كوباني بعد 8 أعوام على الانتصار التاريخي

في الساعة 02:50 يوم 26 كانون الثاني عام 2015، طرد مقاتلو ومقاتلات وحدات حماية الشعب والمرأة، آخر مرتزق داعشي من شوارع وأحياء مدينة كوباني، عقب معارك طاحنة، استمرت 134 يوماً؛ لتبدأ المدينة نفض غبار الحرب عن نفسها.

كوباني بعد 8 أعوام على الانتصار التاريخي
الخميس 26 كانون الثاني, 2023   20:31
كوباني ـ جمعة محمد

فور الإعلان عن طرد داعش منها، سارع السكان للعودة إلى المدينة التي كانت بوجه مختلف عما كانت عليه في آخر مرة شاهدوها فيه.

الدمار والخراب في كل مكان، ومبانٍ كثيرة تحولت إلى أكوامٍ من الأنقاض، لقد تحررت المدينة لكنها دمّرت بشكل شبه كامل.

هذا الأمر لم يكن النتاج الوحيد، فالمقاومة التي أبداها أبناء المدينة آلاف الشهداء الذين فدوا بأرواحهم من أجل النصر، أحدثت صخباً عالمياً، وكانت المرة الأولى التي يستمع فيها العالم أجمع للصوت الكردي وينظر بعين الإعجاب؛ للإصرار والشجاعة الكردية.

كان على إدارة المدينة وسكانها البدء من جديد بعملية إعادة إعمارها من فتح الشوارع وتسويتها، وترحيل أنقاض المباني، وتفعيل المؤسسات الخدمية الرئيسة، مثل الأفران والمستشفيات.

كل ذلك كان يجري بالتزامن مع استمرار المعارك على مقربة من حدود المدينة، حيث كانت عمليات استكمال تحرير قرى كوباني لا تزال جارية واستمرت لأشهر عديدة بعد تحرير مركز المدينة.

تحدي إعادة الإعمار

كان هذا التحدي الأبرز الذي واجه المدينة وسكانها بعد جلاء شبح الحرب، فأكثر من نصف المدينة كان مدمراً، وكان يجب على العائدين من باكور كردستان تأمين السكن، فبدأت مساعي إعادة الإعمار ذاتياً بدعمٍ خارجي خجول.

شاركت بلديات الشعب في باكور كردستان بإزالة أنقاض الحرب، كما كثفت الإدارة الذاتية بجميع مؤسساتها العمل في هذا الاتجاه مع تعاون شعبي، فكانت الخطوة الأولى؛ هي إزالة الأنقاض وتسوية الشوارع وإحياء المؤسسات وخطوط المياه.

في أيار عام 2015، عُقد في مدينة آمد بباكور (شمال كردستان) مؤتمر؛ لبحث جهود إعادة الإعمار، وكان هذا المؤتمر من أبرز الاجتماعات التي تناولت هذا الملف.

التعافي ذاتياً

لقد عمل السكان على إعادة تنظيم حياتهم من جديد، تناسباً مع الظروف الجديدة التي أوجدتها مراحل ما بعد الحرب الكبيرة، فالمعارك لا تزال تدور قريباً من المدينة حتى بعد أشهر من تحريرها، لذلك كان لا بد من الاستمرار بالانتباه إلى المخاطر المقبلة.

بعد نحو 5 أشهر من تحريرها، تعرضت كوباني لضربة مؤلمة أخرى، عندما تسلل داعش إليها وارتكب مجزرة بحق السكان 25 حزيران عام 2015؛ أدت إلى استشهاد أكثر من 250 مدنياً.

هذه المجزرة عمّقت الجراح، وأخّرت إلى نحو كبير عملية التعافي التي بدأت بعد ذلك تتقدم على نحو سريع مع تحرير وحدات حماية الشعب والمرأة المراكز التي اتخذها داعش منطلقاً لهجماته التي استهدفت كوباني، مثل صرين والشيوخ وعين عيسى وكري سبي/ تل أبيض، ثم منبج.

لطالما شكّلت الزراعة، أحد أهم مصادر الدخل لدى السكان، فقد عاد الجميع لحراثة أراضيهم وزراعتها بالمحاصيل الأكثر شهرة؛ القمح والشعير إلى جانب الشروع في زراعة الأشجار المثمرة، لا سيما أشجار الفستق الحلبي.

هذا إلى جانب نشاط حركة التجارة والإعمار بعد تحرير كوباني بفترة وجيزة؛ ما وفّر فرص عمل كثيرة وشجّع السكان على العودة وإحياء المنطقة من جديد.

وعلى الرغم من الدوافع السياسية الكثيرة لهجوم داعش على كوباني، إلا أن أبرز الأهداف كان أيضاً إفراغ المنطقة من سكانها الأصليين من الكرد، وهو ما لم يتحقق، فحتى أثناء المعارك بقي العشرات على الحدود، يقاومون الظروف الصعبة بينما كان آخرون، يقاتلون لدحر داعش، وحتى بعد التحرير، بدأت حركة العودة، تنشط وعاد أهالي كوباني إليها أفواجاً لعدة أشهر متتالية.

في السنوات الأخيرة، لم تعد كوباني هي المدينة ذاتها التي دمرتها الحرب، فعمليات إعادة الإعمار غيّرت الكثير، والأعمال الخدمية التي أنجزتها الإدارة الذاتية كانت مؤثرة، والخطوات التي اُتخذت على الصعيد التنظيمي والخدمي من قبيل تفعيل المؤسسات والمرافق الخدمية والمدارس والمستشفيات والنقاط الطبية والأكاديميات والجامعات، طورت من حال الواقع كثيراً.

فالمدارس فتحت أبوابها سريعاً، والتي بلغ عددها الآن 461 مدرسة (19 منها بالقرب من الحدود التركية يصعب افتتاحها)، كما اُفتتحت جامعة كوباني عام 2017، وعدد من الأكاديميات والمعاهد التي أشرفت على تأهيل وتخريج المعلمين والطلبة وتدريب أعضاء المؤسسات وذوي الشهداء.

وأعلنت الإدارة الذاتية، مؤخراً عن بدء العمل على مشروع بناء مشفى عام في كوباني من المقرر، أن يحتوي على 180 سريراً على مساحة 11 ألف متر مربع، يزمع أن ينتهي العمل فيه خلال عام ونصف.

ولتبقى مقاومة كوباني حية، جرى الإبقاء على قسم صغير من المدينة؛ ليشهد على تلك الحرب الكبيرة، وحُول إلى متحف.

وعلى جميع الصعد وفي مختلف القطاعات، بالإضافة إلى تلك التي ذكرناها، على صعيد المرأة، افتتحت أكاديمية خاصة؛ لتدريب وتأهيل الكوادر النسائية باسم "الشهيدة شيلان"، وكذلك افتتاح عدد كبير من المؤسسات الخاصة بالمرأة.

وعلى صعيد الرياضة والشبيبة، شكلت الكثير من النوادي الرياضية، ونظمت العشرات من البطولات، ويجري الآن بناء ملعب كبير؛ لاحتضان البطولات والفعاليات الرياضية.

أما على صعيد الفن، فالكثير من فرق المسرح والرقص والغناء والعزف والرسم، جرى تدريبها وتخريجها، بالإضافة إلى افتتاح فرع لكومين فيلم روج آفا في مدينة كوباني، والذي عمل على تصوير عدد من الأفلام، من أشهرها الفيلم الذي صور مقاومة كوباني وفيلم آخر عن مقاومة سور آمد في باكور كردستان.

كما عملت الإدارة الذاتية في كوباني على زراعة آلاف الأشجار في مركز المدينة وريفها، ولا يزال العمل جارياً في هذا الإطار.

ولولا التهديدات التي تحيط بالمدينة، واتجاه الإدارة والسكان إلى تنظيم الحياة العامة وفق ظروف الحرب، كان واقع الحال سيكون أفضل بكثير.

مقاومة مستمرة

صحيح أن الوجود العسكري لداعش انتهى بعد أن تلقى الضربة الساحقة في كوباني، ثم تتالت خسائر المرتزقة حتى قضت قوات سوريا الديمقراطية على آخر معاقلهم في دير الزور، وباتوا ينتشرون على شكل خلايا تهدد أمن المنطقة، ولكن ليس بذات درجة الخطورة السابقة.

بيد أن تركيا التي ربت داعش في البداية، تقود منذ سنوات، دفة حرب شعواء ضد شمال وشرق سوريا، بعد أن فشلت ربيبها في حرب الوكالة التي خاضها بتكليف وتوجيه تركي.

ولا توفر الدولة الفاشية جهداً إلا وتبذله؛ لضرب استقرار المنطقة واستهدافها براً وجواً، لا سيما مدينة كوباني التي تحقد تركيا عليها كثيراً؛ لأنها حطمت المشروع التركي المستند على داعش.

ويدرج المسؤولون الأتراك، وفي مقدمتهم أردوغان، اسم مدينة كوباني في كل حديث وتهديد يتم توجيهه للمنطقة، كما تعرضت المدينة وقراها على مر السنوات الأخيرة، لا سيما عام 2022 المنصرم، لعشرات الهجمات وعمليات القصف التي أدت في الكثير من المرات إلى استشهاد وجرح عشرات المواطنين، بينهم أطفال.

أمام هذه الحرب النفسية والإعلامية والهجمات العسكرية والتهديدات اليومية، تقف مدينة كوباني بأهلها، مهما ارتفع الصراخ والضجيج القادم الدولة الفاشية التركية، وتستمر الحياة وتفشل المطامع التركية وترتفع راية المقاومة عالياً!

(د)

ANHA