في ذكرى اختطاف المفكر السياسي عبد الله أوجلان - إلهامي المليجي

في ذكرى اختطاف المفكر السياسي عبد الله أوجلان - إلهامي المليجي
الإثنين 6 شباط, 2023   21:44

لماذا اتفق المختلفون على تغييبه؟    

كان صيداً ثميناً، يحتاج إلى فخ معقد، فخ تعمل عليه عدة قوى خفية، نجحت في اصطياده وهو الأعزل بين المطارات، وتم تسليمه كهدية نادرة إلى تركيا، ذات الهوية المخلوطة، أوروبياً وآسيوياً، اللاعب الوظيفي الذي يقدم السبت والأحد، وكل أيام الأسبوع، وحان وقت رد الجميل، وأي جميل؟

فمنذ ما يقرب من ربع قرن تحت جنح ظلام ليلة ممطرة، جرت مؤامرة مكتملة الأركان عبر عملية استخباراتية معقدة، شاركت فيها أجهزة مخابرات إقليمية وغربية وبمشاركة فعالة من جهازي، السي آي إيه الأميركي، والموساد الإسرائيلي، جرى اختطاف القائد والمناضل الكردي، عبد الله أوجلان؛ لصالح أجهزة الأمن التركية.

كانت هذه الأجهزة تتحين الفرصة لاصطياده، ولو عبر آخرين، وفور أن تسلمته وضعته في سجن في جزيرة إمرالي في بحر إيجه، وسط حراسة مشددة، ومنذ ذلك التاريخ وعلى مدى 24 عاماً، تمارس سلطات الأمن التركية بحقه أبشع أنواع الانتهاكات الجسدية والنفسية، وتفرض عليه عزلة تامة عن العالم الخارجي؛ بهدف إضعاف عزيمته وكسر إرادته.

 لكن الرجل مناضل لا يلين، يملك الإرادة الصلبة والوعي العميق، فحوّل جدران المعتقل إلى مركز إشعاع؛ يبث فكر وفلسفة الأمة الديمقراطية إلى الأحرار في كل بقاع الأرض.

السؤال الكبير، لماذا اجتمعت حكومات كل من الولايات المتحدة، وروسيا، واليونان، وتركيا، وإيطاليا، وكينيا، والكيان الصهيوني على الرغم ما بينها من خلافات؛ للإيقاع بشخص أعزل سوى من إيمان راسخ بحق شعبه في العيش بكامل حريته على أرضه، ومن فكر خلاق ومتجدد لصالح شعبه ومنطقته؟

للبحث في الإجابة عن هذا السؤال علينا البحث في سيرة الشخص المستهدف وفكره.

ولد عبد الله أوجلان عام ١٩٤٩ في بلدة تقع جنوب شرقي تركيا (شمال كردستان) على مقربة من الحدود السورية.

تلقى التعليم الابتدائي في قرية أرمنية على مقربة من قريته وعلى ما يبدو أن سكانها الأصليين (من الأرمن) تركوها أو كانوا ضمن من تعرضوا للمذابح من قبل النظام التركي.

كان الأرمن قد انتهوا وكذلك العرب وأصبح الكرد تحت وطأة القهر، عندما كان في المرحلة الإعدادية وقع انقلاب ١٩٦٠ العسكري، والذي أدى إلى إعدام عدنان مندريس، رئيس وزراء تركيا، وبعض معاونيه، وشكلت واقعة الانقلاب وتبعاتها منعطفاً خطيراً في حياة الشاب عبد الله، فقد اعتقد أن الجيش هو مصدر القوة فتطلع للالتحاق بالجيش، ولكنه أدرك أن قوميته الكردية تحول دون تطلعاته باحتلال موقع قيادي عسكري؛ فغير مساره إلى دراسة العلوم السياسية.

وعام ١٩٦٨ تنازعته الأفكار المختلفة مثل، الإسلام السياسي واليسار، وانحاز بعدها للفكر اليساري وكحال كثير من اليساريين تعرض لاعتقال فترة تجاوزت الأشهر السبعة.

عام ١٩٧٣ أسس مجموعة مستقلة عن اليسار التركي، كانت تضم في معظمها شباب اليسار المتمرد، وعام ١٩٧٨ أقدم على تأسيس حزب العمال الكردستاني في الفترة من ١٩٧٩ إلى ١٩٩٩ انصبت جهوده على بناء أيديولوجية منفصلة، ورؤى مستقبلية لقضية شعبه وتعزيز حزبه، وركز على بناء وتطوير الجناح العسكري للحزب، وبعد تنامي قدرات الحزب، بدأ صراعاً مسلحاً ضد الجيش التركي، فلجأت السلطات التركية إلى تأليب الأحزاب اليمينية من تيار الإسلام السياسي ضد الحزب باعتباره ملحداً.

قدم للمكتبة الكردية ما يقرب من ٨ مؤلفات في مجال الفلسفة والسياسة والفكر في مقدمها، مانيفستو الحضارة الديمقراطية (خمسة مجلدات)، المجلد الخامس والذي يمكن اعتباره عمدة المانيفستو، فقد تناول القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية (دفاعاً عن الكرد المحصورين بين فكي الإبادة الثقافية)، وقدم من خلاله ما يمكن اعتباره أحد الحلول النموذجية؛ للقضية الكردية بل ولشعوب المنطقة.

وهكذا نرى، كيف أن سيرة عبد الله أوجلان من الغنى بحيث إنها تنبئ عن مناضل ومفكر من نسيج خاص.

إذاً المؤامرة، استهدفت شخص القائد والمفكر الأممي عبد الله أوجلان في محاولة؛ لضرب أفكاره الهادفة لتحرير الإنسان الكردي لنيل حقوقه المشروعة والساعية لعيش شعوب منطقة الشرق الأوسط في أمن وإخاء وسلام ووئام، بما تتضمنه من حلول جذرية للأزمات التي تعصف بالمنطقة منذ مئات السنين، وتسهم في توفير فرص العيش الكريم لجميع شعوب المنطقة.

إن السلطات التركية تفرض عزلة تامة على القائد عبد الله أوجلان على مدار ما يقرب من ربع قرن، ويرفض النظام التركي مناقشة فكرة إطلاق سراحه طبقاً؛ للقوانين والأعراف، لأنه يخشى إطلاق سراحه إدراكاً منه بأن فكره وفلسفته يمثلان خطراً وجودياً على مشروع العثمانية الجديدة التوسعي الاستعماري الذي يستهدف الهيمنة على المنطقة.

ما يتطلب أن تهب الشعوب التواقة للحرية والمحبة للسلام والعيش المشترك؛ لفضح ممارسات النظام التركي بحق المفكر الأممي، وكشف نفاق الأنظمة الغربية والمنظمات الدولية الخاضعة لها والذي يتجلى بوضوح في صمتها عن العزلة المجحفة التي يفرضها النظام التركي على القائد أوجلان.

ومن اللافت استمرار تواطؤ  العديد من الأنظمة الأوروبية والإقليمية والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وصمتها الممنهج تجاه فرض العزلة على  القائد الأممي أوجلان؛ لخشيتها من فكره الذي يقدم؛ الحل الأمثل للقضية الكردية ولشعوب منطقة الشرق الأوسط  من خلال مشروع الأمة الديمقراطية الذي يستهدف دمقرطة المنطقة، بما يتيح العيش بسلام لمكونات المنطقة من عرب وكرد وأرمن وآشور وسريان وشيشان وشركس وغيرهم  في مناخ من الحرية، يضمن لهم ممارسة معتقداتها الدينية واحترام مورثاتها الثقافية، ولقد تجلى ذلك بوضوح في تطبيق تجربة الإدارة الذاتية في مناطق شمال وشرق سوريا.

لعل ضمير الغرب، الحقوقي جداً، يستفيق! ويطالب بالإفراج عن مفكر سياسي، كل قضيته أنه يريد الحرية لشعبه المغبون بين صراعات قوى دولية، لا تهتم إلا مصالحها المنافية لحقوق الإنسان.