ثورة المرأة في روج آفا من أصالة الآلهة- 2

ازدهر نظام عبادة الثالوث الإلهي (الثالوث الأنثوي اللات والعزى ومناة) في شبه الجزيرة العربيّة وأصبحت الرقة أيضاً مركزاً رئيساً لها، وسعى داعش بعد إعلانه لخلافته في الرقّة، إلى القضاء على ثقافة اللات في جميع مجالات الحياة، وألحقوا ضرراً كبيراً بالمواقع الأثرية الخاصة بهذه الآلهة.

ثورة المرأة في روج آفا من أصالة الآلهة- 2
الجمعة 14 تموز, 2023   21:40
مركز الأخبار - جيهان بيلكين

أدّى ظهور الإسلام وازدهاره وانتشاره في المجتمعات العربية، إلى اختفاء المعتقدات القديمة تقريباً، لكن ثقافة الآلهة الأنثوية استمرت بشكلٍ مختلفٍ من المقاومة في كلٍ عصر من العصور، وتستند النساء العربيات في مقاومتهنّ ضدّ إقصاء المرأة واستبعادها وتجاهل دورها على الإرث العريق لثقافة الآلهة.

يمثّل معتقد اللات في شبه الجزيرة العربية، الشمس والقمر والنجوم، الحرب، البركة، المحبة، الحياة والموت وكافة المظاهر الإنسانية على وجه الأرض، وقد أضفى طابعه على هذه المنطقة. وعلى الرغم من عدم ذكر تاريخٍ مؤكّد، إلى أن بداية ظهور هذا المعتقد يُرجّح إلى القرن الـ 7 قبل الميلاد، إذ يُشار إلى أنّه بدأ مع نظام الآلهة الأولى حول مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية حالياً.

هذا هو نظام الثالوث الإلهي أو الثالوث الأنثوي، اللات والعزى ومناة، لقد صمد نظام عبادة اللات هذا المتمثّل اليوم بثقافة العبيد، في شبه الجزيرة العربية والشرق الأوسط لمئات السنوات، بمسمّيات ورموز مختلفة ووصل إلى عصرنا الحالي.

 الآلهة الأولى اللات

إذا تأمّلنا في سمات الآلهة، نجد أن الآلهة اللات (اللات، اللهت، اللاتو، عليلات، علات) هي الآلهة الرئيسة (الكبرى) في الثالوث الإلهي الأنثوي، وتعني كلمة اللات في اللغة العربيّة الـ "الآلهة".

وتُعرف اللات أيضاً بأنها آلهة الشمس والقمر وآلهة الأرض والحب، وكانت تحرّك الدورة الشمسية، في أصنام اللات تم نحتها وهي تحمل حزمة من القمح تمثيلاً للبركة والازدهار والحياة، ومِبخرة مليئة بالبخور وبجوارها الشمس والقمر.

آلهة الحرب العزّى وآلهة القدر مناة

تُعدّ العزّى الآلهة الثانية في الثالوث الإلهي وتمثّلها نجوم الصباح والليل، أي أنّها تمثّل تعاقب النهار والليل، كما أنها تُعدّ آلهة الحرب والحب.

أمّا الآلهة مناة فترمز إلى الإيمان والموت، وتحدّد أقدار الأشخاص ومصائرهم، وكان الناس يقومون بالدعاء لها لتقضي على أعدائهم وتحميهم منهم، وتُرمز بثلاثة أقمار تتضاءل.

بحسب المؤرخين كان يوجد في موقع الكعبة معبداً للآلهة اللات

تُمثّل معابد الثالوث الإلهي الأنثوي هذا بحجرٍ مربّع، وبحسب بعض المؤرخين فقد كان هناك معبداً مربّعاً في موقع الكعبة، يُرجّح أنّه لعبادة الآلهة اللات، إذ كان الناس يقصدونه للدعاء لها، ويُقال إن شكل الكعبة المكعّب يرجع إلى تأثير المعتقد القديم.

ويفيد المؤرخون أيضاً، بأن رواية عادة "وأد البنات (دفن البنات حديثات الولادة وهنّ أحياء)" التي كانت سائدةً في المجتمع العربي قبل الإسلام، هي في الواقع مختلفة؛ فالمصادر التي تدرس عبادة اللات تقول إنّهم كانوا يهبون الفتيات المولودات في ذاك العصر للآلهة لتصبحن راهبات في نظام الثالوث الإلهي، ويُشار إلى أن هذه العادة قد شهدت مع مرور الوقت تحوّلاً على يد نظام الهيمنة الأبويّة لتصبح التضحية بالبنات.  

من شبه الجزيرة العربية إلى سوريا

استمرّت عبادة الثالوث الإلهي الأنثوي وعلى رأسهنّ اللات، في العديد من المناطق في شبه الجزيرة العربية ولاسيما الطائف ومكّة لمئات السنوات، لتنتشر مع الزمن في العديد من المناطق في الشرق الأوسط من خلال التجارة، ومن بين المناطق التي وصلت إليها هذه العبادة وبُنيت فيها معابدها، شمال وشرق سوريا.

هاجر أتباع عبادة اللات إلى سوريا لنشر معتقدهم، ويُقال إن مدينة الرقة أصبحت مركزاً لهذا المعتقد، ويُرجّح أنّه تمّ في العديد من المناطق القريبة من الرقّة في القرن الـ 10 قبل الميلاد، بناء العديد من المعابد لعبادة الآلهة اللات. وتدمر هي إحدى المواقع الأثريّة التي يُعثر فيها على آثار لمعتقد اللات، يُضاف لها تل براك وتل بيدر الواقعتين بالقرب من مدينة الحسكة وأطلال المدينة الأثريّة دورا أوروبوس.

قصر البنات الخاص بالآلهة اللات في الرقة

يُرجّح أنّ قصر البنات وهو أحد المباني التاريخية، والذي لا يزال قائماً رغم الحرب والدمار الذي شهدتهما المدينة، كان معبداً للآلهة اللات، لكن بُني في موقعه بعد الهدم قلعةً باسم "قلعة البنات".

ويُذكر أنّه خلال الهجمات المغوليّة، دُمّرت العديد من مواقع معتقد اللات في الرقة ثمّ انمحت تماماً مع امتداد تأثير الإسلام إلى المنطقة.

 لقد استندت الرقة التي كانت مركزاً لانتفاضات الزنج في نضالها ومقاومتها ضدّ داعش على مقاومة معتقد الثالوث الإلهي الأنثوي.

ففي عام 2014، احتّل مرتزقة داعش مدينة الرقة الأثرية الواقعة على ضفاف نهر الفرات، وأعلنوها عاصمةً لخلافتهم المزعومة. إذ أسسوا لهم خلافةً هناك وخطّطوا لهجماتهم على باقي المناطق، وجمعوا فيها الفتيات والنساء الإيزيديات وباعوهنّ في الأسواق. وكان داعش يعتبر نفسه استمراراً لهارون الرشيد الذي عاش في الرقة في الماضي وعمل على نشر الإسلام، وتصرّفوا على هذا الأساس لدى احتلالهم الرقة وباقي المدن فجعلوا من الرقة مركزاً لهم.

بدأت عبادة اللات تضعف شيئاً فشيئاً، لكنها استمرّت لما بعد الميلاد أيضاً، إلا أنها مُحيت مع ثقافة المرأة في المنطقة، ولاسيما في شبه الجزيرة العربيّة بعد ظهور الإسلام، والأمر ذاته ينطبق على مدينة الرقة، فقد ألحق مرتزقة داعش خلال هجماتهم الاحتلاليّة على شمال وشرق سوريا ضرراً كبيراً بقصر البنات، إذ أحرقوا جزءاً كبيراً من القصر الأثري.

أطلقت قوات سوريا الديمقراطيّة في الـ 6 من حزيران، حملةً لتحرير مدينة الرقة بهدف إنهاء عقلية داعش المتطرّفة ووضع حدٍ لانتهاكاته وتحرير الأهالي وإنقاذهم من بطش مرتزقته، فشارك في الحملة آلاف المقاتلين الكرد والعرب والإيزيديين ومن عمر الـ 18 وحتى الـ 60، وكانت مدينة الرقّة تضم آلاف النساء والفتيات المختطفات من شنكال والموصل، واللواتي تعرّضن هناك للبيع والقتل والاختفاء، وقد كان الهدف الرئيس لوحدات حماية المرأة هو تحرير النساء والفتيات الإيزيديات، إذ تمّ إخراجهنّ من قبل الوحدات من قبو كلّ مبنى يتمُّ تحريره.

تمّ القضاء على داعش على يد النساء

وأسفر النضال الذي استمرّ لـ 134 يوماً عن تحرير المدينة بأكملها من مرتزقة داعش، إذ قدّم الشعبان العربي والكردي المئات من أبنائهم وبناتهم شهداءً في سبيل ذلك، كما استشهد عشرات المقاتلين الأممين من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وأمريكا إلى جانب قوات سوريا الديمقراطيّة ووحدات حماية المرأة. واحتلّت المقاتلات مكانةً بارزة في هذه الحملة، فقد هُزم داعش على يد النساء في المكان الذي تعرّضن فيه للبيع والقتل والاستعباد.

وارتقت شَفين جودي (كاميلا ديمير) التي شاركت في حملة تحرير الرقة إلى مرتبة الشهادة في الـ 18 من تموز عام 2017. فيما ارتقت سوزدار باور (سوزدار إسماعيل) التي كانت قياديّة في وحدات حماية المرأة في الـ 22 من الشهر ذاته والعام ذاته.

شهدت المدينة بعد تطهيرها من داعش ازدهاراً في تنظيم المرأة، كما تولّت لجنة الحفاظ على المواقع الأثرية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، مهمّة حماية قصر البنات الذي يُعدّ أحد مواقع معتقد الثالوث الإلهي والحفاظ عليه.

(ر)

ANHA