ضريح نوري ديرسمي الثائر الذي دمّره أحفاد العثمانيين بعد نحو 100 عام

بوصية وضع كتابه مع حفنة من تراب ديرسم تحت رأسه في قبره، خلّد الثائر والقائد في ثورة سيد رضا في ديرسم، نوري ديرسمي اسمه في تاريخ كردستان، حتى بات شوكة في حلق العثمانيين، ليأتي أحفادهم بعد نحو 100 عام وينتقموا من ضريحه في عفرين المحتلة.

ضريح نوري ديرسمي الثائر الذي دمّره أحفاد العثمانيين بعد نحو 100 عام
الإثنين 21 آب, 2023   21:31
الشهباء ـ جودي سيبان

حفر الدكتور محمد نوري إبراهيم ديرسمي اسمه كغيره من الثوار والوطنيين في تاريخ كردستان من خلال ما قدمه لأرضه وشعبه، منذ أن كان يافعاً، حتى وافته المنية.

تمر اليوم، الذكرى السنوية الـ 50 لرحيل المثقف الوطني الثائر والمتمرد على مغتصبي كردستان، والقائد في ثورة "سيد رضا" الدكتور محمد نوري إبراهيم ديرسمي.

نبذة عن حياة محمد نوري ديرسمي

ولد محمد نوري إبراهيم ديرسمي والدته زليخة، في آذار 1893 في قرية آخزونيك التابعة لولاية ديرسم في باكور كردستان، وينتمي إلى عشيرة ملان، فقد أمه وهو طفل، وترعرع في بيت عمه ملا حسن.

درس ديرسمي الابتدائية في بلدة خوزات، ثم هاجر مع والده إلى خاربوط (إلازيغ) وتابع دراسته الإعدادية في مدارسها، وبدأ نشاطه السياسي وهو شاب يافع.

وأسس اتحاد طلبة كردستان مع زملائه جعفر وقهرمان وحيدر ابن تيمور باشا، واستمر نشاطه حتى المرحلة الثانوية، وفي عام 1911 هاجر مع والده إلى إسطنبول التركية، تابع دراسته حتى دخل كلية الطب البيطري، واستمر في نشاطه الفكري والسياسي، ووطد علاقاته مع العمال والفنانين بالإضافة إلى الطلبة.

وتميز ديرسمي بالعزف على آلة البزق (الطنبور)، وسخر نغمات آلته أثناء نشاطه السياسي لإقناع محاوريه عندما كان يتعذر النقاش، وانتسب إلى جمعية "هيفي" أثناء دراسته في إسطنبول، وأصبح عضواً فيها، كما أسس مع مجموعة من زملائه جمعية (عاشقي كردستان).

أرسل ديرسمي من قبل العثمانيين بصفة مسؤول عسكري إلى أذربيجان خلال الحرب العالمية الأولى 1914، وتابع نشاطه السياسي وعقد العلاقات مع الكرد الأذربيجانيين، واستمر نضاله بين الكرد الأذربيجانيين وحثهم على عدم الانخراط في الحرب إلى جانب العثمانيين الأمر الذي أزعج العثمانيين آنذاك، ليعزلوه من الجيش ونفيه إلى منطقة غريسون على البحر الأسود.

دوره الوطني

أتم ديرسمي دراسته الجامعية، وتخرج طبيباً بيطرياً، وتزوج من ابنة حاجي آغا، ليتابع نشاطه السياسي بانضمامه إلى (جمعية تعالي كردستان)، وبدأ بالتحضيرات التنظيمية والعسكرية للقيام بانتفاضة كردية للحصول على الحقوق القومية للكرد، حيث استطاع تأمين 1500 بندقية ووزعها على 1200 عامل كردي في إسطنبول وأنقرة، وعلى إثر ذلك تم اعتقاله.

وأطلق سراحه بمساعدة رئيس الديوان الحربي نمرود مصطفى، ثم أرسلته الدولة العثمانية البائدة إلى سيواس، وهناك راسله مصطفى كمال أتاتورك من أجل ضمه إلى حركته لكنه رفض لقاءه، وبسبب رفضه اعتقله والي سيواس بأمر من أتاتورك.

بعد الإفراج عنه انضم إلى انتفاضة كوجكري، ولنشاطه الكبير صدر حكم الإعدام بحقه في 25 حزيران عام 1921، لكنه تمكن من الهرب إلى مسقط رأسه ديرسم.

عرف محمد نوري ديرسمي بشخصيته الرصينة وبروحه الشبابية، وكان من المقاتلين المهرة عند القتال، فلم يخطئ هدفاً قط خلال المعارك ضد العثمانيين.

وكُلّف ديرسمي من قبل القائد الكردي سيد رضا بتوحيد العشائر الكردية والقيام بالتحضيرات للانتفاضة، فباشر عمله بتعبئة الجماهير وحثهم على النضال إلى جانب تعليمهم اللغة الكردية، وعندما بدأت الانتفاضة تعرضت منطقة ديرسم لعدوان وحشي من الاحتلال التركي.

واستشهد ابن ديرسمي (علي) في هجوم الاحتلال التركي الوحشي على ديرسم، وكلّفه مرة أخرى "سيد رضا" بمهمة إلى خارج الوطن في 11 أيلول عام 1937 لعقد العلاقات والمهام الدبلوماسية ونشر الفكر التحرري، وكانت سوريا الملاذ الآمن له، لعدم تسليمه للأتراك.

وفي سوريا التقى نوري ديرسمي مع المثقف والسياسي "كاميران بدرخان" الذي ساعده في التوجّه إلى مدينة الإسكندرية في مصر لتعريف المسؤولين العرب بالقضية الكردية والمجازر التي يرتكبها الأتراك بحقهم في ديرسم؛ وأجرى اتصالات مع الشخصيات الكردية في سوريا.

وانضم ديرسمي إلى (جمعية خويبون) وكُلّف بتسيير الفعاليات في سوريا ساعياً لإعاقة سلخ لواء الاسكندرون عنها.

وخصص الاحتلال التركي مبلغ 4 آلاف ليرة ذهبية لاغتيال نوري ديرسمي، بعد قمع انتفاضة ديرسم وإعدام "سيد رضا"، وقتل عشرات الآلاف من السكان وتدمير ديرسم بالكامل وتغيير اسمها إلى تونجلي (اليد الحديدية).

وقرر الفرنسيون تسليم ديرسمي إلى تركيا ثم تراجعوا، فأمره الممثل الفرنسي بالهروب إلى الأردن، وتوجّه ديرسمي إلى عمّان في 24 كانون الأول من العام 1938، إلا أن سلطات الاحتلال التركي كثّفت ضغطها على الملك الأردني عبد الله آنذاك لإخراجه.

وعاد الدكتور ديرسمي إلى سوريا وحصل على الهوية السورية بموجب قرار منح الجنسية لكل المواطنين الذين بحوزتهم ما يثبت أنه من سكان لواء اسكندرون، ولأنه يحمل هوية صادرة من اسكندرون استفاد من القرار، ثم توجّه إلى حلب واستقر فيها في 27 أيلول من العام 1940، وتزوج من فريدة ابنة أحد الوجهاء الديرسميين.

نضاله

وفي حلب لم يتوقف ديرسمي عن النضال وواظب على الكتابة والتأليف، وكتب مذكراته في كتاب أسماه (ديرسم في تاريخ كردستان) الذي طُبع في حلب عام 1952 وأصبح عضواً قيادياً في الحزب الديمقراطي الكردي السوري عندما تأسس عام 1957 كأول حزب سياسي كردي يتأسس في سوريا، واستمر بالكفاح والنضال وأصبح منزله مقراً للمثقفين والأدباء الكرد حتى قرروا هناك "تأسيس جمعية المعرفة والتعاون الكردي" وذلك عام 1956 وكان أعضاؤها المؤسسون هم الدكتور محمد نوري ديرسمي ـ روشن بدرخان ـ حسن هشيار ـ عثمان افندي ـ حيدر حيدر ومن أهداف الجمعية تطوير اللغة والأدب وتاريخ الكرد وتعريفها بالعالم، وطبع عدة كتب فضلاً عن نشر المقالات والبحوث عن تاريخ الكرد وكردستان في الصحف الناطقة باللغة العربية آنذاك.

وفي يوم 22 آب عام 1973 وافت محمد نوري ديرسمي المنية، وكان قد أوصى بأن يدفن في مقبرة زيارة حنان الواقعة على طريق عفرين ـ حلب في قبر أعده بنفسه له ولزوجته منذ عام 1963، وأن يمر موكب جنازته من أمام القنصلية التركية بحلب ونفذت وصاياه، وفي تسعينيات القرن الماضي توفيت زوجته فريدة ودفنت إلى جانبه.

كما أوصى بوضع كتابه عن كردستان إلى جانب حفنة من تراب ديرسم تحت رأسه في قبره، وتدوين أبيات الشعر على شاهدة قبره "على هذا الطريق الصعب وأنا أيضاً صرخت كثيراً ليأتي يوم تصبح الدنيا لكم كالربيع المزهر"

 Li ser vê rêka dijwar min jî kir pir hawar da ji bo we rojekê dinya bibe gulbihar"

بعد 100 عام ينتقم أحفاد العثمانيين من ديرسمي

وبعد مرور نحو 100 عام، انتقم أحفاد العثمانيين من الثائر الوطني نوري ديرسمي عقب احتلال مقاطعة عفرين المحتلة، عبر تدمير وتدنيس ضريجه في مقبرة زيارة حنان، في 23 آب عام 2018، بعد أن تحوّل ضريحه إلى مزار لعاشقي الحرية.

(س ر)

ANHA