قره سو: مصافحة بهجلي هي من مقتضيات الحرب الخاصة

أكد عضو اللجنة التنفيذية لمنظومة المجتمع الكردستاني (KCK) مصطفى قره سو، أن مصافحة رئيس حزب الحركة القومية التركي دولت بهجلي الأخيرة، هي من مقتضيات الحرب الخاصة، وفهمها بغير ذلك يعد سوء فهم لسياسة الإبادة الجماعية وحقيقة دولة الاحتلال التركي.

قره سو: مصافحة بهجلي هي من مقتضيات الحرب الخاصة
الأربعاء 16 تشرين الأول, 2024   16:10
مركز الأخبار

القسم الثاني من المقابلة التي أُجريت مع عضو اللجنة التنفيذية لمنظومة المجتمع الكردستاني (KCK) مصطفى قره سو، هي على النحو التالي: 

"كحركة، لطالما كنتم تجرون دائماً هذا التقييم؛ "تكثف الدولة الفاشية التركية من قمعها واضطهادها للشعب الكردي، نظراً لعدم قدرتها على تحقيق نتائج في ساحات القتال، ونتيجة لذلك يتدهور مجتمع تركيا أكثر فأكثر"، فيما أن ارتكاب المجازر وعمليات الاغتصاب ضد النساء والأطفال يتزايد يوماً بعد يوم، في حين أن السرقة والفساد والفقر في ذروتها، وقد استنفدت حدود تحمل الناس لبعضهم البعض، وتعزو المعارضة التركية هذا الوضع إلى الاقتصاد، ما مدى واقعية هذا النهج وبالتالي هل يمكن أن يكون حلاً؟  

تشن الدولة التركية حرباً للقضاء على النضال التحرري للشعب الكردي، وتواصل شن هذه الحرب بأقذر الطرق، كحرب خاصة، ففي بداية التسعينيات من القرن الماضي، تقرر شن حرب خاصة لاستخدام جميع أنواع الأساليب القذرة لقمع النضال التحرري للشعب الكردي، حيث تم إحراق آلاف القرى، وارتكاب جرائم قتل سياسية، 17 ألف منها مجهولة، وتعرض عشرات الآلاف من الأشخاص للتعذيب وسُجن الآلاف من الأشخاص، وكان رموز هذه الحقبة من الحرب القذرة هم كل من تانسو جيلار ودوغان غوريش ومحمد آغار، ففي ذلك الوقت، كانت العداوة ضد الكرد وحزب العمال الكردستاني وأوجلان في ذروتها، وفي تلك السنوات، برز مفهوم يُسمى ”المنفعة، فمن كان يعادي أوجلان وحزب العمال الكردستاني والكرد، كان يحصل على منافع اقتصادية ومكانة سياسية واجتماعية في المجتمع، ولقد تم استثارة النزعة العدائية والشوفينية والقومية ضد الكرد إلى درجة أن المجتمع أصبح غير قادر على التفكير بشكل طبيعي، ولم تترك هذه الشوفينية والعداء تجاه الكرد أي قيم أخلاقية أو وجدانية في مجتمع تركيا، كما أن أهل الثقافة والفن، من صانعي العواطف مثل الخير والجمال والأخلاق والضمير والعدالة، قد تلوثوا إلى حد كبير، ولا زلنا نتذكر كيف تعرض أحمد كايا للاعتداءات والذي كان معروفاً ومشهوراً في مجتمع تركيا عندما أعلن أن شريط الكاسيت الخاص به سيضم أغاني كردية، حيث كان هذا الوضع لأهل الثقافة والفن الذي كانوا مشغولين به يسلط الضوء على مستوى الانحلال والفساد خلال فترة التسعينيات، فقد كان القائد عبد الله أوجلان قد قال خلال فترة التسعينيات إن الدولة وكذلك المجتمع في تركيا أيضاً قد اضمحلا.

ولقد تم دائماً تنفيذ جزء كبير من الحرب ضد حركة التحرر الكردية من طرف الحرب الخاصة، وقد عُدّت الحرب العسكرية بشكل أساسي وسيلة للوصول إلى هذه الحرب الخاصة، ومما لا شك فيه أن الحرب العسكرية والحرب الخاصة يجري شنّهما جنباً إلى جنب منذ عام 2015، وتعد أصعب حرب خاصة في تاريخ تركيا بعد اتفاقية دولما بهجة التي تجاهلها أردوغان في آذار 2015، ومع تطبيق نظام التعذيب والإبادة المشدد الذي فُرض في 5 نيسان 2015، دخلت الحرب الخاصة الأشد في تاريخ تركيا حيز التنفيذ، وعقب انتخابات 7 حزيران 2015، وتحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية، شُنت هذه الحرب الخاصة متجاوزة كل الحدود، وفي حين استُخدم حزب الكونترا خلال فترة التسعينيات، فقد لجأوا إلى استخدم تنظيم داعش منذ عام 2014، ووصل العداء ضد الكرد إلى أضعاف مضاعفة بكثير من الممارسات التي كانت تُنفذ خلال فترة التسعينيات، فالحرب التي شُنت في التسعينيات بأساليب أكثر صرامة وبأساليب قليلة، تزايدت الأساليب القذرة أضعاف مضاعفة بعد عام 2015، فقد انقطعت أنفاس الكرد في كل مكان تقريباً، ومع تصاعد وتيرة الحرب، كان يتم اعتقال العشرات من السياسيين كل يوم، وتعرض البرلمانيون والرؤساء المشتركين للبلديات ومسؤولو الأحزاب السياسية في المدن والنواحي على مستوى لم يسبق له مثيل في أي مكان في العالم، ومع إطلاق سليمان صويلو مقولة إن "حزب العمال الكردستاني هو حزب نسائي" شُن الإرهاب على النساء السياسيات وعضوات المنظمات النسائية، واعتُقل الآلاف وسُجنت النساء بمعدل لم يسبق له مثيل في أي بلد من بلدان في العالم، كما شنّوا الحرب القذرة على الشبيبة، وللحيلولة دون ممارسة الشبيبة والمرأة الكردية للسياسة، تم الترويج للمخدرات والدعارة كوسيلة من وسائل الحرب الخاصة، ومرة أخرى، تم استخدام الرياضة، وخاصة كرة القدم، لهذا الغرض أيضاً، حتى أن البطولة المستمرة للفريق المفضل لدى الشبيبة الكردية في الدوري الممتاز استُخدمت كوسيلة حرب خاصة في هذا الاتجاه، كما تم توجيه الفن والثقافة في تركيا بطريقة تثير المشاعر العسكرية والشوفينية والقومية، كما بُذلت محاولات لخلق وعي يتجاهل الهويات والمعتقدات المختلفة.

ويعيش الكرد مع جميع الشعوب الأخرى في تركيا منذ آلاف السنين، ومع ذلك، يُنظر إلى الكرد الذين عاشوا معهم منذ آلاف السنين على أنهم أعداء لأنهم يتبنون هويتهم ولغتهم وثقافتهم ويحافظون عليها، أما الكرد، الذين يعيشون معهم في المدن الكبرى في تركيا، فيُنظر إليهم كأعداء، وقد تعرض الكرد للاعتداءات بسبب تحدثهم باللغة الكردية وغنائهم للأغاني الكردية، حيث لم تتم معاقبة الجرائم المرتكبة ضد الكرد بشكل طبيعي، فقد تصاعدت الهجمة الشوفينية والنزعة القومية ضد الكرد، فهل يمكن أن يتبقى هناك أخلاق وضمير في مجتمع ينظر إلى جيرانه ومن عاش معهم منذ آلاف السنين بهذه الطريقة؟ 

إن العداء الكردي واستخدام جميع أنواع الأساليب القذرة ضد حركة التحرر الكردية جعل المجتمع بأسره جزءاً من الحرب القذرة، وقد عدَّ الكثير من الأشخاص، حتى بين المدنيين، أنفسهم مناضلين في هذه الحرب، كما خلقت السلطة الحاكمة لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية مثل هذا المصطلح للواجب في المجتمع، حيث أوصلوا العداء ضد الشعب الكردي والنضال التحرري إلى مستوىً حيث يتم تهميش حتى أولئك الذين لا يتعاملون مع الكرد بالطريقة نفسها التي يتعامل بها حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، فقد تم توصيفهم بالخونة ومؤيدي حزب العمال الكردستاني، حيث هاجموا وعلى رأسهم طيب أردوغان ودولت بهجلي، أولئك الذين لا ينتمون إليهم، في كل خطاباتهم، وأطلقوا الإهانات لهم، مما خلق استقطاباً في المجتمع لم يسبق له مثيل في العالم، حتى أن قاعدة حزب العدالة والتنمية انزعجت من هذا الاستقطاب، وهذا أحد الأسباب الرئيسية لتراجع أصوات حزب العدالة والتنمية التدريجي وخسارته في الانتخابات المحلية الأخيرة.

ولقد أودت النزعة القومية والشوفينية بالمجتمع إلى الانحلال، حيث أن لسان حال القومية والشوفينية وأسلوبها وطريقتها هي العنف، والذهنية الذكورية، ففي بلد فيه هذا القدر المتزايد من الاستقطاب، ينظر الجميع إلى الآخرين بعين الريبة ويستخدمون العنف، فإذا كان هناك الكثير من العنف في المجتمع، واغتصاب النساء واغتصاب الأطفال والعنف ضد الأطفال، فإن سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، خاصة في السنوات العشر الأخيرة، هي السبب في خلق ذلك.

وهذا الأمر موجود بالفعل في جينات حزب الحركة القومية؛ فقد أصبح حزب العدالة والتنمية حزباً متشدداً تماماً مثل حزب الحركة القومية، فقد خلقت لغته وأسلوبه وسياساته مجتمعاً يرى الآخرين كأعداء ويميل إلى الانسياق وراء العنف، وبما أن حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية لا يتقبلان أي قوى سياسية أو سياسيين، فقد تم تشكيل المجتمع على هذا النحو.

فإذا كان العنف والارتزاق والاغتصاب ضد المرأة قد ازداد في المجتمع التركي، فإن السبب في ذلك لا يكمن في المشكلات الاقتصادية، ربما 10 في المائة على الأكثر من هذه الاعتداءات سببها المشكلات الاقتصادية، حيث أن سياسات السلطة الحاكمة وإدارة الدولة والذهنية السياسية السائدة هي التي تخلق هذه المشاكل، فحيثما يتم إثارة الشوفينية والقومية على هذا المستوى، يزداد الميل نحو العنف، كما كان للعديد من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية في السنوات الأخيرة دور فعال في عسكرة المجتمع، وإذا كان الحل السياسي الديمقراطي للقضية الكردية ضروري لحل جميع المشكلات في تركيا، فإنه من الضروري حل القضية الكردية من أجل تصحيح هذا المزاج الاجتماعي في تركيا ومنع الانحلال والفساد والعنف، كما أن الحرب الخاصة القذرة ضد الكرد تنخر في المجتمع، والحرب التي تُشن ضد الكرد هي حرب ظالمة ومنافية للقيم الإنسانية لدرجة أنه لا يمكن شن هذه الحرب بالقوانين والشرائع العادية، لهذا السبب، فهم لا يتصرفون في الحرب القذرة ضد الكرد، بما يتماشى مع دستورهم أو قوانينهم، حتى أن دستورهم وقوانينهم المشبعة بالروح الفاشية لا تسمح لهم بشكل كامل بشن هذه الحرب القذرة، ولهذا السبب، يقدمون على ارتكاب كل أنواع الممارسات اللا إنسانية، وهذا يعد عاملاً مهماً في انحلال المجتمع، فالذين لا يرون أن مصدر المشكلات في تركيا هو الحرب الخاصة القذرة التي تُشن على الكرد، إما أنهم يغضون الطرف عن هذه الحرب أو أنهم يصبحون شركاء غير مباشرين فيها، وينبغي للديمقراطيين والسياسيين الحقيقيين في تركيا أن يروا هذه الحقيقة؛ لا بد لهم من خوض النضال في هذا الاتجاه.

برز حزب الشعب الجمهوري كأول حزب في الانتخابات المحلية وخلق توقعات في المجتمع، ولكن ما هو الدور الذي لعبته السياسات التي اتبعها في سياسة تركيا؟

إن السبب في ظهور حزب الشعب الجمهوري كأول حزب في الانتخابات المحلية، هو رد فعل الشعب ضد السياسات التي اتبعتها السلطة الحاكمة لحزبي العدالة والتنمية والحركة القومية على مدى السنوات العشر، ولم تكن السياسات التي اتبعها حزب الشعب الجمهوري هي التي أدت إلى بروز هذه النتيجة، بل الاستياءات التي خلقها تحالف حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية في المجتمع، كما كان للسياسات المعادية للكرد التي دأبت السلطة الحاكمة لحزبي العدالة والتنمية والحركة القومية على اتباعها بعد عام 2015 دور فعال في ظهور هذه النتيجة.

ويتركز وجود الكرد بعد كردستان في مناطق مرمرة وجوكوروفا وبحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط بشكل متزايد، وهذه المناطق هي في الوقت نفسه المناطق التي تحدد الاتجاه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي لتركيا، وقد أصبح الكرد حالياً قوة اجتماعية تؤثر على التطورات السياسية في هذه المناطق، حيث أن وضع الكرد في هذه المناطق في مستوى مهم يؤهلهم للقيام بدور في التحول الديمقراطي في تركيا وحل القضية الكردية، وبالأساس، أصبح حزب الشعب الجمهوري هو الحزب الأول من خلال حصوله على الأصوات المتزايدة في هذه الأماكن، في هذه الصدد، توقعت القوى الديمقراطية، بما في ذلك الكرد، أن يرى حزب الشعب الجمهوري هذا الواقع ويبدي موقفاً يتماشى مع ترسيخ الديمقراطية، فأي قوة سياسية لا تخلق سياسات تؤدي إلى إيجاد حل للقضية الكردية لا يمكن أن تكون ديمقراطية، ولا يمكنها أن تدعي أنها ديمقراطية!

وقد ركز حزب الشعب الجمهوري على المشكلات الاقتصادية من أجل تجاوز المشكلات الاجتماعية والسياسية الأساسية في تركيا، ومما لا شك فيه أن هناك مشكلة اقتصادية خطيرة في تركيا، فباستثناء طبقة معينة من الأغنياء والطبقة الوسطى، هناك فقر جاد بكل معنى الكلمة في تركيا، ويُفهم أن حزب الشعب الجمهوري مهتم بهذه المشكلة، ولكن سياسات الحرب هي التي تخلق بالأساس هذه المشكلة الاقتصادية، فالعداء تجاه الكرد يحول السلطات الحاكمة إلى حكومات حرب، وقد قال طيب أردوغان، هل تعرفون ثمن الرصاصة الواحدة؟ حيث أن قسماً كبيراً من القنابل التي تنهمر على الجبال يتم شراؤها من الخارج، وبصرف النظر عن ذلك، هناك نفقات حرب ضخمة، ويغذون عشرات الآلاف من المرتزقة، ويقومون بتحويل موارد ضخمة للحرب الخاصة، ويرشون العديد من الأطراف والأفراد والدول الخارجية، باختصار، الحرب ضد الكرد تفضي إلى حدوث المشكلة الاقتصادية.

ولا يرى حزب الشعب الجمهوري السبب الأساسي للمشكلات الاقتصادية، حيث ينبع جزء مهم من ردة فعل الاجتماعية تجاه حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية من المشكلات الاجتماعية الناجمة عن الظلم والاستقطاب والتحزب، ويتوقع المجتمع أن يتخذ حزب الشعب الجمهوري خطوات نحو التحول الديمقراطي، ومن ناحية أخرى، لم يتخذ حزب الشعب الجمهوري أي خطوات في هذا الصدد باستثناء بعض الخطابات الرنانة، ولم يطور سياسة فيما يخص القضية الكردية، على سبيل المثال، كان بإمكانه أن يطلب إنشاء لجنة في البرلمان لحل القضية الكردية وأن يتم تقييم هذه القضية في البرلمان، فهل يمكن لبرلمان لا يقوم بدور في قضية هامة كهذه أن يدعي حل قضايا تركيا؟  

من ناحية أخرى، وبدلاً من خوضه النضال ضد سياسات حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية التي ضاق المجتمع بها ذرعاً، فإنه ينفذ سياسة تطبيع سياساتهم التي استمرت على مدى 20 عاماً، فمن خلال ما يُسمى بسياسة التطبيع، سمح حزب الشعب الجمهوري للسلطة الحاكمة لحزبي العدالة والتنمية والحركة القومية بالتقاط أنفاسه، وقد أوصل أردوغان، الذي يجعل من شعوب تركيا تتقيأ دماً منذ 9 سنوات، ويؤلب المجتمع ضد بعضه البعض ويطبع الظلم، القضاء إلى حالة بحيث يستأثر السياسات التي ينتهجها، وتأسيس نظام استبدادي بكل معنى الكلمة.

ولم يتم تطبيع النمط السياسي لسياسة تركيا ولا إضفاء الطابع الديمقراطي عليها؛ بل تم تطبيع سياسات أردوغان وسلطة حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية الممتدة على مدى 9 سنوات، فبدلاً من محاسبة الممارسات التي اُرتكبت على مدار 9 سنوات، تم تخفيف هذه الممارسات وجعلها مقبولة، وقد فعل الأسلوب الجديد لحزب الشعب الجمهوري ما أراده أردوغان بالضبط، وبدوره، تجاوز أردوغان صدمة هزيمته في الانتخابات، وبدأ بأخذ زمام المبادرة مرة أخرى.

ومما لا شك فيه أنه من المفهوم أن حزب الشعب الجمهوري يريد استمالة قاعدة حزب العدالة والتنمية وكسبها، وإذا كان يريد أن يبقى الحزب الأول في تركيا، فإن يُتوقع منه أن ينتهج مثل هذه السياسة، أما إذا كان حزب الشعب الجمهوري لا يريد أن يبقى في قوالبه القديمة، فإنه يُفهم من ذلك أنه يستقطب قاعدة حزب العدالة والتنمية، ولكن لا يمكنه تحقيق ذلك من خلال المواقف التي تطبع سياسات أردوغان وممارساته، ويمكنه بلوغ هدفه بالسياسات والخطابات الصحيحة، حيث لم يكسب حزب الشعب الجمهوري قاعدة حزب العدالة والتنمية بالتطبيع، بل على العكس، فقد ساعد أردوغان على الاحتفاظ بهذه القاعدة.

باختصار، فشل حزب الشعب الجمهوري في الاستجابة لتوقعات المجتمع، ولا يمكن أن تترسخ الديمقراطية إلا من خلال خوض النضال ضد السياسات والممارسات غير الديمقراطية، وإلا، فإن التحول الديمقراطي لا يأتي من خلال القول "طلبتُ من أردوغان أن يفعل هذا وفعل ذاك"، ولم يُظهر حزب الشعب الجمهوري، بتوجهاته الأيديولوجية والسياسية، موقفاً وتصميماً بحيث يؤهله للعب دور في ترسيخ التحول الديمقراطي في تركيا.

بالطبع، إن وضع الأطراف الديمقراطية واليسارية في تركيا وكردستان التي نسميها المعارضة الحقيقة، مهم للغاية، وفي الوقت الذي تزيد فيه فاشية حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية من القمع والاضطهاد على وجه السرعة، هل يستطيع الديمقراطيون واليساريون الاشتراكيون والمضطهدون ككل رفع النضال ضدها بالوتيرة نفسها؟

من الواضح أن تنظيم ونضال كل من القوى الديمقراطية الكردية والقوى السياسية الديمقراطية في تركيا والأطراف اليسارية سيكون حاسماً بالنسبة لإرساء الديمقراطية في تركيا، وإن مستوى التحول الديمقراطي في تركيا على أساس حل القضية الكردية ستحدده القوى الديمقراطية الحازمة، وخاصة القوى الديمقراطية اليسارية، كما أن وصف ومستوى خطابات وخطوات القوى السياسية داخل النظام نحو التحول الديمقراطي سوف يتطور تبعاً للقوة المنظمة ونضال القوى الديمقراطية الحازمة، ومن الخطأ توقع خطوات مهمة بشأن ترسيخ الديمقراطية من حزب الشعب الجمهوري أو أي قوة سياسية أخرى داخل النظام من شأنها أن توفر حلاً للقضية الكردية، ففي تركيا، هناك حدود محددة وفهم أيديولوجي وسياسي مرسوم منذ 100 عام.

وعلى الرغم من وجود ميل وجهد لتجاوز هذه الحدود في بعض القضايا وفقاً للتطورات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في تركيا، إلا أنه لا يوجد حتى الآن حزب سياسي أو قوة سياسية يمكنها تجاوز هذه الحواجز الأيديولوجية-السياسية وإضفاء الطابع الديمقراطي على تركيا بالمعنى الحقيقي، وبالطبع، فقد خطت بعض القوى اليسارية، ولا سيما الاشتراكية، خطوات مهمة في تجاوز هذه الحدود الأيديولوجية والسياسية، ولكن القوى اليسارية، التي تقلصت قواها مع 12 أيلول، لا تزال تخوض نضال استعادة عافيتها وقوتها.

ومما لا شك فيه أن حركة التحرر الكردية والقوى السياسية الديمقراطية الكردية لعبت دوراً مهماً في بقاء وصمود القوى اليسارية والديمقراطية، ولكن، لا تزال القوى الديمقراطية الحازمة في تركيا غير قادرة على إحداث التأثير المطلوب نظراً لأنها لم تتوصل بعد إلى برنامج مشترك حول التحول الديمقراطي والنضال المشترك على هذا الأساس، في حين أن اليساريين الديمقراطيين في تركيا لديهم تراكمات وتقاليد نضالية قوية، وإذا ما تمكنوا من تشكيل منصة النضال المشترك، فبإمكانهم تحديد التطورات السياسية في تركيا، وإن القوة السياسية الديمقراطية للشعب الكردي في مستوى يسمح لها بلعب دور مهم في ضمان ظهور قوة نضالية كهذه، حيث تعمل حركة التحرر الكردية منذ بداية ظهورها على مسرح التاريخ من أجل نضال مشترك مع القوى الديمقراطية الحقيقية في تركيا، وتؤمن الحركة أن هذه هي الطريقة التي ستتحول بها تركيا إلى ديمقراطية.

يتبع..

(ف)