الجرائم العثمانية قيم سائدة لدى العدالة والتنمية لتحقيق النفوذ والهيمنة

تُعدّ الدولة العثمانية من أكثر الدول التي ارتكبت مجازر بحق شعب المنطقة، من العرب والكرد والسريان والأرمن، وعلى الرغم من مرور أعوام كثيرة فإن هذه المجازر لا تزال مستمرة على يد العثمانيين الجدد المتمثلين بحزب العدالة والتنمية وحلفائه في تركيا.

الجرائم العثمانية قيم سائدة لدى العدالة والتنمية لتحقيق النفوذ والهيمنة
الإثنين 6 مايو, 2024   02:30
مركز الأخبار
يحيى الحبيب

وقعت بلاد الشام تحت الاحتلال العثماني منذ عام 1516 حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، ومع وصول القوميين الأتراك، وفي مقدمتهم حزب الاتحاد والترقي إلى السلطة عام 1908، عملوا على فرض القومية واللغة التركية على كل القوميات الأخرى التي تعيش تحت الاحتلال العثماني، مرتكبين أبشع المجازر بحق كل من يعارضهم.

وبعد 1914 وعقب تعيين وزير البحرية جمال باشا قائداً عامّاً للقوات التركية في بلاد الشام، شدد قبضته على بلاد الشام وفرض الضرائب والتجنيد الإجباري واللغة التركية، وازداد الأمر سوءاً بعد امتناع الدولة العثمانية عن تنفيذ القرارات الصادرة عن مؤتمر باريس عام 1913، والتي كانت تقتضي مشاركة العرب في الحكم، وتمتعهم بالحكم الذاتي ضمن الدولة العثمانية آنذاك، واستمرارها بسياساتها الشوفينية القائمة على فرض السيطرة ونهب الثروات، إلى جانب سياسات التتريك للتراث اللغوي والحضاري في البلاد، التي كانت تحتلها وعلى وجه الخصوص في بلاد الشام (سوريا ولبنان) والعراق، الأمر الذي أدى إلى اشتعال جذور الثورة، وخاصة بين فئات المثقفين والسياسيين والشيوخ الذين طالبوا بخروج المحتل العثماني.

وبهدف ترهيب هؤلاء زادت الانتهاكات والجرائم بحق الأهالي، فاندلعت الثورة بقيادة المثقفين والسياسيين المعارضين للحكم العثماني ونظموا حملات تطالب فيها بالالتحاق بالثورة العربية الكبرى التي انطلقت من الحجاز لإسقاط حكم العثمانيين.

وعلى إثر ذلك أصدر جمال باشا أحكاماً بالإعدام على عدد من المثقفين والوطنيين من دمشق وبيروت في محكمة صورية في جبل لبنان، ونفذت السلطات العثمانية هذه الأحكام على دفعتين، الأولى في 21 آب 1915، والثانية في 6 أيار 1916 الذي أعدم فيه عدد أكبر، في كل من ساحة البرج في بيروت، التي سميت فيما بعد بساحة الشهداء، وفي ساحة المرجة في دمشق.

ثم قُـتل جمال باشا السفاح في مدينة تبليسي عام 1922م على يد أرمني يدعى اسطفان زاغكيان، انتقاماً لما ارتكبه العثمانيون من مجازر بحق الأرمن عام 1915، ضمن حركة واسعة عرفت بعملية نيمسيس أي "العقاب" طالت جميع المسؤولين عن تلك الإبادة التي راح ضحيتها أكثر من مليون ونصف المليون أرمني.

وفي أسلوب مشابه لإعدام الدولة العثمانية للمثقفين والمعارضين لها، تقوم دولة الاحتلال التركي باستهداف متواصل للمدنيين بالإضافة إلى استهداف ممثلي شعب المنطقة وقيادات عسكرية وسياسية ومدنية ساهمت في تحقيق الاستقرار في شمال وشرق سوريا، بهدف ترهيب شعب المنطقة ودفعه للاستسلام.

جرائم على خطى الأجداد

الكاتب والمحلل السياسي السوري، محمد عيسى تحدث لوكالتنا عن ذلك، قائلاً: "إن تحالف حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية الحاكم في تركيا، يسير على خطى أجدادهما في دولة السلطنة العثمانية البائدة. هذه السلطنة التي دخلت التاريخ من باب المجازرالتي ارتكبتها بحق الشعوب والأعراق، التي وقعت تحت سيطرتها طيلة أربعة قرون، هذه السلطنة التي ذيلت سجلها وقبل أن يأتي حكم التاريخ بقبرها، بارتكابها لجريمتها الشنيعة بحق الشعور والوجدان العربي والإنساني، الجريمة المتمثلة بإقدام المجرم السفاح جمال باشا بتنفيذ حكم الإعدام شنقاً في دمشق وبيروت بحق عشرات من طلائع المثقفين المدنيين العزل؛ لمجرد أنهم قد طالبوا في نشاطهم الثقافي بإبراز هويتهم الثقافية والوطنية في مواجهة سياسة التتريك المتخلفة والجائرة الأمر الذي لم تحتمله عقلية العثمانيين المريضة بعقلية الإجرام".

وأضاف محمد عيسى: "هذه النزعة التي طبعت سجل الاحتلال التركي على الدوام واليوم إذ يحاول التحالف الإخواني الشوفيني الحاكم أن يقتفي أثر الأجداد باستدعاء امبراطورية الماضي، وللحقيقة والموضوعية فهو لا يكذب بهذه النقطة؛ لأن الإناء ينضح بما فيه. فالجريمة المتجددة تجاه المواطنين الواقعين تحت سلطاته، هي الشيء الذي تعلمه من تراثه الذي ليس فيه من إبداعات يعتد بها غير ابتكار الخازوق".

وأشار عيسى إلى أنه: "لا شك في أن برامج حزب العدالة والتنمية والخطاب السياسي التركي، دأب على أن يستمد مكانته وشرعيته الشعبية بين أوساط الناخبين والمريدين من خلال تماهيه مع التاريخ العثماني، ومن خلال استدعائه له في محاولة لإحيائه وبمعنى من المعاني لإحياء همجيته واستحضار روح الاجرام والقهر والتخلف، ولأن الشيء بالشيء يذكر، ما هو الشيء الذي يعتد به في هذا التاريخ غير إثارة الفتن والتجهيل بين المكونات والأعراق والطوائف، وهل توظيف تنظيمات الإسلام السياسي الإجرامية كالنصرة وداعش والسلطان مراد وغيرها، في تقويض الدولة السورية والنسيج الاجتماعي السوري، غير السلوك نفسه الذي انتهجه السلطان عبد الحميد وباقي السلاطين، فأردوغان هو نفسه، ويتباهى بحمل بضاعته نفسها".

بسط النفوذ والهيمنة عبر الجرائم

وعلى الرغم من التاريخ الدموي للاحتلال العثماني وجرائم تركيا الحالية التي لم تقتصر على السوريين فقط، إنما شملت ليبيا والعراق وأرمينيا، حيث ارتكبت تركيا ومرتزقتها جرائم حرب بحق شعوب هذه الدول من خلال تدخلها المباشر في الحرب واستخدام المرتزقة السوريين للتهرب من مسؤولية الجرائم التي ترتكبها باسم هذه المجموعات المرتزقة، إلا أن بعض الأنظمة والسلطات تتجه للتصالح معها.

وفي سوريا، وعلى الرغم من العداء الذي دام سنوات بين الاحتلال التركي وحكومة دمشق وما مارسته تركيا من سياسات سعت من خلالها لإسقاط نظام الحكم في سوريا وحولت البلاد إلى مكان آمن للمرتزقة والمتطرفين الأجانب، إلا أن دمشق وتحت ضغط روسي من جهة وللحفاظ على مصالحها الخاصة من جهة أخرى تجري مفاوضات مع تركيا لتطبيع العلاقات بينهم.

يجدر بالمثقفين والنخب السياسية وضع الخطر التركي في صدارة الأخطار

وأكد عيسى أنه: "لا فرق في الإستراتيجية والأهداف، بين سلوك السلطنة في كل مراحلها وبين المرامي التركية الأردوغانية الحالية، ففي كلتا الحالتين كان مشروع بسط النفوذ والاحتلال والهيمنة على شعب المنطقة، باسم الدين وعن طريق تسويق أوهام الخلافة الإسلامية وتحرير المقدسات وأكاذيب أخرى، هو الطريق والوسيلة لتمرير التغول والاحتلال والتوسع وممارسة سياسة التتريك والتذويب القسري لثقافة الغير هو الهدف".

ونوّه عيسى إلى أن: "الذهنية المتحكمة في السياسة التركية خلال العقدين الماضيين تؤكد حقيقة واحدة، أنها ذهنية احتلال وتوسع وأخونة، هذه السياسة واضحة في كل المحطات التي ظهر الدورالتركي فيها من سوريا وليبيا إلى السودان والصومال، وواهم أو مغفل من يظن خيراً بهذه السياسة".

الكاتب والمحلل السياسي محمد عيسى أكد أن: "السياسة التوسعية الإخوانية والإجرامية التركية، يجب أن تكون واضحة لجميع المثقفين السوريين والعرب، وفي عموم المنطقة والعالم، ولا يجوز لأحد المهادنة معها ويجدر بالمثقفين والنخب السياسية وضع الخطر التركي في صدارة الأخطار والتحديات وقبل الخطر الإسرائيلي بكثير".

(أ ب)

ANHA