التقارب بين دمشق وأنقرة.. مخاطر تتعدى حدود سوريا ومعوقات قد توصله إلى حائط مسدود - يحيى الحبيب

التقارب بين دمشق وأنقرة.. مخاطر تتعدى حدود سوريا ومعوقات قد توصله إلى حائط مسدود - يحيى الحبيب
الخميس 12 كانون الثاني, 2023   21:38

تمكنت الأزمات المشتركة الاقتصادية والسياسية التي يعاني منها حزب العدالة والتنمية التركي وحكومة دمشق من إبعاد الخلافات بينهم جانباً والعمل على إيجاد تفاهمات تنهي سنوات من العداء وذلك برعاية روسية لكن هذا التقارب بين الطرفين يحمل معه بهذه الظروف الكثير من المخاطر التي تهدد سورية والشرق الأوسط بشكل عام، كما أن هذا التقارب يواجه العديد من التحديات التي تجعل آماله ضعيفة.

تداعيات التقارب بين حكومة دمشق والاحتلال التركي

تسعى تركيا عبر هذا التقارب لإدخال المجموعات التي لها خلفيات جهادية وأبرزها "هيئة تحرير الشام" وفصائل أخرى منها مرتبطة بتنظيم القاعدة في اتفاقيات تسوية مع حكومة دمشق برعاية روسية ويبقى هؤلاء المقاتلون يحملون سلاحهم المتوسط كما حصل في درعا، وأفادت تقارير في أكتوبر  2022 أن تركيا استدعت قائد اللواء الثامن المدعوم روسياً والعامل في درعا، أحمد العودة، وهو الذي ساعد القوات الروسية في صياغة الأوضاع في درعا، وعلى الرغم من عدم الإعلان عن أهداف الزيارة ونتائجها إلا أن ترافقها مع الحديث عن التقارب يشير إلى أن الهدف هو تكرار صيغة درعا في الشمال السوري.

لكن هناك فارق بين درعا والشمال السوري هو أن الشمال يتواجد فيه مرتزقة يحملون فكر جهادي بالإضافة إلى وجود مرتزقة أجانب لا يعلم أحد ماذا سيكون مصيرهم، وفي نيسان 2022 نشر مركز "جسور" للدراسات تقرير تحليلي يُحدّد شرائح المرتزقة الأجانب في المناطق السورية التي تسيطر عليها تركيا، ويقدّر التقرير وجود نحو 2500 من المرتزقة الأجانب في "هيئة تحرير الشام"، وهم موزعون على المجموعات القتالية على أساس غير عرقي كالمصريين والأوروبيين، أو على أساس عرقي كالشيشان والأوزبك، وحسب المركز فإنه خارج "تحرير الشام"، يمكن اعتبار تنظيم "حراس الدين" المبايع لتنظيم القاعدة أبرز فصيل يستقطب مقاتلين أجانب بواقع نحو 400 مقاتل.

وبالإضافة إلى ذلك فإن تركيا تسعى أن يكون لها كلمة وقرار في سوريا عبر هؤلاء المرتزقة كما ترغب بإدخال شخصيات سورية (معارضة) محسوبة على الاخوان المسلمين في الحكومة السورية وأن يكونوا تابعين لها كما في ليبيا، والأخطر من ذلك هو أن يتكرر السيناريو اللبناني والعراقي في سوريا ويكون للقوى الإقليمية أدوات على الأرض تستطيع من خلالها أي قوى خارجية أن تعطل الدولة السورية ومؤسساتها أو الوصول حتى إلى أن تكون هذه الأداة عبارة عن مجموعة ضغط توجه السياسات والقرارات السورية وفق ما يناسب مصالحها كقيام تركيا مثلاً بتمرير قرارات في المستقبل عبر أدواتها تضمن وجودها أو سيطرتها على قطاعات حيوية سورية.

معوقات هذا التقارب

من أبرز معوقات التقارب بين الاحتلال التركي وحكومة دمشق هو أن الاحتلال عمل خلال السنوات الماضية على تكريس وجوده في المناطق السورية المحتلة عبر تغيير ديمغرافيتها وفرض التتريك فيها وبأنه لا يخطط بالانسحاب من هذه الأراضي بخلاف ما تطالب به حكومة دمشق، ما يعني بأن هذا التقارب سيصل إلى حائط مسدود بعد أن تتحول هذه المباحثات من استخباراتية إلى سياسية.

سعت روسيا وتركيا إلى إقناع الدول الخليجية وخاصة الإمارات التي زار وزير خارجيتها دمشق والتقى مع بشار الأسد بعد أيام من مباحثات موسكو، بدعم التطبيع مع دمشق حيث هناك حاجة للأموال الخليجية بإعادة الإعمار وعودة اللاجئين، إلا أن الدول الخليجية لديها مطلب أساسي هو إخراج إيران من سوريا أو تقليص وجودها وهذا ما تعهدت به روسيا مراراً وتكراراً.

 وعلى الرغم من غياب طهران عن محادثات موسكو إلا أن غيابها كان تكتيكي وهو نتيجة رغبة تركية بعدم إغضاب الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل أكثر من هذا التقارب، بالإضافة إلى رغبة روسية بإقناع الدول الخليجية بهذه الخطوات، لكن هذا الاتفاق يلبي طموحات إيران نوعاً ما وتكون بذلك روسيا وإيران أنهت أبرز المعارضين لهما (تركيا) في سوريا وتستطيعان بعدها التهرب بشكل أكثر وفعال عن مسار جنيف والقرارات الدولية التي تدعو لإخراج القوات الأجنبية لتحافظ إيران على وجودها حيث تسيطر على المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية السورية.

بقاء الوجود الإيراني سيدفع الإمارات والدول العربية للتراجع عن دعم التطبيع مع حكومة دمشق بالإضافة إلى أن القصف الإسرائيلي والأميركي سيزداد على الأراضي السورية وتزداد حدة العقوبات الأميركية على دمشق وموسكو.

شمال وشرق سوريا والتقارب بين حكومة دمشق والاحتلال التركي

طالما كان التقارب الروسي – الإيراني – التركي وخلال كل جولات أستانا يهدد الوجود الأميركي في شمال وشرق سوريا كما أن أحد أهداف روسيا من التماشي مع المصالح التركية هو محاولة إبعاد أنقرة أكثر فأكثر عن واشنطن وحلف الناتو.

هذا التقارب الجديد المضاف إليه حكومة دمشق سيركز على محاربة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وسيكون ذلك عبر إيران وحكومة دمشق من خلال محاولة افتعال الخلافات بين الإدارة الذاتية والعشائر العربية من خلال ما يسمى "المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الأميركي" والذي يحركه ضباط الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة دمشق، بالإضافة إلى ممارسة الحرب الخاصة واستغلال الحصار المفروض على الإدارة الذاتية.

الولايات المتحدة الأميركية والتحالف الدولي من جهتهم كثفوا خلال الفترة الماضية من تحركاتهم وزارت وفود أميركية شمال وشرق سوريا وأرسلوا رسائل تحذيرية عديدة إلى تركيا وروسيا إلا أن الموقف الأميركي لا يرتقي إلى المستوى المطلوب وسيكون لضعفه تداعيات كثيرة على سوريا والمنطقة بشكل عام من خلال عودة نشاط داعش بالإضافة إلى وقوع سوريا تحت الهيمنة التركية والإيرانية كما حصل في العراق بعد الغزو الأميركي.

 

الخلاصة:

من خلال ما سبق يتبين بأن هذا التقارب وعلى الرغم من أنه يحمل عناوين جذابه للسوريين والعالم إلا أنه وعلى المدى المتوسط والبعيد سيجلب الكثير من الأزمات والصراعات لسوريا والمنطقة بين القوى المتناحرة، ومع الوقت ستكون كل من تركيا وإيران متحكمة بالدولة السورية، وستشكل المجموعات الجهادية والمجموعات التابعة لإيران خطراً على كل دول المنطقة انطلاقاً من الأراضي السورية.

على الرغم من المساعي الروسية والإيرانية والتركية لإكمال هذا التقارب إلا أن هناك الكثير من العوائق التي تمنع تقدمه وبالأساس أن تركيا لن تقدم أي تنازلات وتريد فقط الترويج لاتفاق مع دمشق ينص على إعادة اللاجئين واستغلال ذلك في الانتخابات المقبلة ومن المرجح أن يتراجع أردوغان عن هذا التقارب بعد الانتخابات.

كما مسار "التسويات" سيصل هذا التقارب إلى حائط مسدود وستبقى مساحات سورية عديدة تنادي بالحرية والكرامة انطلاقاً من شمال وشرق سوريا وصولاً إلى درعا والسويداء التي أربكت التظاهرات فيها حكومة دمشق وداعميها وكان الأفضل لدول التحالف الدولي والدول العربية دعم هذه المناطق التي تعبر عن إرادة سورية حقيقة لا تشكل تهديداً لأحد وبعيدة عن الهيمنة التركية والإيرانية.