"الممر الاقتصادي الجديد" الأهمية والعقبات

لا يزال الحديث يدور عن مشروع الممر الاقتصادي الجديد، وعلى الرغم من أهميته والزخم الإعلامي الذي أعطي له، فإن مراقبين يرون أنه يواجه تحديات عديدة، فما أهمية هذا المشروع؟ وما المعوقات التي تواجهه؟

"الممر الاقتصادي الجديد" الأهمية والعقبات
الخميس 29 شباط, 2024   06:32
مركز الأخبار
كيفارا شيخ نور

دخل مشروع "الممر الاقتصادي الجديد"، الذي يربط جنوب آسيا بأوروبا ويمر عبر الخليج العربي وإسرائيل، والذي تم إقراره على هامش قمة مجموعة العشرين التي عُقدت في مدينة نيودلهي الهندية (9 أيلول) 2023، طي النسيان بعد عملية حماس في السابع من تشرين الأول الفائت. 

بالإضافة إلى الولايات المتحدة والسعودية والهند، وقّعت الإمارات العربية المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي، على هامش القمة، مذكرة تفاهم لإنشاء ممر اقتصادي يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا، المعروف اختصاراً بـ IMEC، ويشمل الممر بناء خطوط للسكك الحديدية وأنابيب لنقل الطاقة، وكابلات لنقل البيانات.

واتفقت الدول المعنية على التوصل إلى خطة عمل خلال ستين يوماً، وسيلتزم جميع الموقعين بالتمويل، وتشير تقديرات هندية إلى أن تكلفة المشروع ستبلغ نحو 20 مليار دولار.

وسوف يتضمن الممر الاقتصادي، حسب قادة العشرين، إنشاء خطوط للسكك الحديدية، فضلاً عن ربط الموانئ البحرية وجوانب أخرى. وتتوقع الولايات المتحدة أن يساهم الممر في تنشيط التنمية الاقتصادية من خلال تحسين الاتصال والتكامل الاقتصادي بين آسيا والخليج العربي وأوروبا.

ويتكون المشروع من ممرين: الممر الشرقي الذي يربط الهند بالخليج عبر بحر العرب، والممر الشمالي الذي يربط الخليج بأوروبا، عبر إسرائيل والأردن وساحل البحر الأبيض المتوسط.

وحسب المعطيات، ستنطلق السفن البحرية من شواطئ الهند نحو الإمارات، ثم عبر خط مطول من السكك الحديدية يمر بالسعودية، ومنها إلى الأردن، ثم ينتقل إلى إسرائيل، حيث تتحرك السفن البحرية من شواطئ البحر المتوسط إلى اليونان وإيطاليا؛ لتستكمل البضائع رحلتها إلى باقي الدول الأوروبية، عبر الخطوط البرية.

وفي التفاصيل، سيربط الممر الشرقي ميناء موندرا على الساحل الغربي للهند بميناء الفجيرة أو جبل علي في دبي في الإمارات، ثم يستخدم خط السكة الحديد، عبر السعودية والأردن؛ لنقل البضائع؛ عبر حاويات موحدة إلى ميناء حيفا بإسرائيل على ساحل المتوسط، حيث يعاد شحنها بحرياً إلى ميناء بيرايوس في اليونان أو الموانئ الإيطالية الرئيسة من تارانتو إلى تريستا أو ميناء مارسيليا في فرنسا.

أهداف مشروع الممر الاقتصادي

ناهيك عن منافسة مشروع "الحزام والطريق" الصيني، فمحور فكرة مشروع "الممر الاقتصادي الجديد" الأساسية، هي تخفيض التكاليف اللوجستية للنقل (تكاليف الشحن واستهلاك الوقود)، بنحو 40%، ناهيك عن الدعم الغربي للهند (المنافس الرئيس للصين)، حيث تملك نيودلهي كثافة سكانية تتميز باليد العاملة الرخيصة (بالمقارنة مع اليد العاملة الصينية).

كما أن نجاح هذا المشروع، سيؤثر على إمكانية وصول غاز ونفط دول الخليج العربي إلى الغرب، وحينها لن يعود للأخير أي حاجة إلى غاز وبترول روسيا، هذا من الناحية الاقتصادية.

أما من الناحية السياسية، سيكون لهذا الممر - الذي يمر بدول الخليج وإسرائيل - دور في التقريب بين ممالك الخليج العربية وإسرائيل، وخاصة أن الولايات المتحدة تسعى إلى التطبيع بين الرياض وتل أبيب، وما الحركة الدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط في الأشهر الأخيرة إلا أكبر دليل على ذلك.

ودمج إسرائيل في المنطقة، وهو أمر تسعى إدارة بايدن إلى تحقيقه بشغف كبير؛ فبعد توقيع "اتفاقات ابراهام" بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، انصرف التركيز الأميركي خلال عام 2023 إلى محاولة تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، ويعد الممر الاقتصادي خطوة كبيرة في هذا الاتجاه، حيث رحب بها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووصفه بأنه "أكبر مشروع تعاون في تاريخنا” من شأنه أن "يغير وجه الشرق الأوسط وإسرائيل وأوروبا وسيؤثر في العالم أجمع".

كما أن هذا المشروع هو تثبيت للنفوذ الأميركي في المنطقة، وتأكيد التزام واشنطن بالشراكة الاستراتيجية مع حلفائها، ومحاولة ردم فجوة الثقة التي تصاعدت في المنطقة تجاهها وقطع الطريق على مساعي الصين لاستقطاب دول الخليج العربي، عبر تقديم بديل اقتصادي ينافس مشروع الحزام والطريق.

وعلى غرار مبادرة "الحزام والطريق" الصينية والذي حال دون إكماله حتى الآن نتيجة الحروب الطاحنة في الشرق الأوسط (أحد الأعمدة الرئيسة لهذه المبادرة)، فإن مشروع "الممر الاقتصادي الجديد"، بحاجة إلى بيئة آمنة بغية تنفيذه، إلا أن الأزمات والحروب زادت بعد الإعلان عن هذا المشروع، حيث كانت عملية حماس في السابع من تشرين الأول التي أتت بعد نحو شهرين من الإعلان عن هذا المشروع، وكذلك حرب قره باغ في 19 أيلول من العام الماضي.

الدور الإيراني المعرقل

يعدّ الممر خطوة استراتيجية كبيرة، وسيكون له آثار اقتصادية وسياسية واجتماعية كما ذكرنا آنفاً، أهمهما هو تطبيع العلاقات بين ممالك الخليج وتل أبيب، ولذلك كان لإيران دور كبير في إعاقة تنفيذه، حيث تعدّ كل من حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي وأنصار الله اليمنية من الأذرع القوية الضاربة لطهران القادرة على تعقيد المشهد ونشر الفوضى في المنطقة، بغية الوقوف وبشكل رئيسي في وجه التطبيع بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل، لأنه في حال تنفيذه سيكون الفناء الخلفي لإيران قد طبّع بشكل شبه كامل مع عدوة الأخيرة(إسرائيل) ناهيك عن الدور السلبي لهذا التطبيع على المصالحة السعودية الإيرانية.

ولذلك، فإن الحرب التي اندلعت بين حماس وإسرائيل، أثرت على الرأي العام العربي، وكان لها دور في تعليق المفاوضات التي وصلت إلى مراحل حاسمة قبل العملية، هذا من جهة الدور الإيراني.

وسيمنح الممر الاقتصادي الجديد طريقاً آمناً بديلاً عن مضيق هرمز الذي يمثل ورقة ضغط قوية بيد إيران تستخدمها ضد دول الخليج والقوى الدولية في حال تزايدت حدة التوتر بين طهران وهذه الدول، كما أن اعتماد حيفا بدلاً عن بيروت دفع البعض من اللبنانيين للقول إن وجود حزب الله هو السبب بإبعاد لبنان عن هذا المشروع.

الدور التركي المعرقل

أما من جهة تركيا، فإن إقصاء الأخيرة منه جعلتها من أكثر المتضررين من هذا المشروع؛ وتبيّن هذا من مهاجمة رجب طيب أردوغان لهذا المشروع والدول المشاركة فيه، وقوله: "لن يكون هناك ممر من دون تركيا، والخط الأكثر ملاءمة لحركة المرور من الشرق إلى الغرب هو الخط العابر من تركيا".

وينافس الممر الاقتصادي الجديد مشروع طريق "تنمية العراق"، الذي يهدف إلى ربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر خط سكة حديد وطريق سريع عبر موانئ في الإمارات وقطر والعراق، وهو ما يفسر الرفض التركي لمشروع "الممر الاقتصادي الجديد"، والذي يعدّ منافساً لمشروع طريق "تنمية العراق".

تم الإعلان لأول مرة عن "طريق التنمية" خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى تركيا، في آذار2023، حيث كشف عنه في مؤتمر صحفي مشترك للسوداني وأردوغان، وكشف أن طريق التنمية يتضمن "خط للسكك الحديدية ينقل البضائع، في المرحلة الأولى بسعة 3.5 مليون طن، لنصل في المرحلة الثانية إلى 7.5 مليون طن.

فطريق التنمية أو (القناة الجافة) بين العراق وتركيا: يبدأ من ميناء "الفاو الكبير" بمدينة البصرة العراقية على مياه الخليج عبر خط سكك حديد فائق السرعة لنقل ملايين الحاويات بين شمال الخليج والموانئ التركية، ومنها إلى أوروبا.

وتبلغ تقديرات الميزانية الاستثمارية لمشروع "طريق التنمية" 17 مليار دولار، تشمل بناء عدة مدن صناعية وسكنية في العراق على جانبي الطريق. ويتكون الجدول الزمني للمشروع من ثلاث مراحل، تنتهي الأولى عام 2028 والثانية 2033 والثالثة 2050. وتم حتى الآن إنجاز 40% من المرحلة الأولى. لكن المشروع يواجه تحديات داخلية، في مقدمتها صعوبة الحفاظ على الاستقرار الأمني، والانقسام السياسي، فضلاً عن الخلافات المحتملة مع حكومة "إقليم كردستان" التي تعتقد أن مخطط المشروع تعمد إقصاء الإقليم من مساره البري.

ويهدف المشروع لبناء 15 محطة قطار للبضائع والركاب على طول الخط، تنطلق من البصرة جنوباً مروراً ببغداد وصولاً إلى الحدود مع تركيا، وتأمل الحكومة العراقية أن تنقل قطارات عالية السرعة البضائع والمسافرين بسرعة تصل إلى 300 كم في الساعة، بالإضافة إلى مد خطوط إلى مراكز الصناعة المحلية والطاقة، والتي يمكن أن تشمل أنابيب النفط والغاز.

ويعزز هذا الممر سياسة تركيا المتمثلة في كونها دولة مركزية في مجال الطاقة حيث يسمح لتركيا بنقل النفط والغاز الطبيعي من العراق إلى الأسواق العالمية كما ستكون تركيا بوابة العراق إلى أوروبا، وبالتالي سيشكل البلدان جسراً بين أوروبا وآسيا.

إلا أن الباحثين والمحللين، اعتبروا أن تطبيق هذا المشروع غير ممكن، لأن تمويله وكذلك سياق تطبيقه يجب أن يتم الموافقة عليه من قبل المنطقة الرئيسة فلا إيران ولا دول الخليج ولا الولايات المتحدة ولا الصين ستوافق على هذا المشروع، ولهذا سعت تركيا، ولو مؤقتاً إلى فتح ممر زانجيزو الذي يربط تركيا بكامل أذربيجان من أجل وصول الأخيرة إلى آسيا الوسطى.

كما تشير المعطيات إلى أن الهدف من هذا الهجوم الأذري 19 أيلول الماضي (بعد 10 أيام من الإعلان عن مشروع الممر الاقتصادي)، هو الضغط على أرمينيا لفتح هذا الممر، ولكن الاقتراح التركي لاقى أيضاً رفضاً إيرانياً وأرمينياً، كما أن الاتفاقيات العسكرية بين فرنسا وأرمينيا من جهة، وإجراء مناورات عسكرية بين الولايات المتحدة وأرمينيا من جهة أخرى، حالت دون فتح هذا الممر.

عرقلة المشروع

تجاهل المشروع لكل من تركيا وإيران وعدم إشراكهما في المشروع، اعتبرته أنقرة صفعة كبيرة لها، وقالها أردوغان صراحة، إن لا ممر من دون مشاركة بلاده، كما عدّ مسؤولون إيرانيون المشروع خطراً على الموانئ الإيرانية وعلى ممر "شمال جنوب"، الذي يجمعها مع روسيا والهند، وأن البحث عن طرق بديلة "غير مبرر على الإطلاق"، كما سعت روسيا إلى إثارة مخاوف الصين، عندما عد المشروع موجهاً ضد ممر "الحزام والطريق" الصيني تحديداً.

وبالتالي، ففي ظل أن المشروع يمر عبر مضيق هرمز، فإن ذلك سيعطي لإيران القدرة على تهديد الممر وشل حركته بشكل شبه كامل. كما أنه يمر في البحر المتوسط، حيث النفوذ التركي البحري المتزايد والذي سيكون من الصعب تجاوزه خاصة إذا تبيّن أن للمشروع أهدافاً سياسية وأيديولوجية، وأن استبعاد بعض الدول من المشروع أو محاولة عزلها إنما تم بناءً على هذه الخلفية بالذات وليس بناءً على أي معطيات أخرى.

كذلك، فإن هذا المشروع يواجه تحدي الحرب الدائرة بين إسرائيل وحماس والتوترات في الضفة الغربية، والتي يمكن أن تهدد فرص "المرور الآمن" للبضائع إلى ميناء حيفا، وفي ضوء تضرر وتركيا وإيران من هذا الممر، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تعاون بينهم لإجهاضه.

(ي ح)

ANHA