ملف مرتزقة داعش يتطلب حلاً جذرياً لدرء مخاطر أكبر مستقبلاً

على الرغم من أن قوى الأمن الداخلي وقوات سوريا الديمقراطية، لا تتوانى عن إطلاق الحملات لملاحقة خلايا مرتزقة داعش، إلا أن الحملات لا تكفي لحل معضلة مرتزقة داعش في السجون وأسرهم في المخيمات، وهذا ما يفرض على المجتمع الدولي التحرك لإيجاد حل دائم درءاً لمخاطر أكبر في المستقبل.

ملف مرتزقة داعش يتطلب حلاً جذرياً لدرء مخاطر أكبر مستقبلاً
الأربعاء 13 تشرين الثاني, 2024   04:00
الحسكة
حسن رمو

أطلقت قوى الأمن الداخلي ووحدات حماية المرأة وقوات سوريا الديمقراطية في الـ 6 من تشرين الثاني 2024، عملية "الأمن الدائم" لتفتيش مخيم الهول ومحيطه في مقاطعة الجزيرة وملاحقة فلول مرتزقة داعش والمتعاونين معه في المخيم وتطهير المناطق الريفية من إجرامه وتأمينها أمنياً.

جاءت هذه العملية عقب معلومات واعترافات لمرتزقة داعش الذين ألقي القبض عليهم خلال الفترة السابقة والتي أكدت عودة نشاط خلايا مرتزقة داعش في المناطق الصحراوية وتخطيطها للهجمات، في مخيم الهول ومحيطه.

وبدأت العملية من مدينة الهول وفي 4 اتجاهات بشكل متزامن، الجهة الأولى من الهول باتجاه مدينة الحسكة، والثانية باتجاه مدينة الشدادي وناحية العريشة، والثالثة باتجاه مدينة تل براك، والرابعة باتجاه الحدود العراقية.

واستطاعت قوات عملية "الأمن الدائم" خلال يومين فقط من تمشيط هذه المناطق التي امتدت على مساحة تزيد عن 100 كيلومتر مربع، لتنهي بذلك المرحلة الأولى من العملية.

وفي المرحلة الثانية، انتقلت القوات إلى مدينة الهول ومخيم الهول، وبدأت عمليات البحث والتفتيش فيه.

العملية التي استمرت لمدة أسبوع كامل القي فيها القبض على 79 مرتزق من خلايا مرتزقة داعش، كما عثرت القوات المشاركة في العملية على جثة تعود لامرأة تعرضت للتعذيب ومن ثم قتلت من قبل نساء ما يسمين "الحسبة في المخيم" بناء على اعترافات المرتزقة الذين ألقي القبض عليهم.

مخيم الهول

يقع مخيم الهول شرق مدينة الحسكة على الحدود السورية العراقية، وقد أُنشئ في الأصل لإيواء اللاجئين العراقيين في أوائل عام 1991 خلال حرب الخليج الثانية. وأُعيد فتحه لاحقاً بعد تدفق المهاجرين العراقيين إلى سوريا عقب غزو العراق عام 2003.

احتل داعش المخيم مع بداية الأزمة في سوريا، مستخدماً مدينة الهول كنقطة عبور بين سوريا والعراق. وفي 15 تشرين الثاني 2015، حررت قوات سوريا الديمقراطية مدينة الهول ومخيمها من مرتزقة داعش، وأعيد افتتاح المخيم لاستقبال النازحين السوريين الفارين من ويلات الحرب بين قوات حكومة دمشق ومرتزقة الاحتلال التركي وداعش وجبهة النصرة.

وعقب القضاء على مرتزقة داعش جغرافياً في آخر معاقله في مدينة الباغوز بريف دير الزور على الحدود السورية العراقية في آذار عام 2019 واعتقال نحو 12 ألف مرتزق يوجدون حالياً في السجون بشمال وشرق سوريا، تم نقل أسر مرتزقة داعش إلى المخيم، حيث بلغ عدد قاطني المخيم في ربيع عام 2019 نحو 74 ألف شخص بينهم أكثر من 50 ألف من أسر مرتزقة داعش من سوريين وعراقيين وأجانب.

لاحقاً، بدأ إخراج بعض العائلات السورية والعراقية التي لم تتلطخ أيديها بدماء السوريين والعراقيين من المخيم، إلى مناطقهم في سوريا والعراق. كما عملت بعض الدول الأجنبية على نقل رعاياها من أطفال ونساء مرتزقة داعش إلى بلدانهم الأصلية. وعاد العديد من النازحين السوريين إلى مناطقهم بعد تحريرها من مرتزقة داعش، أو خرجوا من المخيم هرباً من جرائمهم.

وحالياً، يضم المخيم 11,257 عائلة يبلغ عدد أفرادها 39,899 شخصاً، بينهم سوريون وعراقيون وأجانب. كما يوجد في المخيم 422 عراقياً و435 سورياً مجهولي النسب.".

عمليات سابقة

وليست هذه العملية الأولى التي تُنفذ في مخيم الهول، بسبب نشاط خلايا مرتزقة داعش داخله. فقد تم تسجيل العشرات من حالات القتل سنوياً في المخيم، حيث استهدفت عمليات القتل بشكل خاص الرجال والنساء الذين يعارضون فكر مرتزقة داعش، وكذلك نساء مرتزقة داعش اللواتي غيّرن أفكارهن من التطرف للاندماج في المجتمع.

وعليه، بدأت قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية المرأة وقوى الأمن الداخلي في إقليم شمال وشرق سوريا بإطلاق حملة "الإنسانية والأمن" في مخيم الهول، بهدف إلقاء القبض على خلايا المرتزقة والقضاء على فكرهم المتطرف، وتأمين حياة القاطنين في المخيم.

المرحلة الأولى 2021

المرحلة الأولى من حملة "الإنسانية والأمن"، انطلقت في 28 آذار 2021، واستمرت حتى 2 نيسان. وتم فيها إلقاء القبض على 125 مرتزقاً من خلايا داعش النائمة، 20 منهم متزعمون للخلايا ومسؤولون عن الاغتيالات التي حدثت في المخيم، كما عُثر على مستلزمات عسكرية أثناء عمليات التفتيش، بالإضافة إلى دارات إلكترونية تستخدم في تحضير العبوات الناسفة.

المرحلة الثانية 2022

وأطلقت القوات المرحلة الثانية من حملة "الإنسانية والأمن" في 25 آب 2022، بهدف ملاحقة خلايا مرتزقة داعش المتخفية وتجفيف البيئة التي تستغلها لتنفيذ هجمات إرهابية ضد سكان المخيم والمنظمات الإنسانية العاملة ضمن المخيم والقوات الأمنية التي تتولى حماية المخيم وقاطنيه.

تنفيذ هذه المرحلة جاء بعد أكثر من عام على المرحلة الأولى، بسبب تأجيلها نتيجة هجمات الاحتلال التركي على شمال وشرق سوريا، وتسبب هذا التأخير في زيادة نشاط خلايا مرتزقة داعش وارتكابها المزيد من الجرائم في المخيم وتأمين التواصل مع الخارج.

فضلاً عن قيام نساء مرتزقة داعش بإعادة إنشاء محاكم داعش والحسبة النسائية لمحاسبة النساء اللواتي ابتعدن عن فكر داعش المتطرف، إلى جانب تنظيمهن لدورات شرعية لتدريب أطفال داعش في محاولة لإحياء ما يسمى "أشبال الخلافة" ضمن المخيم وتجهيزهم كمرتزقة مستقبلاً.

واستمرت الحملة لمدة 24 يوماً وأسفرت عن نتائج ملموسة، منها إلقاء القبض على 226 مرتزقاً من بينهم 36 امرأة متشددة شاركن في جرائم القتل والترهيب، والكشف عن 25 خندقاً ونفقاً، فضلاً عن ضبط كميات من مواد شديدة الانفجار وأسلحة وذخيرة وكواتم صوت.

كما نجحت الحملة في تحرير فتاتين إيزيديتين من قبضة مرتزقة داعش، ليرتفع عدد المحررين من الإيزيديين إلى أكثر من 200 خلال الأعوام الأربعة الماضية.

إلى جانب ذلك، خلّصت وحدات حماية المرأة 4 نساء غير إيزيديات كنّ مقيدات بالسلاسل وتعرضن لتعذيب وحشي من قبل نساء مرتزقة داعش.

المرحلة الثالثة: 2024

انطلقت المرحلة الثالثة من حملة "الإنسانية والأمن" في 27 كانون الثاني 2024 واستمرت 10 أيام. حيث جاء إطلاق هذه المرحلة نتيجة معلومات استخباراتية حول نشاط خلايا مرتزقة داعش النائمة في المخيم ومحاولاتها استغلال الانشغالات العسكرية الناجمة عن التصدي لهجمات الاحتلال التركي والخلايا التخريبية المتعددة الولاءات التي استهدفت المنطقة خلال عام 2023. وكذلك استمرار الترويج للفكر المتطرف بين الأطفال في المخيم، ومحاولات خلايا داعش استغلال الوضع لخلق جيل جديد يحمل الأيديولوجية المتطرفة.

 وهدفت الحملة إلى تفكيك هذه الخلايا، وتجفيف منابع الإرهاب داخل المخيم، وتعزيز الأمن للقاطنين فيه.

وخلال الحملة، ألقت القوات المشاركة في الحملة، القبض على 85 مرتزقاً من داعش ومن المتعاونين معه، وضبطت كمية من الأسلحة والمعدات العسكرية من بينها أحزمة ناسفة، فضلاً عن الكشف عن 5 أنفاق كانت تستخدم للتخفي وتخزين الأسلحة وجرى تدميرها.

وكان من أبرز نتائج هذه المرحلة، مقتل المرتزق "أبو سفيان اللّهيبي"، المتزعم المسؤول عن تنسيق العمليات الإرهابية داخل وخارج المخيم. كما نجحت وحدات حماية المرأة في تحرير المختطفة الإيزيدية كوفان عيدو خرتو، التي اختُطِفت قبل ذلك بـ 10 سنوات أثناء هجوم مرتزقة داعش على قريتها في قضاء شنكال.

فكر متطرف وأساليب وحشية

منذ ظهوره عام 2013، أصاب مرتزقة داعش العالم أجمع بالصدمة؛ ليس لسرعة احتلاله لأراضي سوريا والعراق، بل بسبب الأساليب الوحشية التي اتبعها لفرض سيطرته، مثل الإعدامات العلنية، استعباد النساء، وتدمير التراث الثقافي والديني، إذ اعتمد على نشر فكره المتطرف الذي يمزج بين تفسيرات أصولية للشريعة الإسلامية وتكتيكات إرهابية وحشية غير مسبوقة، مستغلاً جملة من الأزمات منها الفقر والتحريض الطائفي والاثني في المنطقة.

ورغم القضاء عليه جغرافياً في آخر معاقله في مدينة الباغوز بريف دير الزور عام 2019 واعتقال نحو 12 ألف مرتزق الذين يوجدون حالياً في سجون شمال وشرق سوريا ونقل أسر المرتزقة إلى مخيم الهول، إلا أن خطر مرتزقة داعش ما زال قائماً لعدة أسباب أبرزها:

- تحول بقاياه إلى خلايا نائمة: إذ تحولت بقايا مرتزقة داعش إلى خلايا نائمة ومجموعات صغيرة منتشرة في مناطق مختلفة من سوريا والعراق تشن الهجمات الخاطفة وتعود للاختباء.

- هجمات الاحتلال التركي على المنطقة: إن دولة الاحتلال التركي تواصل شن الهجمات على إقليم شمال وشرق سوريا، ما يؤدي إلى حصول فراغ أمني في الحالات وهو ما يسمح لخلايا مرتزقة داعش بالبقاء والاستمرار في شن الهجمات ونقل الأسلحة.

- الدعم الخارجي: يتلقى مرتزقة داعش دعماً من العديد من القوى الدولية والإقليمية وفي مقدمتها دولة الاحتلال التركي مما يسهم في استمرار بقائه وتهديده للعالم أجمع، فعدم محاسبة تلك الدول على دعمها لمرتزقة داعش يعني بقاء ملف مرتزقة داعش دون حل.

- تحول المناطق السورية المحتلة لقاعدة تجميع وتدريب وتصدير المرتزقة: على مدار السنوات الماضية، احتلت تركيا مساحات من شمال سوريا، وحولت تلك المناطق إلى بؤر لتجميع بقايا مرتزقة داعش وإيواء متزعميهم الذين يخططون من هناك لشن الهجمات على إقليم شمال وشرق سوريا، والهجوم على سجن الصناعة في 20 كانون الثاني عام 2022 كان خير دليل على ذلك. 

- مخيم الهول ونشر الفكر المتطرف: إن وجود عشرات الآلاف من نساء وأطفال مرتزقة داعش في مخيم الهول يجعل من المخيم قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة. حيث تنتشر خلايا داعش في المخيم والتي تسعى لتجنيد مرتزقة جدد عبر التهديد بالقتل، كما تعمل نساء مرتزقة داعش على تدريب الأطفال فيه على الفكر المتطرف، مما يخلق جيلاً كاملاً من المرتزقة الذين سيشكلون خطراً على العالم أجمع.

- استغلال الأزمات في المنطقة: من المعروف أن مرتزقة داعش يستغلون بشكل كبير استمرار الأزمات في المنطقة ومن بينها الأزمة السورية، وعدم وجود حلول تلوح في الأفق من أجل ضمان الاستمرار والبقاء، وهذا ما يجعل منه تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي.

- تقاعس المجتمع الدولي: من المعروف أن هناك تقاعساً دولياً في إعادة المرتزقة الأجانب وأفراد عائلاتهم من المخيمات بشمال وشرق سوريا، نظراً لخوف الدول من أولئك الأشخاص واعتبارهم خطراً على أمنهم وعدم إمكانية إعادة إدماجهم في المجتمعات ولذلك يفضلون بقاء تلك التهديدات بعيدة عن أراضيهم. كما أنها لا تساعد الإدارة الذاتية على إنشاء محاكم لمحاكمتهم ولا تعيدهم إلى بلدانهم من أجل محاكمتهم وهذا ما يجعل من المشكلة قائمة دون حل.

ماذا يعني عدم حل ملف مرتزقة داعش وأسرهم في المخيمات؟

إن العمليات التي تنفذها القوى الأمنية والعسكرية في مخيم الهول على وجه التحديد تسهم في تقليل خطر خلايا مرتزقة داعش وأسرهم على قاطني المخيم، ولكنها غير كافية لحل ملف مرتزقة داعش المعتقلين وأسرهم في المخيمات بشكل جذري.

ولذلك فأن استمرار عدم حل هذا الملف، يسهم في استمرار تفشي التطرف داخل المخيمات خاصة بين الأطفال الذين يجري تربيتهم على الفكر الداعشي من قبل نساء المرتزقة.

وأيضاً يمثل استمرار وجود مرتزقة داعش في السجون وأسرهم في المخيمات، تهديداً مستمراً لاستقرار المنطقة وأمنها ويسهم في استمرار استهداف خلايا المرتزقة للسجون والمخيم من أجل إخراج هؤلاء من السجون والمخيمات، وهذا ما يزعزع الاستقرار في المنطقة.

كما أن استمرار عدم حل هذا الملف يمكن أن يؤدي إلى تدهور الأوضاع الأمنية في ظل هجمات الاحتلال التركي المتواصلة على المنطقة وصمت القوى الدولية حيالها، وبالتالي فأن أي عملية هروب للمرتزقة وأسرهم إلى أماكن أخرى في المنطقة، سيساهم بشكل أو بآخر في تهديد الاستقرار ليس في المنطقة فحسب بل على المستوى الإقليمي والعالمي.

الحل ضروري لمستقبل الأجيال القادمة

إن هذه التحديات، تعزز من الخطر المستمر الذي يشكله مرتزقة داعش في السجون وأسرهم في المخيمات على المنطقة، وتنذر بعودة مرتزقة داعش، ولذلك لا بد للمجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته تجاه حل هذا الملف الذي يتطلب عملاً جماعياً من المجتمع الدولي والدول التي لها رعايا في السجون والمخيمات، ومع الإدارة الذاتية والمنظمات الدولية ذات الشأن لإيجاد حل دائم ومتكامل لهذه المشكلة وحلها من الجذور من أجل أن تعيش الأجيال القادمة بأمان.

(آ)

ANHA