انقلاب جديد أم حرب أهلية.. ماذا ينتظر السودان بعد صراع حميدتي والبرهان؟

يعيش السودان منذ أيام، لحظات عصيبة، بعد تصاعد التوتر والخلافات بين قوات الدعم السريع والجيش إلى مرحلة المواجهات العسكرية، فإلى أين تتجه التطورات؟

انقلاب جديد أم حرب أهلية.. ماذا ينتظر السودان بعد صراع حميدتي والبرهان؟
الأحد 16 نيسان, 2023   03:43
القاهرة – محسن المصري

شهدت المدن السودانية السبت، معارك طاحنة وكرّ وفرّ بالأسلحة الثقيلة، والدبابات، والطيران الحربي بين الجيش وقوات الدعم السريع في مدن العاصمة الخرطوم وبحري وأم درمان، وبعض ولايات البلاد الأخرى، بما في ذلك الفاشر ونيالا، وتم حرق طائرات وقتل 3 أشخاص في مدينة الأبيض، حاضرة ولاية كردفان ـ ولم تصدر إحصاءات رسمية عن الجانبين بحجم الخسائر المادية والبشرية.

ووفقاً لوسائل إعلام، فقد بدأت قوات الدعم السريع عمليتها العسكرية ضد الجيش منذ الساعة التاسعة صباح السبت، بالتوقيت المحلي، وذلك من مدينة مروي التي تقع على بعد 330 كيلومتراً شمال العاصمة الخرطوم.

ثم انتقل القتال إلى العاصمة ومدينة الأبيض ومنطقة دارفور، فيما لا تزال العاصمة تشهد معارك محتدمة، حيث تتركز الاشتباكات في عدد من النقاط الحساسة، وهي محيط القصر الجمهوري والقيادة العامة ومطار الخرطوم ومقر التلفزيون.

ووفقاً لما قاله قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، فإنه تفاجأ بهجوم قوات الدعم على منزله الساعة التاسعة صباحاً، وأن قوات الدعم السريع تحرشت بالجيش في منطقة المدينة الرياضية جنوب العاصمة الخرطوم، وهي التي انطلقت منها شرارة الاشتباكات الحالية.

وبحسب لجنة أطباء السودان، فقد أسفرت المواجهات عن سقوط 25 قتيلاً ومئات الجرحى.

وحسب مراقبين، فإن الأوضاع في السودان مرشحة لكثير من التطورات خلال الأيام المقبلة، خاصة في ظل الخلافات التي تحكم العلاقات بين البرهان وحميدتي منذ فترة طويلة.

بداية الدعم السريع

أكدت خبيرة الشؤون السودانية، فريدة البنداري، أن ما يحدث الآن "يكشف لنا الكذبة التي لم يصدقها كثيرون، وهي أن قوات الدعم السريع جزء من القوات المسلحة السودانية، وتأتمر لقائدها الأعلى لافتة إلى أنه لو كان هذا الأمر صحيحاً لما كنا نشهد بوادر الحرب الأهلية الآن".

وقالت لوكالتنا إن الدعم السريع ليس قوه ثورية تنفذ مطالب الشعب كما تحاول تصوير نفسها، بل مجرد "ميليشيا" لديها ترتيبات خارجية وطمع في السلطة، وتحركاتهم الآن نتيجة خلافات مع قائد الجيش على السلطة ليس حباً في الشعب كما يعتقد بعض السودانيين.

وأشارت إلى أن "البشير أول من استخدم تلك القوات التي انبثقت مما يُسمى ميليشيا الجنجويد المسلحة، التي قاتلت مطلع الألفية في الصراع في دارفور وارتكبت جرائم اغتصاب وقتل بغرب السودان".

وتابعت: "من وقت إنشاء قوات الدعم السريع 2013 وهي تتبع لهيئة العمليات بجهاز الأمن والمخابرات السوداني، ثم قرر البشير لاحقاً من خلال البرلمان بإجازة وضعها تحت إمرته باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة في 2017".

وبحسب الخبيرة، فإنه يمكن تفسير تفاقم المشكلة، حيث إنه "منذ استدعاء البشير لقوات الدعم السريع إلى الخرطوم 2019 للاستعانة بها في محاولة قمع الثوار، ومن يومها لم تغادر العاصمة بل عززت وجودها العسكري فيها"، مشيرة إلى أنه بعد الإطاحة بنظام البشير، وتولي القيادة العسكرية الحالية زمام السلطة أدخلت تلك القوات إلى حلبة الصراع على السلطة، وسعت للاستقواء بها في المواجهة مع المكون المدني.

ونوّهت إلى أن الكارثة الأكبر عندما تم إشراك قوات الدعم السريع كطرف في اتفاقية السلام التي وقّعت مع عدد من الحركات المسلحة عام 2020، حيث أسهمت في انفراط عقد الأمن في الخرطوم وظهور حركات مسلحة في مناطق لم يسبق لها أن أشهرت السلاح ضد الدولة.

حرب أهلية

ووفقاً للخبيرة ، فإن التطورات الأخيرة "ليست مصادفة بل أن النية كانت مبيتة لدى قوات الدعم السريع في شن الهجوم أو التحرش بالقوات المسلحة السودانية والدليل انه منذ نحو 3 أشهر، نقلت قوات الدعم السريع آلاف المقاتلين من ولايات دارفور إلى العاصمة الخرطوم، وقدّر عددهم بنحو 50 ألف مقاتل جرى نشرهم في كل مداخل ومخارج ولاية الخرطوم، كما عززت القوات وجودها بقطع حربية ثقيلة آخرها مدرعات وصلت الخرطوم من شمال دارفور، الأربعاء الماضي".

وتعتقد فريدة أن السودان أمام أزمة جديدة "فيه تحولت قوات الدعم السريع من قوات عسكرية تنتظر الدمج في الجيش السوداني إلى قوة متمردة تتعامل معها القوات المسلحة بالطائرات والمدرعات، وإثر ذلك تحولت العاصمة الخرطوم إلى ساحة قتال ضار بين أكبر قوتين عسكريتين في البلاد".

وترى خبيرة الشؤون السودانية أن السودان الآن يواجه بوادر حرب أهلية، لافتة أن هذا يمكن استنتاجه من تصريح قائد قوات الدعم السريع حميدتي حين قال "أن المعركة لن تتوقف حتى يسيطر على كل مقار الجيش وقواعده، متعهداً بملاحقة البرهان وتقديمه للعدالة، ومتهما إياه بتدمير السودان".

خلافات البرهان وحميدتي

وحول أسباب هذا التحول في العلاقة بين حميدتي والبرهان، أكدت خبيرة الشؤون السودانية، فريدة البنداري، أن "الخلافات بين الجنرالين ليست وليدة اللحظة بل يمكن القول إنه لم يكن بينهما توافق من الأساس والعلاقة بينهما كانت قائمة على المصلحة فقط، فهم ليسوا شركاء في الوطن بل شركاء مصلحة".

وذكرت أن الخلافات بينهم حول النفوذ والسلطة، بدأت تتصاعد منذ عام2021 وكادت أن تتحوّل إلى معارك بين الطرفين، لكن وساطة رئيس الوزراء حينها عبد الله حمدوك، وقتها نزعت فتيل الأزمة.

كما شهد الربع الأخير من العام الماضي، خلاف جديد بين الطرفين بعد إعلان حميدتي وبشكل منفرد تأييده لمشروع دستور انتقالي أعدته نقابة المحامين السودانيين ينص على إبعاد المؤسسة العسكرية عن الحكم، ودمج كل القوات الأخرى في الجيش السوداني، في عملية إصلاح أمني وعسكري شامل، تنتهي بقيام جيش مهني واحد وبعقيدة عسكرية واحدة.

وتحدثت خبيرة الشؤون السودانية عن دور المجموعات الموالية لنظام الرئيس المعزول عمر البشير في تعميق الأزمة من خلال شن حملات إعلامية تحريضية ضد قوات الدعم، لدفع الجيش للاصطدام بها، لا سيما بعد تأكيد حميدتي دعم عملية الانتقال المدني الديمقراطي، التي ستأتي بخصومهم في الحرية والتغيير للسلطة مجدداً.

وتوقعت فريدة البنداري أن يشهد السودان معارك طاحنة سيطيل أمدها أياماً؛ "لأنها حرب مدن يصعب حسمها بالطائرات والأسلحة الثقيلة وستوقع ضحايا من المدنيين؛ لأن غالبية المواقع العسكرية وسط الأحياء السكنية واستخدام أسلحة ثقيلة وطيران سيزيد من عدد الضحايا".

(ي ح)

ANHA