الهجرة من لبنان تؤثر على النمو السكاني والتغيير الديموغرافي

ارتفع عدد اللبنانيين المهاجرين، وسط تفاقم أزمة اقتصادية لا مثيل لها تضرب البلاد. ويخشى البعض أن تؤدي هجرة العقول هذه حتماً إلى تغيير ديموغرافي وحصول تجريف كامل للشعب اللبناني.

الهجرة من لبنان تؤثر على النمو السكاني والتغيير الديموغرافي
الثلاثاء 3 تشرين الأول, 2023   03:47
بيروت – زياد أبو غزالة

في الأشهر الأخيرة، اكتظت المديرية العامة للأمن العام بالمواطنين اللبنانيين من جميع الطوائف، الراغبين في الحصول على جوازات سفر أو تجديدها. المواطنون انتظروا ساعات لتقديم طلباتهم. يحصل بعضهم على جوازات سفرهم فقط في عند احتياجهم لمغادرة البلاد في حالة الطوارئ، بينما لدى البعض الآخر خطط فعلية للمغادرة.

ففي وقت يصارع لبنان أسوأ أزمة مالية على الإطلاق، سقط غالبية السكان في براثن الفقر. وفقاً لمسح اليونيسف يلقي الضوء على وضع الأطفال في لبنان، فإن أكثر من نصف العائلات التي شملتها الدراسة لديها طفل واحد على الأقل تخطى وجبة غذائية خلال أيلول، مقارنة مع ما يقرب من 37٪ خلال شهر نيسان.

وسط هذا السيناريو الكئيب ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية، يرى العديد من اللبنانيين الشباب والمتعلمين، أن الهجرة هي المخرج لحياة أفضل. تتنوع الوجهات بين دول الخليج وتركيا وقبرص وكندا وأوروبا والعديد من الوجهات الجديدة الأخرى.

مراسلنا في لبنان التقى بعدد من المغتربين الذين يزورون بلدهم لأيام بعد أن اعتادوا على موطنهم الآخر، وأكدوا أن الوضع في لبنان من سيء إلى أسوأ، متمنين أن تتحسن الأوضاع ويكون هناك فرص عمل ليتمكنوا من العودة إلى مسقط رأسهم. أما من خرج بطريقة غير شرعية، فلن يرجع إلا بعد أخذ الجنسية أو الإقامة على أقل تقدير.

أحد ضحايا الهجرة، محمود الداموري، شاب لبناني هاجر إلى كندا، يقول لوكالتنا: "تخرجت عام 2018 كمدرس للرياضيات. أمضيت عاماً في البحث عن وظيفة، ولكن دون جدوى، خاصة أنه العام الذي توالت الأحداث في لبنان والعالم، من انتشار وباء كورونا إلى الاحتجاجات في الشارع وصولاً إلى انهيار الليرة اللبنانية، لذلك قررت المغادرة بأي طريقة".

وأضاف أنه: "رغم كل الأزمات الأمنية والسياسية في كندا أو أي دولة في العالم، فإن الأزمة في لبنان تبقى الأسوأ بكثير. جئت إلى هنا لبناء مستقبل لنفسي ولأولادي، على أمل أن تنتهي الأزمة في الوطن يوماً ما. أفكر في العودة إلى لبنان في أقرب وقت ممكن. لكني أشك في أني سأعود في يوم من الأيام. سأعيش في استقرار ونمو اقتصادي أفضل".

لا توجد إحصاءات رسمية حول معدل الهجرة من لبنان. أظهرت دراسة نشرت في 8 كانون الأول عام 2018 من قبل شركة المعلومات الدولية، (وهي شركة دراسات وإحصاءات في لبنان)، زيادة كبيرة في عدد المواطنين الباحثين عن عمل وظروف معيشية أفضل في الخارج.

الباحث في شركة المعلومات الدولية، محمد شمس الدين، أكد لوكالتنا أن: "أرقام الإحصاء السكاني تعتبر بمنزلة التحدي الأساسي الذي يواجه لبنان اليوم، فهو البلد الوحيد من بين 237 دولة ومقاطعة في العالم، لا يعرف ولا يقوم بتعداد سكانه منذ الاستقلال، وبعد انقضاء فترة 90 سنة على التعداد السكاني الأول، ما زال لبنان يعتمد المسوح السكانية بالعيّنة وبمساعدة وتمويل من الهيئات الدولية وبرعاية الأمم المتحدة، وهي مسوحات غير شاملة، بحيث لا يمكن معرفة أعداد السكان المقيمين في لبنان ويعيشون على أرضه، من جنسيات متنوعة، لبنانيين وغير لبنانيين، وبخاصة بالنسبة لأعداد المهاجرين إلى الخارج، لا سيّما أعداد المقيمين على الأراضي اللبنانية، من النازحين السوريين، واللاجئين الفلسطينيين، والعراقيين، وكذلك الهجرات غير الشرعية من العمال العرب والأجانب، وأعدد المكتومين من الأطفال وعديمي الجنسية".

وقال شمس الدين: "بالطبع نخشى أن يتقلص عدد اللبنانيين. نحن قلقون اليوم من حدوث تغيير ديموغرافي كبير، خاصة وأن الأفراد المتجنسين قد اتخذوا الآن هويات لبنانية. ويُقترح مشروع قانون في البرلمان من شأنه أن يسمح بمنح الجنسية اللبنانية لـ 80 ألف شخص عديم الجنسية".

أحب لبنان كثيراً، لكن لا يمكننا العيش هنا

الشابة سارة الدوخي، 24 عاماً، قالت لوكالتنا: "أصبحت الهجرة طموحي وطموح كل شخص يتخرج من الجامعة، خصوصاً بعد الأزمة التي تعصف ببلدنا. أحب لبنان كثيراً، لكن لا يمكننا العيش هنا. لا يمكننا الحصول على الخدمات الأساسية. هذا محبط للغاية".

وأضافت أنه: "من بين 20 من صديقاتي وأصدقائي من قريتي جزين شرق صيدا، هاجر 13 منهم. البعض إلى فرنسا، والبعض الآخر إلى ألمانيا وبلغاريا. إنهم سعداء للغاية ويكسبون حوالي 1200 يورو [1350 دولاراً] شهرياً".

خلال سنوات الحرب اللبنانية 1975-1990، تصدعت البنية السكانية في لبنان بين موجات الهجرة المغادرة والتهجير السكاني في الداخل وتناقص الولادات، وحدثت تحوّلات ديموغرافية عميقة، لكن لبنان تمكن من النجاة بعد أكثر من عشر سنوات بفضل اعتماده على تدفقات رأس المال وتحويلات الاغتراب اللبناني الذي أنقذ لبنان.

أما خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الأخيرة 2019-2023، فقد تغيّرت معالم الخريطة الديموغرافية، إذ أصبح لبنان الأول في العالم من حيث تناقص عدد سكانه، نتيجة تهجير الشباب وانخفاض الخصوبة وتفكك الأسرة وتراجع عدد الولادات دون مستوى الإحلال، كما بات لبنان أول دولة في المنطقة العربية تدخل مرحلة الشيخوخة، حيث يتناقص عدد الأطفال ويتزايد عدد المسنين.

وأدت التحولات الديموغرافية إلى تغيير عميق في التركيب السكاني، نجم عنه نشوء خطوط صدع بارزة في البنية السكانية الضعيفة، ولأول مرة في تاريخ لبنان تبرز التباينات المناطقية على أشدها بين الوحدات الإدارية، وتتكوّن مناطق ضعف بارزة في الخريطة الديموغرافية، وهي تعتبر بمثابة مؤشرات سكانية حمراء، نتيجة الفراغ الحاصل في تناقص الأطفال وهجرة قوة العمل وبخاصة الشباب وتزايد عدد المسنين.

(ي ح)