روسيا أمام نقطة تحوّل سياسية كبرى

بعد الصراع الذي دار بين متزعم فاغنر والرئيس الروسي، والذي بات بمثابة نقطة تحوّل سياسية لدى حاكم الكرملين، كثُرت التساؤلات عن مستقبل الأخير.

روسيا أمام نقطة تحوّل سياسية كبرى
الإثنين 3 تموز, 2023   01:30
مركز الأخبار - كيفارا شيخ نور

أعاد الصراع الذي دار بين متزعم مجموعة فاغنر يفغيني بريغوجين والرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الأذهان، انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وخسارته الحرب البادرة مع الولايات المتحدة، والأحداث التي سبقتها من هزيمة السوفييت في أفغانستان وانهيار جدار برلين.

الأحد 24 حزيران، كادت روسيا أن تتحوّل إلى سودان آخر، حيث نشب صراع بين مجموعة فاغنر التي يتزعمها صديق بوتين المقرب يفغيني بريغوجين من جهة، والمؤسسة العسكرية الروسية والرئيس الروسي فلاديمير بوتين من جهة أخرى.

وكأي زلزال تسبقه مجموعة من الهزات الضعيفة إلى متوسطة الشدة، كان تحرك بريغوجين هزة متوسطة الشدة، قد تتسبب آثارها البعيدة المدى في إزاحة الرئيس فلاديمير بوتين عن رأس هرم السلطة في روسيا بعد 23 عاماً من الحكم، أو ربما سيكون نقطة تحوّل سياسية في حكمه.

وفي سرد للتاريخ الحديث؛ انسحب الاتحاد السوفييتي منهزماً من أفغانستان، في 15 شباط عام 1989، بعد أن تدخّل في هذا البلد لدعم الشيوعيين نهاية عام 1979، تلاه في تشرين الثاني من العام عينه، انهيار جدار برلين الذي كان يقسم العاصمة الألمانية برلين إلى شطرين، وقطع أوصالها على مدى عقود. وقد انقسم العالم على أعتابه إلى أيديولوجيتين مختلفتين منذ إنشائه عام 1961 وحتى انهياره عام 1989.

انهيار الجدار مهّد الطريق لانهيار ألمانيا الشرقية ومعها مجمل حلف وارسو، وساهم في انهيار الاتحاد السوفييتي في 25 كانون الأول عام 1991، ليتحوّل الاتحاد السوفييتي من قوة عظمى إلى قوة هشة يتحكم بها الفساد والمافيات.

وحكم هذه الفترة من عام 1991 إلى عام 1999 بوريس يلتسن، عانت خلالها روسيا الاتحادية من الانقسام والفقر وتغلغل المافيات فيها، ليتسلم دفة الحكم بعد ذلك، الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين، الذي حاول إعادة بلاده إلى مصافّ القوى العظمى، عبر الانغراس في الساحة الدولية الذي كانت أولى نتائجه التوصل إلى اتفاق بشأن برنامج إيران النووي مع مجموعة الدول 5+1 على أساس تقليص البرنامج مقابل رفع العقوبات عن طهران في 24 تموز 2015، هذا من الناحية السياسية.

أما عسكرياً، فكان تدخّلها المباشر في 30 أيلول 2015 في سوريا وبنائها قاعدتين (جوية في اللاذقية وبحرية في طرطوس) للوصول إلى المياه الدافئة كي تكون منطلقاً لعملياتها في سوريا نفسها، وليبيا من خلال دعم فاغنر للمشير خليفة حفتر عام 2018، والسودان عبر سعي روسي إلى بناء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر، كما لعبت مجموعة فاغنر دوراً في السودان منذ عام 2019، حيث أشارت تقارير إلى أن فاغنر موجودة في مناطق محددة في السودان لحماية الموارد، وبالتحديد مناجم الذهب المربحة، كما كشفت تقارير أن قيادة فاغنر قريبة من قوات الدعم السريع، وتقوم بدعمها بالسلاح ضد قائد الجيش السوداني.

استطاعت روسيا عبر هذا التغلغل، منافسة كل من الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وفرنسا في أفريقيا، ولذلك قرر بوتين جر أوروبا إلى صفه عبر ضخ كميات غاز ضخمة وبأسعار منافسة، كما تدخّل في أوكرانيا في 24 شباط 2022، ظنّاً منه بأنه قادر على جلب حكومة موالية له إلى سدة الحكم في أوكرانيا عبر إزاحة فلوديمير زيلينيسكي الموالي للغرب، إلا أن ما حصل لم يكن في حسابات الكرملين، حيث إن المعركة في هذا البلد ما زالت مستمرة، وابتعدت الدول الأوروبية عن روسيا، وباتت أقرب إلى الولايات المتحدة وبريطانيا، وتم توسيع الناتو عبر ضم فنلندا (المحاذية لروسيا) وترشحت السويد للانضمام لهذا الحلف، كما ظهرت مساعٍ جديدة لضم أوكرانيا نفسها إلى الناتو، وهو ما قالت روسيا عنه بأن تحرّكها العسكري في هذا البلد جاء كردّة فعل على مساعي كييف للانضمام للناتو.

وساهم طول المعركة وتوسّع الناتو وارتفاع أعداد قتلى الجيش الروسي وفقدان الأراضي التي سيطر عليها من قبل، في إضعاف الموقف الروسي وحطّ من مكانتها العالمية، وهو ما ساهم في حصول خلافات كبيرة بين الجيش الروسي ومتزعم فاغنر، حيث اتهم بريغوجين الجيش الروسي بالتراخي وعدم إرسال الأسلحة الكافية إلى ساحة فاغنر.

ازدادت حدة خطاب متزعم فاغنر بعد ذلك، واتهم قيادة الجيش الروسي بشن هجمات صاروخية على قواته في أوكرانيا، وهو ما حدا بفاغنر إلى السيطرة على مدينة روستوف أون دون القريبة من الحدود الأوكرانية، وكذلك مدينة فورونزه على الطريق الواصل بين روستوف والعاصمة موسكو، والتي توجّه إليها ووصل إلى مشارفها، ولكن سرعان ما انسحب من أطراف موسكو ومن روستوف بعد وساطة رئيس بيلاروسيا، التي نتج عنها نفي بريغوجين إلى بيلاروسيا.

سيترك صراع مجموعة فاغنر مع بوتين آثاراً في الداخل والخارج الروسي، وسيشكل أسوأ أزمة يواجهها الرئيس الروسي في أكثر من عقدين قضاهما في السلطة، كما نستشف من هذا السرد التاريخي لأحداث الأسبوع الماضي، أن التاريخ ربما سيعيد نفسه في روسيا، ويبدأ عصر الانهيار كما حصل مع الاتحاد السوفييتي سابقاً.

(ل م)