ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات

نشأ في كنف عائلة ثورية قدمت العديد من الشهداء، وتشرّب من فكر القائد عبد الله أوجلان وحلم بكردستان حرة. انضم إلى صفوف وحدات مكافحة الإرهاب (YAT) واختار لنفسه اسم خاله الشهيد "دلكش جيا"، وخاض معارك مصيرية دفاعاً عن شعبه، حتى استشهد في سد تشرين. بقيت ذكراه خالدة كرمز للفداء، وصدى كلماته الأخيرة لعائلته: "إذا استشهدت، فليظل رأسكم مرفوعاً، وأخبروا ابني ريوان أنني استشهدت في سبيل كردستان".

ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
ثورة لا تنتهي.. إيفان قصة نضال حافل بالتضحيات
الجمعة 14 آذار, 2025   03:40
الحسكة
ديار أحمد

في الخامس عشر من أيار عام 2001، أبصر إيفان أكرم كردي، النور في مدينة الحسكة، ليكون الابن الوحيد لعائلته بين ثلاث شقيقات، وينشأ في كنف أسرة وطنية ثورية أدركت جوهر القضية الكردية، وتمسكت بإرث النضال، مستلهمة فكر القائد عبد الله أوجلان.

منذ طفولته، تشكل وعيه على صورة معلقة على جدران المنزل، تُجسّد خاله الشهيد "دلكش جيا" الذي انضم إلى صفوف حركة حرية كردستان عام 1995 واستشهد في جبال شرناخ عام 1998. كان إيفان الطفل الوحيد لوالدته الكردية ووالده ذي الجذور الأرمنية، نشأ محاطاً بحكايات البطولة والفداء.

قضى إيفان طفولته في مدينة الحسكة، وواصل تعليمه حتى المرحلة الإعدادية، إلا أن خسارته لابن خاله أمين عزالدين أحمد، المعروف باسم "دلكش تل تمر"، الذي استشهد عام 2015 في حملة الشهيد روبار بقرية بديع في جبل كزوان، قلبت مسار حياته. حينها، تخلى عن دراسته ليقف إلى جانب عائلته، متحملاً مسؤولية دعمهم وسط ظروفهم المعيشية الصعبة.

تمضي الأيام والسنوات، ويبقى للقدر كلمته، وللثوري دربٌ واحد لا يحيد عنه، هو حماية الأرض والثورة. ومع شن دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها الهجمات على مدينتي سري كانيه وكري سبي (تل أبيض) في أواخر عام 2019، وجد إيفان نفسه أمام خسارة جديدة لم تكن تخطر بباله. حيث فقدَ في غضون أيام قليلة اثنين من أعز الناس إلى قلبه؛ ابن خاله الشهيد سعد أحمد، مراسل وكالة أنباء هاوار، الذي استشهد في 13 من الشهر ذاته، ثم خاله عزالدين (والد الشهيد أمين عز الدين أحمد) الذي استشهد في الـ 19 من الشهر ذاته. كانت تلك اللحظة محطة جديدة في تاريخ العائلة الثورية، ونقطة تحول دفعت إيفان للسير بثبات نحو الطريق الذي سلكه أقرباؤه.

الحب والحرية توأمان في قلب كل كردي عاشق

بدافعٍ من إيمانه العميق بقضية شعبه، انضم إيفان إلى صفوف وحدات مكافحة الإرهاب (YAT)، واختار لنفسه اسم "دلكش جيا"، تخليداً لذكرى خاله الذي استشهد عام 1998 في جبال شرناخ، ليحمل الاسم ذاته ويسير على الدرب ذاته، مؤمناً بأن التضحية من أجل كردستان هي أسمى أشكال الحب والحرية.

وبقلبٍ يملؤه الحزن على وحيدها، لكن بعزة نفس وفخر لا ينكسر، تقول والدته كسومة أحمد: "كنت أخشى عليه من أن يصيبه أي مكروه، لكنه كان يواجهني دائماً بكلمته التي لم تفارق مسامعي: "علينا ألا نقف في طريق خياراتنا. وعندما صارحني بقراره بالانضمام إلى القوات العسكرية، لم أستطع منعه، لأنني كنت أعلم أنه اختار الطريق الصحيح. نحن جميعاً نعيش بفضل هؤلاء المقاتلين، ولولاهم لكانت المجازر ارتُكبت بحقنا".

وفي حياةٍ يتناوب فيها الفرح والحزن، الأمل والألم، شهد عام 2023 محطة مضيئة في حياة إيفان، حيث تزوج وحيد والديّه، ورُزق بطفله الوحيد الذي أسماه "ريوان"، ليعيش بين أسرته الصغيرة حبّاً للحياة ووفاءً للحرية، فالحب والحرية توأمان في قلب كل كردي عاشق.

نضال الأم وابنها الوحيد في كتاب المقاومة على سد تشرين

مع اقتراب سقوط النظام البعثي وشروق شمس الحرية من جديد، واجه إقليم شمال وشرق سوريا هجمات شرسة من قبل الاحتلال التركي ومرتزقته. في خضم هذه المعركة، توجه إيفان، إلى مقاومة سد تشرين، حيث سجل هو ورفاقه ملاحم بطولية، وكتبوا التاريخ بصمودهم في الدفاع عن أرضهم وشعوبهم.

أصبح سد تشرين محطة فاصلة في تاريخ الكرد ومكونات شمال وشرق سوريا، وكأنه السد الذي سيحمل في صفحاته تاريخهم ومسيرتهم نحو الحرية المنشودة. التحمت شعوب المنطقة بالمقاومة، رغم الهجمات التي أودت بحياة العشرات من المقاومين الذين سقطوا دفاعاً عن السد وصموده.

في هذه المعركة، لم تكن البطولة حكراً على المقاتلين في الجبهات، بل امتدت لتشمل المناضلة والثورية كسومة أحمد، والدة إيفان وشقيقة شهيدين وعمة شهيدين. لم تتوانَ عن التوجه ثلاث مرات إلى سد تشرين لتنضم إلى المقاومة، غير أن عينيها كانتا دائماً تبحث عن وحيدها بين المقاتلين. وفي إحدى الهجمات، استهدفتها طائرات الاحتلال التركي، لتعود إلى مدينتها وهي مصابة، تحمل في قلبها حسرة عدم رؤية ابنها، لكنها ظلت شامخة بروحها النضالية.

بعزم لا ينكسر، عاهدت كسومة أحمد نفسها وشهداءها على مواصلة الطريق حتى الرمق الأخير. وأكدت أن أعداء الكرد لن يستطيعوا كسر إرادتهم أو إبادتهم، مهما اشتدت الهجمات. وتوجهت برسالة إلى جميع الكرد، داعيةً إلى الوحدة والتكاتف، والانتفاض في وجه الأعداء، وحثت الشباب والشابات على الانضمام إلى صفوف القوات وحماية الأرض والكرامة، حتى تحرير قائدهم وتحقيق حلم كردستان الحرة.

"حدّثي طفلي وأخبريه أن أباه استشهد في سبيل كردستان"

لم يكن إيفان، صاحب الابتسامة النقية والروح الفدائية، مجرد وحيد لذويه، بل كان أباً محباً لابنه الوحيد "ريوان"، الذي لم يكمل عامه الأول. ورغم أن الثورة الكردية سطرت صفحات لا تُحصى من البطولات، فإن قصة إيفان ستظل محفورة في سجل الفداء، ولن تكون الأخيرة.

وتتحدث عنه زوجته ديانا عبد الغني محمد، بحب واعتزاز، قائلة: "كان حنوناً على عائلته، محباً لطفله ريوان، رغم غيابه الدائم بسبب التزامه العسكري. كانت حياتنا مليئة بالحب، حتى وإن كان نادر الحضور في المنزل، فقد كان قلبه حاضراً دائماً بيننا".

وتستذكر كلماته الأخيرة، التي بقيت ترنّ في أذنها كوصية لا تُنسى: "إذا استشهدت، فليظل رأسك مرفوعاً، وكوني فخورة. وإن سأل ريوان عني، حدثيه عن بطولاتي، وأخبريه أنني استشهدت في سبيل كردستان".

"فخورون باستشهاده"

لم تستوعب إيفانوش، شقيقة إيفان الكبرى، الخبر في البداية، ففقدان الأحبة فاجعة لا توصف. لكن رغم ألم الفقد، لم تطأطئ رأسها للحزن، بل رفعته عالياً بالفخر والاعتزاز بشقيقها الوحيد، الذي لم يكن مجرد فرد في العائلة، بل كان سندها وسدّها المتين.

وتقول إيفانوش: "إيفان لم يكن أخاً فقط، بل كان عماد العائلة، حمل على عاتقه مسؤولياتنا منذ صغره، وكان الدرع الذي يحمينا جميعاً. واليوم، وإن رحل جسده، فقد أصبح شهيداً، رمزاً للفداء، ومصدر فخرٍ لنا جميعاً".

الكردي يختار لقباً يخلّد من سبقوه في التضحية والفداء

يولد الكردي وفي قلبه غصة... غصة وطنه كردستان، المقسّمة والمجزّأة والمحتلة. يولد الكردي ويحمل اسماً، لكنه يختار لقباً يخلّد من سبقوه في التضحية والفداء، ليكون ثائراً على خطاهم، يمضي في سبيل كردستان وثورتها.

وتقول جيهان سيف الدين، ابنة خاله: "إيفان رحل وفي قلبه غصة، كان يحلم بحرية القائد عبد الله أوجلان، وبكردستان مستقلة. لكنه اختار الفداء، وكان في مقدمة المدافعين عن سد تشرين. من كان هناك يعرف الحقيقة... إيفان ضحى بنفسه لمنع وقوع مجزرة. استطاع إسقاط مسيّرتين انتحاريتين في مياه السد، لكن خانته معدّاته التي فرغت من الطاقة. حينها، أطلق صيحاته محذراً الجميع من الخطر، داعياً رفاقه للابتعاد، قبل أن تنفجر الطائرة بجانبه، وتصيب شظية رأسه، لتتسبب بنزيف أدى لاستشهاده".

يُكتب التاريخ بالدماء والتضحية

ثورة روج آفا سُطِّرت تفاصيلها بدماء المضحّين، ورفعت راياتها الشامخة بأنامل المقاتلين، أولئك الذين امتزج ضغطهم على زناد السلاح بقلوب تواقة للحرية. في كل مدينة مزارٌ للفدائيين، وكتاب تاريخ الوطن يحمل أسماء من ضحّوا في سبيل كردستان. ومن بينها، مزار الشهيد دجوار في مدينة الحسكة، حيث يرقد إيفان "دلكش جيا" بين رفاقه.

الشهيد إيفان "دلكش جيا" لم يكن مجرد مقاتل، بل ابنٌ لعائلةٍ مناضلة، قدّمت الشهداء واحداً تلو الآخر. فهو ابن عم الشهيد دجوار حسكة، الذي أُطلق اسمه على مزار شهداء الحسكة، وابن عم الشهيدة ميديا حسكة وابن عمة الشهيد سعد أحمد، إلى جانب كونه ابن شقيقة الشهيدين دلكش جيا وعزالدين أحمد وابنه أمين عز الدين أحمد (دلكش تل تمر).

ويقول ولات عزالدين أحمد، ابن خال الشهيد دلكش وابن الشهيد عز الدين وشقيق الشهيد أمين: "إيفان ترعرع بين كنف عائلة وطنية ثورية، عائلة الشهداء. كان دائماً يقول لي: "انضممت لهذه الحركة ولصفوف القوات بعشق كبير، ولن يستطيع أحد أن يقف في وجهي". كنا نعلم أنه مستعد للتضحية، لكن فقدانه ترك جرحاً كبيراً، خاصة أنه كان وحيداً لوالديه، وترك خلفه وحيداً أيضاً... لكن اليوم، الجميع يتحدث عن بطولته، عن تضحيته في سد تشرين لحماية شمال وشرق سوريا".

ويختم قائلاً: "نبارك دماءه على الكرد وكردستان، ونحمل رسالته كما أرادها: الكرد بحاجة للوحدة، بحاجة للوفاء لدماء الشهداء، ولن يكون هناك كرامة إلا بحماية المكتسبات التي تحققت بدمائهم".

(ح)

ANHA