مساران عربي وتركي باتجاه دمشق فما هي النتائج المتوقعة؟

يتواصل الحديث عن مسار التقارب بين دمشق والاحتلال التركي، فما بين الإعلان عن الاجتماعات وتأجيلها، ينظر السوريون بقلق إلى هذه اللقاءات المتكررة، وفي المقلب الآخر يتقدم مسار التطبيع العربي مع دمشق بسرعة أكبر. فكيف تتقدم هذه المسارات؟ وما هي نتائجها المتوقعة؟

مساران عربي وتركي باتجاه دمشق فما هي النتائج المتوقعة؟
السبت 15 نيسان, 2023   00:25
مركز الأخبار- يحيى الحبيب

على الرغم من الدفع الروسي باتجاه تحقيق تقدم في مسار التقارب بين حكومة دمشق والاحتلال التركي إلا أن هذا المسار يشوبه نوعاً من الغموض، حيث تم تأجيل الاجتماع بين وزراء خارجية الطرفين لعدة مرات بعد أن يتم تحديده مسبقاً.

وفي 4 نيسان، عُقد في العاصمة الروسية موسكو، اجتماع رباعي ضم نواب وزراء خارجية كل من روسيا وإيران والاحتلال التركي وحكومة دمشق، واتفق المشاركون على استمرار المشاورات بشأن سوريا.

وفي 9 نيسان، أعلن مندوب الرئيس الروسي الخاص في سوريا، ألكسندر يفيموف، تأجيل موعد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجية تركيا وروسيا وإيران والنظام السوري، إلى شهر أيار المقبل، وسط أنباء عن تواصل الخلافات حول جدول أعمال الاجتماع المقترح.

وتقول دمشق إنها تشترط على تركيا سحب قواتها من كافة الأراضي السورية، وإنها تريد ضمانات لتحقيق ذلك، إلا أن مصادر روسية قللت خلال حديثها لصحيفة الشرق الأوسط، من قيمة ذلك، واعتبرت تصريحات مسؤولي دمشق للاستهلاك الداخلي.

وغلب خلال السنوات الماضية على لقاءات هذه الأطراف ومنذ انطلاق مسار أستانا طابع المقايضة والصفقات، حيث تقاسموا الأراضي السورية، فسلمت تركيا معظم المناطق إلى حكومة دمشق وروسيا في المقابل احتلت تركيا مناطق سورية عديدة وهجّرت أهلها.

رغم الجدل.. مصالح تدفع نظامي دمشق وأنقرة للتوافق

/ar/uploads/files/2023/04/14/175720_ghyath.webp

المعارض السوري ورئيس تيار اليسار الثوري في سوريا، غياث نعيسة، تحدث لوكالتنا حول ذلك بالقول: "لا أعتقد بوجود غموض كبير في مسار التقارب بين أنقرة ودمشق. على العكس من ذلك، أرى أن هذا المسار بين النظامين السوري والتركي قد ترسخ، وتمت خلال السنوات، وخاصة الأشهر الأخيرة ترسيخه، وترسيخ تفاهمات فيما بينهما والأغلب أن اجتماعاً على مستوى رئاسة النظامين، سيتم عقب الانتخابات التركية، في حال نجح أردوغان فيها، ليتوج اتفاقات النظامين على أعلى مستوى".

وأضاف: "للنظامين مصلحة كبيرة في تطبيع علاقاتهما، بالنسبة لتركيا أرجح أنها جادة في ذلك، فهذا يزيل عنها عبء اللاجئين ويزيل عن كاهلها مجموعات المرتزقة المنفلتة من عقالها، ويفتح سوقاً هاماً للاقتصاد التركي المأزوم، ويعطي لتركيا حصة كبيرة في إعادة الإعمار ونفوذ مهم في سوريا القادمة، والأهم من هذا وذاك، فإن لتركيا كابوس لم تتخلص منه بعدُ، هو الشعب الكردي وحقوقه وهو موضوع داخلي مركزي لديها، فاتفاقها مع النظام في دمشق قد يوحد جهودهما لمحاولة إجهاض مشروع الادارة الذاتية التي تشكل نموذجا تحررياً، يثير رعب النظامين".

أنقرة لن تتخلى عن أطماعها

من أكثر النقاط التي يجري التركيز عليها خلال الحديث عن مسار التطبيع بين دمشق والاحتلال التركي موضوع الوجود التركي في الأراضي السورية، والتي أقامت خلال السنوات الماضية مئات النقاط والقواعد العسكرية، بالإضافة لاحتلالها مناطق سورية واسعة، فهل باتت تركيا جاهزة للتخلي عن أطماعها؟

غياث نعيسة، يجيب عن ذلك، بالقول: "التقارب بين النظامين في أنقرة ودمشق، لا يعني أبداً تخلي نظام أردوغان عن أطماعه في سوريا، بل يعني إضفاء (طابع قانوني) على هذه الأطماع برضى النظام الحاكم في دمشق نفسه. إنها صفقة بين النظامين، تنازلات هنا ومكاسب هناك، وبكل الأحوال ستكون على حساب الشعب السوري وسيادته على أرضه وقراره".

تطبيع عربي مع دمشق تأثر بالمتغيرات الدولية

بالتزامن مع هذا المسار، هناك مسار آخر انطلق، وهو التقارب العربي مع حكومة دمشق والذي بدأ بالإمارات وامتد إلى معظم الدول العربية باستثناء قطر والمغرب.

وتبادلت كل من دمشق ومصر زيارات وزراء الخارجية وخلال اليومين الماضين، عقد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان جلسة مباحثات مع وزير حكومة دمشق فيصل المقداد في جدة، وصدر بيان مشترك أكد أن المباحثات ناقشت تحقيق تسوية بسوريا لعودتها لمحيطها العربي، وكذلك سبل إيجاد حل سياسي يحافظ على وحدة سوريا.

ويبحث وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى مصر والأردن والعراق، عودة دمشق إلى الجامعة العربية، في اجتماع في المملكة العربية السعودية، الجمعة، حسبما أفاد المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، إلا أن دولاً عديدة من بينها قطر والمغرب والكويت ترفض حالياً ذلك.

نعيسة أوضح أن: "التطبيع الجاري بين الدول العربية مع نظام دمشق، يمكننا فهمه في إطار التحولات العنيفة في النظام العالمي المأزوم والذي انفجر عسكرياً في الحرب الاوكرانية. هذا التفكك في النظام العالمي القديم بقيادة الولايات المتحدة يجد انعكاساً وتبعات له على الصعيد الإقليمي، حيث حازت الدول الإقليمية على هامش أكبر من الاستقلالية عما كانت عليه سابقاً. والنظام الإقليمي العربي، يعمل على استعادة توازنه من خلال وقف الاحتجاجات والثورات لصالح أنظمة الحكم والدول القائمة".

وأضاف في هذا السياق: "تعمل الدول العربية الإقليمية، على تعزيز الأنظمة الحاكمة وإجهاض أي مشروع تحرري قائم، ومنع تكرار حدوث ما جرى من سيرورات ثورية خلال العقد الماضي، أي تعزيز دور أنظمة الحكم في مواجهة التطلعات التحررية لشعوب المنطقة، وبالتالي فإن تطبيعهم مع نظام دمشق، رغم بقاء خلافات بعضهم معه، يأخذ لديهم أولوية على ما عداه، إضافة إلى اليمن والسودان وليبيا".

نقاشات مصرية – تركية.. تنسيق أم تنافس عربي – تركي في سوريا

على الرغم من أن بعض المراقبين تحدثوا عن أن هدف الدول العربية من ذلك هو منافسة النفوذين التركي والإيراني في سوريا، إلا أن هذه الدول ذاتها اتجهت خلال الفترة الماضية إلى حل خلافتها مع أنقرة وطهران.

وأجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري، يوم الخميس 13 نيسان، زيارة رسمية إلى تركيا، وأشار نعيسة إلى أن "التقارب التركي -المصري له بالتأكيد علاقة بمسار التطبيع مع النظام السوري، ولكن له أيضاً دوافعه الإقليمية. وتسوية النزاع فيما بينهما على صعيد الاستثمار النفطي في البحر وفي ليبيا، إن الدول الإقليمية في منطقتنا تعمل على ضوء تضعضع النظام العالمي، على تسوية نزاعاتها بانتظار أن يتجلى بشكل أوضح ملامح النظام العالمي الجديد الذي سينتج عن الحرب الأوكرانية.

ونوّه نعيسة إلى أنه: "من المؤكد أن هناك نوع من التنافس بين المسارين العربي والتركي تجاه سوريا، وحتى الآن يبدو أن لتركيا والإمارات نصيب أكبر لدى النظام السوري ولكن الوقائع دوماً متغيرة وأحياناً تكون سريعة التغير".

بالإضافة إلى العوامل الخارجية هناك تأثير لهذه التقاربات على الداخل السوري، حيث ترى حكومة دمشق أن هذه المتغيرات هي ترجمة لانتصار سياسي وعسكري حققته، ما سيشجعها غالباً على عدم الالتفات للاستحقاقات الداخلية ومحاورة القوى الوطنية السورية وعلى رأسها الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وستتمسك بنفس الذهنية الاستعلائية والإقصائية وعدم الاعتراف بوجود أي شركاء في الوطن.

ووصف الرئيس المشترك لدائرة العلاقات الخارجية بدران جيا كرد خلال حديث سابق هذه الاجتماعات بأنها: "مضيعة للوقت ورهان خاسر على عامل الوقت؛ لكسب المزيد من النفوذ والسلطة"، وأكد أنه: "لا يمكن لمثل هذه الاجتماعات المشبوهة أن تأتي بحلّ سياسي يضمن حقوق جميع السوريين بل ستزيد من تعقيد الواقع الموجود، وسيكون سبباً وتجذيراً للأزمة في ظل الدور التخريبي والسلبي الذي لعبته تركيا تجاه سوريا منذ عقد من الزمن".

وأصبحت بلادنا مرتعاً لجيوش محتلة

نعيسة تحدث حول ذلك بالقول: "يقدم نظام الطغمة في دمشق نفسه وكأنه انتصر، ولكن حقيقة الواقع ليست كذلك تماماً، فقد ضعف إلى حد كبير، وانهار الاقتصاد، وأفقر الشعب وشرده وتمزقت البلاد، وأصبحت بلادنا مرتعاً لجيوش محتلة، إذا كان هذا يسمى انتصاراً، فإنه أبشع من أبشع الهزائم".

وأضاف: "لا مفر للنظام من التفاهم والتفاوض مع الادارة الذاتية وما تمثله من تعبير وطني واسع للديمقراطيين ولمطالب السوريين المحقة بالعدل والمساواة والكرامة. بخلاف ذلك، فإن النظام بتعنته سيؤدي ببلادنا إلى أن تكون مسرحاً لحرب أهلية طويلة أكثر دموية، ومدمرة لما تبقى من سوريا والسوريين ولن تبقي على شيء ومنها بقائه هو نفسه".

وأكد نعيسة: "لم يتبقَ للشعب السوري كمصدر إلهام لمستقبل أفضل سوى الإدارة الذاتية الديمقراطية، ما يعني ضرورة الالتفاف حولها ومعها في نضال السوريين من أجل السلام وإقامة نظام ديمقراطي لا مركزي وتحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية. هذا هو مشروعنا الوطني للشعب السوري برمته".

(أ ب)

ANHA