لبنان يتحرك دولياً بعد الهجمات الأمنية الإسرائيلية

أقرّ حزب الله أنه تلقى "الضربة الكبيرة"، وبات الآلاف من مقاتليه خارج المعركة، وأجمعت الحكومة اللبنانية التي بدأت بالتحرك دولياً وشعبها على إدانة الهجمات الإسرائيلية التي لم تطل عناصر حزب الله فقط، بل لبنان بأكمله بوصفها خرقاً لسيادته وأمنه وانتهاكاً للقوانين الدولية.

لبنان يتحرك دولياً بعد الهجمات الأمنية الإسرائيلية
الجمعة 20 يلول, 2024   09:45
بيروت
رانيا عبيد

لا يزال العالم منهمكاً بالهجمات الأمنية غير المسبوقة التي طالت لبنان بتفجير إسرائيل لآلاف أجهزة النداء (البيجر) واللاسلكي التابعة لعناصر حزب الله بشكل متزامن يومي الثلاثاء والأربعاء، ما أدى إلى مقتل 37 شخصاً وجرح 3539 شخصاً على الأقل.

وأظهرت تحقيقات أولية أجرتها السلطات اللبنانية أن أجهزة الاتصال التي انفجرت هذا الأسبوع "تم تفخيخها قبل وصولها إلى لبنان"، حسبما ذكرت بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة في رسالة إلى مجلس الأمن أطلعت عليها وكالة الصحافة الفرنسية، يوم الخميس.

وأضافت البعثة أن إسرائيل مسؤولة عن التخطيط للهجمات وتنفيذها.

يمكن وصف هذه الرسالة بالخطوة الأولى الرسمية للبنان لمتابعة هذه "الهجمات الإسرائيلية" على الصعيد الدولي. ومن المقرر أن يجتمع مجلس الأمن الدولي الذي يضم 15 دولة لمناقشة التفجيرات اليوم.

وأجمع لبنان حكومةً وشعباً على إدانة هذه الهجمات التي لم تطلْ عناصر حزب الله فقط، بل لبنان بأكمله كونها تُعدّ خرقاً لسيادته وأمنه وانتهاكاً للقوانين الدولية.

إلى ذلك، حزب الله وبعد تلقيه هذه الضربة القوية يواصل تحقيقاته لتحديد مستوى الخرق الذي أصاب بنيته، ليبني فيما بعد كيفية الرد وتوقيته وحجمه.

مصادر سياسية قالت لوكالتنا، إنّ اللجوء الى الحلّ الدبلوماسي لا يزال متاحاً، وهو القبول بالمقترح الأميركي القائم على فصل الجبهتين الجنوب وغزة، والذهاب إلى حل يحقّق الأمن المستدام بتطبيق القرار 1701 من الجهتين، وهو ما تدعو إليه الجهات السياسية المحلية والدولية منذ أشهر.

حزب الله يقرّ بـ "الضربة الكبيرة" ويتوعّد "بالقصاص العادل"

في أول خطاب له، ظهر الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله مقتنعاً بحجم الضربة الكبيرة التي تلقاها، متوعداً إسرائيل "بحساب عسير وقصاص عادل"، ومتهماً إياها بتجاوز "كل الضوابط والخطوط الحمراء".

نصر الله يصر على عدم الإشارة لا إلى زمان ولا إلى مكان ولا إلى شكل الرد؛ لكن الواضح أن إسرائيل لا تأخذ كلامه على محمل الجد، فهي خرقت أمنه واستهدفت شبكة اتصالاته وعناصره معتبرة أنها تحقق الانتصارات كل يوم.

إسرائيل في ضربتها الأخيرة أرادت الضغط على حزب الله لفصل الجبهتين بحسب مصادر الحزب التي تحدثت لوكالتنا، لكن نصر الله أعاد التأكيد على أن "جبهة لبنان لن تتوقف قبل وقف العدوان على غزة، وأن بنية حزب الله لم تتزلزل ولم تهتز بعد التفجيرات؛ لأنها من القوة والمتانة والقدرة والعدة والعديد والتماسك ما لا تهزه جريمة كبرى".

آلاف المقاتلين من حزب الله باتوا خارج المعركة

الضربة التي تلقاها حزب الله كانت ''كبيرة وموجعة''، لكنه لن يتراجع عن القتال ولن يفصل جبهته عن جبهة غزة ما يعني أن المواجهة ستبقى مستمرة.

الخبير الاستراتيجي العميد الركن المتقاعد جورج نادر، تحدث لوكالتنا في هذا السياق وقال إن الضربة التي تلقاها حزب الله تُعدّ "تحت الحزام" وهي ضربة لا تتعوض، ولا سيما أن هنالك آلاف المقاتلين باتوا خارج المعركة بسبب إصابتهم، وبالتالي فإن الحزب الآن عليه البحث عن بديل لهؤلاء العناصر الذين كانوا يستلمون أجهزة وربما مسؤولين عن جماعات، واستبدالهم ليس بالأمر السهل.

عائق آخر تحدث عنه نادر وهو البحث عن آلية لترميم منظومة القيادة لدى حزب الله التي دمرت بتفجيرات أجهزة الاتصال. وأضاف: "صحيح هنالك خطوط أرضية لدى الحزب في الجنوب لكن هذا لا يكفي، وبالتالي هو يريد البحث عن أجهزة آمنة لتتمكن العناصر من التواصل مع بعضها البعض".

ولفت نادر الانتباه إلى فقدان المعنويات لدى الحزب بعد الخرق الإسرائيلي على جميع الأجهزة.

رد الحزب لن يوازي رد إسرائيل

"القصاص العادل" الذي توعّد به الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله ليس الأول من نوعه، فنصر الله وعبر حروبه مع إسرائيل يتوعد بتحقيق النصر والقضاء على إسرائيل لناحية امتلاكه بنية تحتية قوية وأسلحة وصواريخ، هذا في الشكل، لكن الحزب على أرض الواقع لا يمتلك قوة إسرائيل استخباراتياً وتكنولوجياً، وهذا ما ظهر في حرب غزة، وفي هجماتها الأمنية الاستخباراتية الأخيرة، حيث تمكنت من تفجير آلاف أجهزة النداء والأجهزة اللاسلكية بشكل متزامن.

نادر يرى أن لا أحد يستطيع امتلاك القوة التي تمتلكها إسرائيل ولا سيما في ضربتها الأخيرة غير المسبوقة التي أطاحت بأربعة آلاف مقاتل باتوا خارج دائرة المعركة، وبالتالي فإن رد حزب الله سيكون تحت المستوى، أو بمعنى آخر لن يوازي رد إسرائيل أو ضربتها.

وأشار نادر إلى أنه وفي حال انقطعت شبكة الاتصالات لدى حزب الله فهو ربما سيستبدلها بعمليات شفهية، وهذا ما تعتمده الجيوش عبر معاركها في العالم، ولجوء الحزب إلى هذه الطريقة ليس بالأمر السهل، ولاسيما أن إسرائيل لديها قدرات استخباراتية على مراقبة الجو وكشفه والسيطرة عليه.

نتنياهو في دائرة "تسجيل النقاط" وليس أهداف الحرب

التحذيرات الغربية ولاسيما الأميركية لا يأخذ بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على محمل الجد، فالغرب مثلاً وحسب نادر، طلب من نتنياهو عدم الدخول إلى غزة وصلاح الدين ورفح، لكنه أصر على أهدافه وهو يحاول جر الغرب إلى ما يخدم مصالحه ويحقق أهدافه، مع الإشارة إلى أن الانتخابات الأمريكية تقترب وهي عامل إضافي تستفيد منه إسرائيل، فالإدارة الأمريكية حسب نادر منهمكة بالانتخابات وهي تلحق خطوات نتنياهو، ولا ترفض له طلباً، وهو في الوقت عينه يستفيد من هذه الفرصة لتحقيق المزيد من الأهداف.

سيناريو الحرب الإقليمية مستبعد

خطاب نصر الله الأخير هدفه تزويد أبناء بيئته بالمعنويات العالية بعد الضربة الكبيرة، لذلك عاد نصر الله وكرر بدوره مبدأ ربط الجبهتين الملتزم به منذ الثامن من تشرين الأول 2023، وهذا الأمر حسب نادر قد يجر لبنان إلى سيناريو الحرب المفتوحة من دون أفق أو ضوابط.

أما الحرب الإقليمية فهي سيناريو غير وارد، ولا سيما أن دول الجوار لا تريد شن حرب إقليمية وغير مستعدة لها حسب نادر، الذي أضاف أن لبنان في حالة حرب يومية، أما سيناريو امتدادها لتصبح حرباً شاملة فأصبحت من الاحتمالات القريبة بعد ضربة إسرائيل الأمنية الأخيرة على لبنان وضرب النظام القيادي للحزب والسيطرة عليه.

ونوه نادر إلى أن إسرائيل تعمل حالياً على حرب برية، وأن التطور العسكري في المعركة المقبلة ربما سيتركز على قصف أهداف أكثر عمقاً.

وبيّن نادر إلى أنه وعلى الرغم من اغتيال فؤاد شكر وضرب أجهزة الاتصال لديه، فإن هنالك مواقع عسكرية استراتيجية لدى حزب الله لم تقصف بعد، وإسرائيل على دراية بها من خلال أجهزتها الاستخباراتية المتطورة، وفي حال تطورت الأمور، فإسرائيل قادرة على قصفها بالعمق، مع الإشارة إلى أن الأيام المقبلة قد تشهد تطوراً أكبر مع استخدام إسرائيل لسلاح الجو.

إسرائيل تعيش على مبدأ "استغلال النجاح"

إسرائيل وعلى بعد سنة من اندلاع حرب غزة ترفض المفاوضات ولا تريد وقف الحرب أو التهدئة، فهي تستفيد من تسجيل النقاط على حماس وعلى حزب الله، ويبرز ذلك حسب نادر من خلال قتلها للقيادات البارزة كمحمد الضيف واسماعيل هنية وفؤاد شكر.

وقال نادر: "صحيح إن إسرائيل لم تحقق أهداف الحرب، لكنها تربح في تسجيل النقاط في عملياتها العسكرية وقتلها للقيادات والعناصر بالإضافة إلى الدمار الهائل الذي أحدثته في غزة والجنوب".

وعن اليوم التالي للحرب، فيرى نادر أنه لا يمكن معرفة ما يمكن أن يحصل، لكن يمكن القول إن إسرائيل تستفيد من الوقت الحالي، أو ما يعرف عسكرياً "باستغلال النجاح"، من خلال التقدم في عملياتها العسكرية ولاسيما في سلاح الجو، أما المفاوضات فستلتزم إسرائيل بها شكلياً كي لا تتهم بعرقلتها على الرغم من رفضها لها باطنياً.

(أ ب)

ANHA