دموع الانتظار: مصير فيصل وهازم يروي مأساة آلاف المختفين في سوريا

بين الألم والأمل، تستمر معاناة عائلات المفقودين كجزء من إرث نظام البعث وسنوات الحرب. سقوط النظام قد يكون بداية جديدة، ولكنه أيضاً يضع على عاتق الجهات المعنية مسؤولية كبرى في إحقاق العدالة والكشف عن الحقيقة التي ينتظرها آلاف السوريين منذ سنوات طويلة.

دموع الانتظار: مصير فيصل وهازم يروي مأساة آلاف المختفين في سوريا
الأربعاء 15 كانون الثاني, 2025   06:12
قامشلو
بسنة شمو

في فجر يوم الـ 8 من كانون الأول 2024، انهار نظام البعث في سوريا، وفُتحت أبواب السجون وخرج آلاف السجناء من السجون المتوزعة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك السجون المعروفة بسمعتها السيئة مثل عدرا وصيدنايا وفروع المخابرات. فتحُ باب السجون أعاد الأمل لعشرات آلاف العائلات السورية التي كانت قد فقدت أخبار أبنائها لسنوات طويلة، ولكنه أيضاً أطلق العنان لفوضى عارمة في البلاد.

مدينة جل آغا: حكايات أمل وألم

في مدينة جل آغا بمقاطعة الجزيرة، وبعد سقوط النظام، بدأت تتكشف مصائر بعض المعتقلين. وبينما ظهرت أدلة على أن بعضهم قد أُعدم ميدانياً أو قضى تحت التعذيب، لا يزال مصير آخرين مجهولاً، ومن بينهم فيصل أحمد عمر وهازم أحمد علي.

فيصل أحمد عمر: أب قضى حلمه تحت وطأة السجون

فيصل أحمد عمر، من مواليد 1982، هو أب لثلاثة أطفال من قرية نبي سادي في ريف مدينة جل أغا بمقاطعة الجزيرة، وأحد المختفين حتى الآن.

ففي عام 2002، سافر فيصل إلى دمشق للعمل ناطوراً في مزرعة في منطقة خان الشيح بهدف إعالة أسرته. وفي بداية الأزمة السورية في عام 2012، عاد فيصل إلى قريته بسبب الأوضاع الأمنية المتدهورة في دمشق، حيث كانت الفوضى قد تفشّت في المدينة، إضافة إلى ارتفاع عمليات القتل والنهب في المزارع. وقرر فيصل العودة إلى مسقط رأسه مع أسرته بعد أن أصبح الوضع أكثر خطراً على حياته.

ولكن في عام 2013، وبعد فترة من هدوء الأوضاع النسبي في دمشق، قرر فيصل العودة إلى عمله في مزرعته في خان الشيح.

وفي العام نفسه، وبينما كانت عائلته في المنزل في دمشق، داهمت دورية من "الأمن العسكري" الحي الذي كانوا يعيشون فيه واعتقلت جميع الرجال في المنطقة، بمن فيهم فيصل.

واقتيد فيصل إلى فرع "الأمن العسكري" في القنيطرة. بعد ثلاثة أيام، تم الإفراج عن بعض المعتقلين، لكن فيصل لم يكن من بينهم.

وتقول ابنته نور فيصل، التي كانت تبلغ من العمر 6 سنوات وقتها: "عندما عدنا إلى دمشق في 2013، داهموا بيتنا قوات واعتقلوا والدي مع رجال آخرين".

ومنذ ذلك الحين، انقطعت الأخبار عن فيصل، وظل مصيره مجهولاً، مما دفع بشقيقه شعلان أحمد عمر، الذي يعيش في قرية نبي سادي، للبدء برحلة البحث عن شقيقه منذ ذلك الوقت، حيث سافر إلى دمشق مرات عديدة دون جدوى.

ودفع شعلان مبالغ طائلة للوسطاء والمسؤولين في نظام البعث، في محاولة للحصول على معلومات حول مصير شقيقه، ولكن جميع محاولاته باءت بالفشل.

ومع سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024، تجددت آمال شعلان في معرفة مصير أخيه، حيث بدأ بالبحث في السجون والمستشفيات عن أي أثر له، ولكنه لم يجد أي معلومات عن مكانه أو حالته.

هازم أحمد علي: شاب اختفى بين دهاليز المخابرات

هازم أحمد علي، من مواليد 1993، هو شاب من قرية موسى كورا في منطقة اليان بريف جل أغا. اعتقال في 20 تموز 2012 على حاجز الضمير بريف دمشق، حيث كان مع أشقائه عندما اعتقلتهم قوات "الأمن الجوي"، وتم تحويلهم إلى مطار الضمير حيث تعرضوا للتعذيب بتهمة تهرب هازم من الخدمة العسكرية الإلزامية.

وتم الإفراج عن أشقاء هازم بعد عدة أيام، لكن هازم بقي رهن الاعتقال بحجة سوقه إلى الخدمة الإلزامية.

وفي عام 2013، أخبر أحد المعتقلين الذين أفرج عنهم عائلة هازم أنه كان موقوفاً في سجن المزة فرع 215 التابع لـ "الأمن الجوي".

سافر والده إلى دمشق على أمل العثور على ابنه، حيث حاول عبر وسطاء مقربين من النظام البعثي دفع أموال للحصول على زيارة لابنه، ولكنهم استغلوه ولم يحصل على أي معلومات عنه. ومنذ ذلك الحين، فقد الاتصال بهازم، وظلت عائلته دون أي تفاصيل حول مصيره.

وبعد سقوط نظام البعث، سافر والد هازم إلى دمشق مجدداً، وزار جميع السجون والجهات المختصة بحثاً عن أي أثر لابنه. وعلق صوراً له في ساحات المرجة والأموي وساحات أخرى في دمشق، لكنه لم يصل إلى أي نتيجة.

والآن، تطالب عائلة هازم الجهات المعنية بالكشف عن مصيره بعد أن مرّ أكثر من 13 عاماً على اختفائه.

أرقام صادمة للمعتقلين والمفقودين

وفقاً لرابطة المعتقلين والمفقودين في سجن صيدنايا، فإن أكثر من 30 ألف شخص يُعتقد أنهم قضوا تحت التعذيب أو أُعدموا ميدانياً في السجون بين عامي 2011 و2018. كما تشير التقارير إلى وجود آلاف آخرين لا تزال مصائرهم مجهولة.

مطالب عاجلة من عائلات المفقودين

ومع سقوط نظام البعث، تتصاعد مطالب عائلات المفقودين والمنظمات الحقوقية بضرورة الحفاظ على سجلات المعتقلين، لمنع ضياع أو تدمير الوثائق التي قد تكشف عن مصير المفقودين، إلى جانب مطالبتهم بإنشاء لجان تحقيق مستقلة تحقق في مصير المعتقلين وجمع الشهادات من السجناء المفرج عنهم، وكذلك تقديم المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية إلى العدالة.

وعلى الرغم من الآمال التي أطلقها سقوط النظام، فإن استمرار الفوضى الأمنية وإتلاف الكثير من الوثائق أو إخفاءها، يُعقّد الجهود للكشف عن مصائر المفقودين. كما أن فتح السجون عشوائياً زاد من صعوبة جمع المعلومات وتحديد أماكن الناجين.

(ح)