رضا ألتون..قصة ثائر من توزلوشاير إلى جبال كردستان

إنّها حكاية مسيرةٍ بدأت في شوارع توزلوشاير وتوّجت بنضال ملحمي في جبال كردستان الشاهقة، إنّها قصة عضو الهيئة القيادية لمنظومة المجتمع الكردستاني رضا ألتون، قصة شاب كردي جاء من قرية فقيرة ونمّى شخصية ثورية، هذه الرحلة، التي بدأت في قرية كوجوكسوبشيمن في ناحية سارز في قيصري في عام 1956، هي قصة حياة حافلة بالنفي والصعوبات والمقاومة والبحث عن الحرية.

رضا ألتون..قصة ثائر من توزلوشاير إلى جبال كردستان
الإثنين 12 مايو, 2025   21:25
مركز الأخبار

ولد رضا ألتون في قرية كوجوكسوبشيمن في ناحية سارز في قيصري لعائلة كردية علوية في عام 1956، وقرية كوجوكسوبشيمن هي المكان الذي نُفي إليه الكرد منذ العهد العثماني، ليعيشوا في ظل الفقر والحرمان، وقضى ألتون طفولته على الطرقات والصخور في هذه القرية المنفية، وكان والده قد انتقل إلى أنقرة تاركاً عائلته خلفه لكسب لقمة العيش، فعاش ألتون في هذه القرية حتى السادسة من عمره حياة صعبة ولكن بسيطة أيضاً. 

في أوائل الستينيات، انتقلت عائلة ألتون إلى أنقرة، فأصبح عنوانهم الجديد هو حي توزلوشاير في ماماك، وكانت هذه الناحية ذات الأحياء الفقيرة التي تجمع فقراء الكرد والعلويين، بمثابة مختبر للانتفاضة الاجتماعية، ولكن عائلة ألتون لم تحظ بالترحيب الحار باعتبارهم "أجانب، غرباء" من القرية، فقد أصبحت الملابس الكردية للأم خديجة واللغة الكردية للعائلة محط سخرية في الحي، فكان الأطفال يلقون الحجارة على منزلهم، وكانت الإهانات جزءاً من الحياة اليومية، ومع ذلك، تحوّلت توزلوشاير إلى مدرسة شكلت روح ألتون، فهنا تعلم الألم والمقاومة.

الصحوة الثورية

لم يتمكن ألتون من مواصلة تعليمه بعد الانتهاء من المدرسة الابتدائية، لذلك بدأ العمل في سن مبكرة، فاشتغل في الأعمال الحرة، والبناء، والبيع في الشوارع، كانت أياماً طويلة ومتعبة. تحول توزلوشاير في سبعينيات القرن العشرين إلى مركز للثورة، حتى في ظل القمع الذي خلفه انقلاب 12 آذار 1971، كانت رياح اليسار تهب على الحي، كانت شجاعة ماهر جايان والروح المتمردة لدنيز غزميش على ألسنة الشباب، لقد أصبح توزلوشاير بمثابة شعلة أشعلت الوعي الثوري ليس فقط لدى ألتون، بل لدى جيل كامل.

في عام 1973، وفي سن السابعة عشرة، انضم ألتون إلى الجمعيات اليسارية في توزلوشاير ومالطة بي كمتعاطف مع جيش التحرير الشعبي التركي (THKO)، وكانت هذه الجمعيات بمثابة مدرسة بالنسبة له، فقد عرف فيها أفكار المساواة والحرية والنضال، وقد قال عن هذه المرحلة من حياته: "لم أترك الجمعية مرة أخرى أبدًا"، فلم تعد شوارع توزلوشاير مجرّد شوارع، بل أصبحت ساحة تنبض بالثورة.

اتّحاد روح ألتون الثورية مع القائد عبد الله أوجلان

كان عام 1975 نقطة تحول في حياة ألتون، فقد تعرّف في توزلوشاير على كمال بير الذي كان أحد رواد الحركة الآبوجية الذين تبنوا أفكار القائد عبد الله أوجلان، وكان البيت البسيط الذي استأجره كمال بير في الحي مكاناً لتجمّع الشباب الثوريين، وأصبح ألتون أحد الضيوف الدائمين لهذا المنزل، فهناك اجتمعت المناقشات والخطط والأحلام.

وفي أوائل عام 1976، تعرّف رضا ألتون على الثوري حقي قرار ذي الأصول التركية ككمال بير، فأخذه قرار إلى المنزل الذي كان يجتمع فيه الآبوجيون في حي آنتبه في أنقرة، وكان الشخص الذي استضاف ألتون وتحدث معه عن النضال وهو الذي لم يقابله من قبل هو القائد عبد الله أوجلان، وقد تأثّر ألتون بالأفكار التي طرحها القائد وموقفه وتفانيه في نضال الشعب الكردي من أجل الحرية بشدة، سمح له هذا اللقاء بقبول هويته الآبوجية بشكل كامل، فلم يعد عاملاً شاباً في شوارع توزلوشاير، بل أصبح مناضلاً لا يعرف الكلل، متحلياً بوعي النضال الذي شكل حياته وقاتل من أجل تحرير الشعب الكردي.

التوجّه إلى كردستان محطة ديلوك وحلوان

أُرسل رضا ألتون إلى ديلوك في أواخر عام 1976، عندما كان عمره 22 عاماً، بأمر من القائد عبد الله أوجلان، وكان هذا بالنسبة لألتون عالماً جديداً بعد توزلوشاير، فقد تعرّف هناك على الواقع المؤلم في كردستان، إذ استأجر مع مجموعة من أعضاء الحركة الآبوجية منزلاً مؤقتاً في حي يوكاري بيره في ديلوك، وتفاقمت أزمتهم المالية إلى حد كبير، وكانوا يجدون صعوبة في تلبية احتياجاتهم، وفي بعض الأحيان لم يتمكنوا حتى من العثور على طعام يأكلونه، لكن إيمانهم، وإخلاصهم الشديد للشعب، والقيم الأخلاقية للثورة أبقتهم صامدين، وكان ألتون دائماً في طليعة الأنشطة المناهضة للمباني والمقرات والبؤر الفاشية والعميلة.

وتعرّض ألتون أثناء تنقله بين أنقرة وديلوك، لحادث مرور ولم يتمكن من السفر لمدة عام، وقد أدى هذا الحادث إلى وضعه تحت مراقبة قوات الأمن، وكان لاستشهاد حقي قرار في عام 1977 تأثير كبير على ألتون، فعاد إلى ديلوك وشكل مجموعة من الناشطين تتكون من أصدقائه المقربين، وأصبحت مقرات وأماكن الفاشيين وعملائهم  في مرمى أهدافهم.

يعبر طريق ألتون من منطقة جرن رش، فقد شارك هناك في المقاومة ضدّ القوى الإقطاعية مثل سليمان والبوجاك، ولم تكن ناحية جرني رش  بالنسبة له مجرّد ساحة نضال، بل كانت أيضاً المكان الذي تتنفس فيه روح حرية كردستان.

13 عاماً في السجن: التعذيب والمقاومة

اعتُقل ألتون في حلوان عام 1978، وخضع للتحقيق لمدة عام تحت التعذيب الشديد، وقد أدى الانقلاب العسكري في عام 1980 إلى تفاقم معاناة ألتون، فقد أصبح هدفاً للتعذيب الممنهج في سجن آمد، وبقي في الزنزانات المظلمة لسجن آمد خمس سنوات، ورغم أن الوقت الذي قضوه هناك كان تحت تعذيب لاإنساني، إلّا أنّ ألتون أصبح أحد الأسماء التي جذبت الانتباه بمقاومته، ثم قضى ما مجموعه 13 عاماً في سجون أضنة وميرسين وسينوب وأسكي شهير وعنتاب.

ولم تتمكن سياسات السجن الفاشية من كسر عزيمة ألتون وإيمانه وولائه وحبه للشعب، فقد شارك في إضراب الطعام عام 1981 وصيام الموت عام 1982، وأصبح رمزاً للمقاومة في كل غرفة وزنزانة، وعندما أُطلق سراحه في عام 1991، كان جسده متعباً لكن روحه كانت قوية، فبالنسبة له، لم تكن السجون أماكن للاحتجاز فقط، بل كانت أيضاً أماكن تنمّي عزيمته النضالية.

الالتقاء بالقائد عبد الله أوجلان مجدداً في الجبال

توجّه ألتون بعد إطلاق سراحه مباشرة إلى المنطقة التي يوجد فيها القائد عبد الله أوجلان، وخلال إقامته هناك، واجه التحول الذي شهده حزب العمال الكردستاني خلال 13 عاماً، فلم تعد الحركة الآبوجيّة مجرد مجموعة من المسلحين، بل تحولت إلى حركة شاملة وشعبية كبيرة، وشارك ألتون في الأنشطة الدبلوماسية تحت إدارة وإشراف القائد عبد الله أوجلان، فشارك في البيان التاريخي الذي أعلن فيه حزب العمال الكردستاني وقف إطلاق النار عام 1993، ليصبح ممثل حزب العمال الكردستاني في إيران عام 1994 ويقاتل في الوقت نفسه كمقاتل ضمن جيش تحرير شعب كردستان (قوات الدفاع الشعبي) في الجبال.  

أوروبا والعودة إلى الجبال الحرة مجدداً

انتقل رضا ألتون إلى أوروبا في عام 1999، وأدار النشاط الدبلوماسي والسياسي بين الجالية الكردية في أوروبا لـ 7 سنوات، واعتُقل في فرنسا لفترة قصيرة، لكن باريس لم تكن مستقره الدائم، فقد عاد إلى جبال كردستان الحرة في عام 2007، ليتولى هناك مهام عسكرية وسياسية وأيديولوجية بصفته عضواً في الهيئة القيادية لمنظومة المجتمع الكردستاني، وظلّ على رأس هذه المهمة حتى آخر لحظة من حياته.

يشكّل إرثه شعلة الحرية للشعب

حياة رضا ألتون هي ملحمة تمتد من شوارع توزلوشاير المرصوفة بالحصى إلى جبال كردستان الشامخة، فلم يكن ثائراً فحسب، بل كان أيضاً رمزاً حياً لسعي الشعب إلى الحرية، بدأت رحلته كشاب كردي منبوذ في توزلوشاير، ومرّت بظلام السجون، وانتهت بالروح الحرّة للجبال، الممزوجة بأفكار القائد عبد الله أوجلان، لقد ترك ألتون وراءه بصمة فريدة لا تُنسى، سواء كمقاتل أو كقيادي شجاع للنضال الكردي.

بدأت قصته في توزلوشاير، لكن أثره لا يزال حياً في كل ركن من أركان كردستان، وفي كل القلوب النابضة بالحرية.

(ر)