. لم يكن خطيباً حماسياً، بل هادئاً يحمل سكينة داخلية نادرة، وهيبة نابعة من العمق لا من المظهر".

كان الشهيد علي حيدر، كما يصفه عبد الكريم، يمتلك قدرة على بثّ الطمأنينة والثقة دون أن يتكلم كثيراً. ويضيف: "تعلمت منه أن الصبر ليس احتمالاً سلبياً، بل فعل نضالي، وأن الغضب حين يأتي من عقلٍ نيّر، يمكن أن يضيء طريقاً لا أن يُحرقه".

أثر لا يُنسى

أثناء إقامته، أجرى الشهيد فؤاد جولة في القرية برفقة عبدو، حيث كان عدد من كوادر الحزب يتلقون تدريباً فكرياً في القرية ووجد كيف الأهالي يحمون مكان التدريب لمنع تسرب أي معلومة. ويتذكر عبد الكريم كلمات قالها له علي حيدر خلال تلك الجولة: "مثل هؤلاء العوائل المناضلة، يستحقون أن نقدّم دماءنا فداءً لهم".

ويروي عبد الكريم أن كلمات الشهيد فؤاد دخلت إلى أعماقهم وأثّرت بهم، ما جعله يواصل درب النضال لأكثر من ثلاثين عاماً، مؤكداً: "لقد عاهدت الشهيد ألا أعود خطوة للوراء، وأن أدافع عن القضية الكردية".

في تلك الزيارة، كانت روكستان عبدو رضيعة لا تتجاوز العام والنصف من عمرها. لكنها تقول إن مجرد التقائها بالشهيد فؤاد، حمّلها مسؤولية كبرت معها، وقالت: "ربما كنت طفلة صغيرة، لكن اللقاء ذلك اليوم وضع في داخلي بذرة لا تزال تنمو. منذ طفولتي قررت أن أكون على قدر ما وضعه فينا الشهيد من أمل".

تلاحم النساء بالثورة والثوار

وبدورها، تضحك سعدية بشير، زوجة عبد الكريم، حين تستذكر أحد المواقف الطريفة والمؤثرة مع الشهيد فؤاد: "كنت أعد الطعام في المطبخ عندما سألني: هل تتلقين التدريب؟ قلت له: أنا صاحبة المنزل، وأتلقى التدريب أيضاً!"

تلك اللحظة لم تكن مجرد مزحة عابرة، بل اختصار لحالة التلاحم العفوي بين النساء والثورة. تتابع: "تصورنا معاً صورة تذكارية، ووعدنا أنه حين يعود للجبال سيرسل لنا صورة... ووفى بوعده. هذا هو علي حيدر كايتان الذي لا ينسى، والذي علّمنا كيف نزرع في أبنائنا حب الوطن والكرامة".

نبأ الاستشهاد

حين وصل خبر استشهاد الرفيق فؤاد، كان بمثابة زلزال عاطفي للعائلة، وتروي كولناز درويش، شقيقة عبد الكريم ومعلمة اللغة الكردية عن حزنها، وقالت: "لم يكن مجرد رفيق للقائد، بل كان قدوةً نادرة قلّ أن تتكرر". وتضيف كولناز درويش: "بيتنا كان دائماً مفتوحاً لكوادر الحرية، وكل من نزل من الجبل كان يجد مكانه بيننا. كانوا يمنحوننا طاقة وإصراراً لا يُقاس، ودفعونا لنكون جزءاً من هذه الثورة التي لا تزال مستمرة حتى اليوم".

اليوم، وبعد مرور ثلاثة عقود على تلك الزيارة، لا تزال صورة الشهيد علي حيدر معلّقة في ذاكرة العائلة، وفي القلب. لم يكن زائراً عابراً، بل معلّماً، وقدوة، وشعلة نضال أشعلت قلوباً لم تنطفئ بعدها أبداً.

في هذا الركن من التاريخ الكردي، كانت قرية عبد السلام أكثر من مجرد محطة، كانت أكاديمية للروح، ولقاءً شكّل بداية حكايات نضال ستُروى لأجيال.

(آ)