أسرة حرسان.. قصة أسرة وطنيّة من ثورة روج آفا

قدّمت أسرة حرسان تضحياتٍ كبيرة في ثورة روج آفا. فقد نشطت الأسرة ضمن الثورة منذ انطلاقتها واستشهد في سبيلها ابناها التوأم، هارون وأحمد.

أسرة حرسان.. قصة أسرة وطنيّة من ثورة روج آفا
الجمعة 27 كانون الثاني, 2023   22:44
قامشلو – اردال نومان

تعيش أسرة حرسان المكوّنة من 10 أولاد (7 أبناء و3 بنات) في قرية كر صور في قامشلو. وقد تعرّف راكان حرسان على حزب العمال الكردستاني والقائد عبد الله أوجلان خلال ثمانينيات القرن الماضي وهذا ما عزّز من وعيه الوطني.

خلال الاحتجاجات التي اندلعت في درعا عام 2011، كان 3 من أبناء الأسرة يعملون في باشور (جنوب كردستان) فيما كان أحد أبنائها يؤدّي الخدمة الإلزامية في الجيش السوري.

مع الخطوات الأولى لثورة روج آفا والتي اُتّخذت عام 2011 بقيادة الشهيد خبات ديرك، تواصل الأب راكان مع أبنائه في باشور كردستان عبر الهاتف وأخبرهم بانطلاق الثورة في روج آفا وطالبهم بالعودة للانخراط فيها. وبعد عودة أبنائه الثلاثة من باشور انشقّ ابنه العسكري عن الجيش وانضمّ إلى صفوف الثورة. فقد انضمّ راكان وأربعةً من أبنائه أولاً إلى وحدات الحماية الشعبية (YXK) ثمّ إلى وحدات حماية الشعب (YPG)، فيما أراد التوأم هارون وأحمد أيضاً الانضمام لكنّهما لم يتمكّنا من ذلك آنذاك نظراً لصغر سنّهما. 

وقد شهد هارون لأعوام مشاركة والده وإخوته في الاشتباكات والمعارك وإصابتهم فيها. وكانت معاملة والده وأشقائه لبعضهم البعض وفقاً لمعايير الرفاقيّة بدلاً من التسلسل الهرمي للأسرة من أكثر الأمور التي تأثّر بها وأثارت إعجابه، فشقيقه الكبير جانو هو قائد والده راكان في الوحدات وهذا ما أدّى إلى حدوث مواقف طريفة داخل الأسرة.

وقد تأثّر هارون بأجواء المقاومة المستمرّة منذ سنوات والتزام أسرته بالنضال وكنتيجةٍ لذلك، انضمّ إلى صفوف وحدات حماية الشعب عام 2015.

وكانت هذه الأسرة قد قرّرت أن يتواجد اثنان من أبنائها في ساحة المعركة دائماً، وكان هذا التحدّي الأكبر بالنسبة لهارون، لأنّه الأصغر بين إخوته ولا يمتلك خبرةً بقدر باقي إخوته، وبالتالي لا يمكنه المشاركة في المعارك والحملات وهذا أحبط معنوياته. ولأنّ هارون انضمّ إلى صفوف وحدات حماية الشعب، فبإمكان شقيقه التوأم أحمد زيارته لكنّه لا يستطيع الانضمام هو أيضاً نظراً لأنّه شقيقه التوأم ولأنّ هناك 5 من أفراد الأسرة في صفوف وحدات حماية الشعب، وهذا ما أصبح تحدّياً ومشكلة أخرى للتوائم، فهما لم يفترقا منذ ولادتهما وكان ابتعادهما عن بعضيهما أوّل تضحياتهما في سبيل الثورة.

غيّر هارون اسمه في صفوف وحدات حماية الشعب ليتّخذ من اسم هوزان قامشلو اسماً حركيّاً له، وهو الاسم الذي اعتادت أسرته على تسميته به بعد ذلك.

استشهد في معركةٍ ضدّ مرتزقة داعش

في غضون بضعة أشهر وبعد اكتساب هارون بعض الخبرة العسكريّة، انضم للحملات العسكريّة التي أطلقت ضد مرتزقة داعش بإصرارٍ منه. فبعد تحرير كوباني، وجد الفرصة للمشاركة في حملة تحرير منبج، ولكنّه مع ذلك كان حزيناً على عدم تمكّنه من المشاركة في حملة كوباني ولأن إخوته فقط من كانوا قد شاركوا فيها.

في ذلك الوقت، كان شقيقه جانو قد أُصيب للمرّة الثالثة، إذ تعرّض لرصاصةٍ في صدره وعلى قرب سنتمتر واحدٍ من قلبه. وأوضح الأطباء أنّ هذه معجزة لأنّ قلبه قد انقبض عند اختراق الرصاصة لصدره. وبإصابة جانو، اعتبر هارون هذه الحادثة المؤسفة والحزينة فرصة ليشارك في حملة منبج.

وخلال الحملة أُصيب برصاصةٍ من رصاصات مرتزقة داعش نُقل على إثرها من قبل رفاقه إلى مستشفى كوباني لكنّ حالته كانت حرجة وفشلت جميع محاولات إنقاذه فاستشهد بتاريخ الـ7 من تموز 2016.

آنذاك شعر شقيقه التوأم، أحمد بإنّ مكروهاً ما قد أصاب شقيقه فلم يغمض له جفن، وأخبر أخاه جانو ووالدته بأنّه يشعر بأنّ شيئاً ما قد أصاب شقيقه. فنظراً لكونهما توأمان كان أحدهما يشعر بأي مكروهٍ يتعرّض له الآخر. وشيئاً فشيئاً بدأ ألم أحمد بالازدياد وتدهورت حالته الصحيّة وأصابه المرض. ولم تنفع لا كلمات الأسرة ولا كلّ المحاولات التي قام بها أفرادها لتحفيزه ومساعدته على الشفاء، وكانت والدة التوأم تعلم أنّ مشاعر ابنها أحمد صحيحة لذا استعدّت لأسوأ الأخبار. ووجود زوجها وأبنائها أيضاً في ساحات الحرب، كان يجعلها فخورةً من جهة ومستعدّة لتلقّي أي خبرٍ صادم وحزين من جهةٍ أخرى وذلك نتيجةً لورود أنباء عديدة عن استشهاد المقاتلين.

عقب استشهاد هارون، لم يعد أحمد قادراً على النوم كالسابق وتدهورت حالته الصحيّة. فحقيقة أنّ توأمه لم يعد على قيد الحياة أحزنته جدّاً. ونتيجةً لمرضه هذا عرضته أسرته على عددٍ من الأطباء لكنّهم فشلوا في تشخيص المرض. 

'أشعر بالفراغ بعد رحيل هارون'

لم يكن أحمد مرتاحاً لا في المنزل ولا خارجه، فلا يمكن لشيء ملء الفراغ الكبير في حياته. وفكّر لأسابيع فيما سيفعله وفي كيفية البقاء مرتبطاً بشقيقه. بعد ذلك وجد الإجابة على سؤاله، وأخبر أسرته بقراره عندما كان جميع أفرادها في المنزل.

"أشعر بالفراغ بعد رحيل هارون، لقد ضحّى بروحه في هذا النضال من أجلنا ومن أجل أجيال المستقبل، لذا سأسير على خطاه"، قال هذه الكلمات لأسرته وقد تقبّل أفراد الأسرة هذا الأمر لأنّهم يدركون أنّه لن يتمكّن من العيش بأي طريقةٍ أخرى.

غيّر أحمد اسمه إلى هوزان قامشلو وأصبح مقاتلاً ضمن وحدات حماية الشعب سائراً بذلك على خُطا توأمه هارون.

بعد أشهر وفي أحد الأيام، عاد أحمد إلى منزله فجأة لتجد الأم نوروز أنّ ابنها قد شُفي من مرضه، فتغمرها سعادة عارمة.

شارك أحمد في اغلب حملات قوات سوريا الديمقراطية التي حررت مناطق عدة في شمال وشرق سوريا، في البداية كانت الرغبة في الانتقام في مقدّمة أولوياته، لكنّه فهم معنى الثورة شيئاً فشيئاً وحوّل رغبته في الانتقام إلى شغفٍ ثوري وإلى جانب هذا التحوّل تغيّرت نظرته إلى الأمور. 

بعد استشهاد ابنه، انخرط راكان في أعمال مجلس عوائل الشهداء، فيما كان جميع أبنائه حتّى الأصغر منهم منخرطون في العمل العسكري. وفي شهر كانون الثاني عام 2019 فارق راكان الحياة إثر أزمةٍ قلبيٍة تعرّض لها، تاركاً خلفه أسرةً وطنيّة يُقتدى بها.

بقي في عزاء والده لنصف ساعةٍ فقط

كان أحمد ينتقل من جبهةٍ إلى أخرى بلا توقّف، وعند سماعه نبأ وفاة والده، كان يشارك في حملة دير الزور، لذا حضر العزاء لحوالي نصف ساعة فحسب وعاد إلى الجبهة سريعاً.

وهكذا مضت السنوات سنةً تلوَ الأخرى، وأصبح أحمد يواصل عمله الثوريّ بصفته قياديّاً. وفي الـ 23 من تشرين الأول عام 2021 توجّه مع اثنين من رفاقه إلى كوباني، وأثناء عودتهم من هناك تعرّضت سيّارتهم لهجومٍ جويّ بطائرة مسيّرة، بعد أن قام عميلٌ من عملاء أجهزة الاستخبارات التركية بتقديم معلوماتٍ عنهم وعن حركتهم، مما أسفر عن استشهاده مع اثنين من رفاقه.

والدة الشهيدين التوأم: أنا فخورة بهما

هذه كانت المعلومات التي جمعناها عن الأسرة وابنيها الشهيدين، لكنّ المقابلات التي أجريناها مع أفراد الأسرة ولاسيما الأم كانت صعبة جداً، فقد بدأت الأم نوروز عقب استشهاد ابنيها بنسيان كل شيء. وكأنّها نسيت ذكريات طفولة ابنيها لتتناسى ألمها. يحاول عكيد وهو أكبر أبنائها سرد الأحداث لها علّها تتذكّر وبهذا أدركنا كم أنّ وجع هذه الأم كبير وعميق، وأنّها اختارت النسيان بنفسها لئلّا تزداد حزناً مع كلّ ذكرى تتذكرها.

ولهذا تحدّثنا في مقابلتنا أولاً مع شقيقهما عكيد حرسان الذي كان من المقاتلين الأوائل في صفوف الثورة. وخلال محادثةٍ لنا قبل بدء التصوير، أخبرنا عكيد إنّ ابنه الأكبر قد نشأ وتربّى بدونه لأنه كان منخرطاً في أعمال الثورة. وذكر أنّهم تربّوا على أفكار حزب العمال الكردستاني، وأنّ أكثر ما أثار إعجابهم وأثّر فيهم هو أقوال الحزب وأفعاله المتطابقة، "إذ يفعلون ما يقولون".

في البداية كان خمسة من أفراد العائلة منضمون إلى صفوف وحدات حماية الشعب YPG بمن فيهم الأب. وأشار إلى شقيقيه التوأم هارون وأحمد قائلاً: "قربهما كان وكأنهما يعيشان في جسدٍ واحد"، وذكر أنهما كانا محبوبين جداً أولاً لأنهما توأم وثانياً لأنّهما لعبا دوراً في انضمام العديد من الأشخاص لوحدات حماية الشعب.

وكشف أنّه وبعد استشهاد هارون أراد أحمد التخلّي عن الحياة الفرديّة والانضمام إلى مقاتلي قوات الدفاع الشعبي، وأشار عكيد أيضاً إلى أنّهم يعتبرون أنفسهم مجتمعاً من الرفاق أكثر من كونهم أسرة واحدة وأكّد على أنّه ورغم حزنهم لاستشهاد التوأم إلّا أنّهم يعتبرون استشهادهما في هذا الدرب الذي يمثّل الكرامة أمراً مقدّساً.

وقالت والدة الشهيدَين التوأم إنّ بناتها قد ساعدنها في العناية بهما لذا كانا متعلّقَين بشقيقاتهنّ جداً وتربطهما بهنّ روابط عاطفية متينة. وأشارت إلى أنّهما ساعداها جدّاً في أعمال المنزل عندما كبرا، وأنّهما كانا طيبان جدّاً. وذكرت أنّهما درسا معاً وكانا متعلّقان ببعضيهما جدّاً وأنّه عند مرض أحدهما كان الآخر أيضاً يتأثّر بهذا المرض، وحتّى أثناء النوم كانا بإمكانهما الحديث معاً.

وذكرت الأم نوروز أنّها ليست نادمةً أبداً على سير ابنيها التوأم نحو الشهادة في سبيل تحقيق هذا الهدف، بل فخورة بهما ولفتت إلى أنّ جهود أبنائها ستتوّج بالانتصار عند تحرير كردستان.

وأوضح الشقيق الآخر للتوأم، جانكين (جانو) أنّه في حال ابتعاد أحدهما عن الآخر كانا يشعرا بالضيق ولم يكونا قادرين على العيش بدون بعضهما. وأشار أيضاً إلى أّنهما كان محبوبين جدّاً في محيطهما وأنّ رفاقهما ما زالوا يزورون الأسرة حتّى بعد استشهادهما.

وذكر جانكين أنّ الشهيد هارون قد انضمّ إلى صفوف الوحدات برغبةٍ منه، وبعد استشهاده أخبر أحمد أهله برغبته بالانضمام هو أيضاً وبهذا ابتعد عن الحياة الفرديّة والعائليّة وسار على خطا الشهداء.

وأوضحت الشقيقة الكبرى للشقيقين التوأم أحمد وهارون، أفين أنّها ساعدت والدتها في العناية بهارون لأنّ منزلهم كان مزدحماً. وذكرت أنّه عندما كان أحدهما يقاتل على الجبهات، كان الآخر يشعر بألمه رغم أنّه لم يكن برفقته. كما أشارت أفين إلى أنّ الروابط العاطفية بينها وبين هارون كانت قويّة جدّاً وأنّه كان يزورها كلّما أُتيحت له الفرصة. وأكّدت على أنّها سعيدة بانخراط أشقائها في الثورة وفخورة بهم.

هذا وكشف الشقيق الآخر للتوأم، هارون وأحمد أنّهما وُلدا عام 1998 وأنّ طفولتهما كانت نشطةً للغاية، وأشار إلى محاولتهما تحمّل المسؤوليّة عند انطلاق ثورة روج آفا. وأوضح جوان أنّه عند استشهاد هارون شعر توأمه أحمد بهذا وعانى وتألّم من ذلك، ثمّ أدّى العهد وانضمّ لوحدات حماية الشعب واستشهد في الـ 23 من كانون الأوّل عام 2021. ولفت جوان إلى أنّهم استقبلوا خبر الاستشهاد الأوّل بالزغاريد وأنّهم فخورون بشهيديهم.

وذكر أنّهم استقبلوا خبر الاستشهاد الثاني أيضاً بالشكل ذاته واختتم حديثه مؤكّداً على أنّهم سيسيرون على هذا الدرب، معتبرا إياه الصحيح "حتّى الشهادة ولو بقي شخص واحد فقط من الأسرة".

(ر)

ANHA