​​​​​​​مصر ترسم حدودها البحرية مع ليبيا.. دلالة القرار وتوقيته

في تطور مفاجئ، أعلنت القاهرة ترسيم الحدود البحرية مع طرابلس الليبية بشكل منفرد في قرار اعتبره مراقبون تعبيراً عن حجم الخلافات بين البلدين خاصة في ظل بقاء حكومة ما يعرف بالوحدة الوطنية الليبية التي تعتبرها مصر غير شرعية، فما هي دلالات هذه الخطوة وتوقيتها؟

​​​​​​​مصر ترسم حدودها البحرية مع ليبيا.. دلالة القرار وتوقيته
الإثنين 26 كانون الأول, 2022   00:26
القاهرة - محسن المصري

وقبل أيام، نشرت وسائل إعلام مصرية قراراً أصدره الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بشأن ترسيم الحدود البحرية الغربية لمصر في البحر المتوسط، متضمناً في مادته الأولى أن تبدأ حدود البحر الإقليمي لمصر من نقطة الحدود البرية المصرية - الليبية، كما نص على إخطار الأمم المتحدة بالتعديل.

أهداف القرار المصري

وتسعى مصر للاستفادة من الأولوية التي تمنحها شركات النفط العالمية لمنطقة شرق المتوسط نظراً لما تمتلكه من احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين فإن قرار ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا سيجعل مصر قادرة على طرح هذه المناطق أمام الشركات العالمية، لافتاً في تصريحات إعلامية إلى أن الشركات كانت تتخوف وترفض التنقيب بزعم أن الحدود غير معروفة أو واضحة أو تشهد نزاعات.

القرار المصري قوبل برفض سواء من حكومة الدبيبة التي تسيطر على طرابلس أو من حكومة باشاغا المعينة من البرلمان وتدير أعمالها من بنغازي.

وأعلنت وزارة الخارجية الليبية في حكومة الدبيبة، في بيان رسمي، رفضها قرار مصر بتحديد الحدود البحرية الغربية مع ليبيا، واعتبرته ترسيماً غير عادل بموجب القانون الدولي لأنه معلن من جانب واحد ما يعد انتهاكاً للمياه الإقليمية والجرف القاري لدولة ليبيا معلنة نيتها التوجه لمحكمة العدل الدولية.

من جانبها، اتخذت حكومة فتحي باشاغا في بنغازي موقفاً وسطياً في القضية ودعت القاهرة للحوار حول ترسيم الحدود دون اتخاذ اجراءات أحادية الجانب.

أما مجلس الدولة الذي تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين بليبيا فقد استغل الفرصة للتحريض ضد مصر، وطالب عضو المجلس صالح جعودة، حكومة الدبيبة بالرد على قرار مصر بترسيم حدودها البحرية، بالمقاطعة الاقتصادية.

وقال جعودة، في تغريدة له، عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: “محاولات السيسي لسرقة مياهنا الإقليمية مرفوضة وغير مقبولة”، بحسب تعبيره.

وأضاف “يجب على الحكومة الليبية أن ترد عملياً على قرار السيسي بالمقاطعة الاقتصادية واستبدال العمالة المصرية بغيرها”، وفقا لقوله.

معلومات سرية

ويرى الخبير الاستراتيجي والعسكري المصري، حاتم صابر، أن الأوضاع داخل ليبيا مضطربة بشكل كبير وهناك حكومة تسيطر عليها تيارات مناوئة للدولة المصرية وبالتالي ارتأت القاهرة أن تضع حدوداً بحرية بما يتناسب مع الأمن القومي المصري وحتى لا تدخل في نزاع مستقبلي مع أي حكومة ليبية أياً كان توجهاتها أو الداعمين لها.

وأكد صابر لوكالتنا إن السياسة المصرية تتحرك وفق مصلحة الأمن القومي المصري وتضعه فوق أي اعتبار، معتبراً ان قرار الترسيم أكبر رد على الفوضى الحالية بليبيا وممارسات حكومة الدبيبة المعادية لمصر.

وبحسب الخبير العسكري المصري فإن توقيت القرار يرتبط بوجود معلومات عن نوايا لـ إلحاق الضرر بالأمن القومي المصري ربما وصلت للقيادة السياسية والأجهزة السيادية المصرية معلومات بخصوص ذلك هي من دفعت القاهرة لإعلان القرار في هذا التوقيت لحماية الأمن القومي.

وحول اعلان حكومة الدبيبة اللجوء لمحكمة العدل الدولية، أكد أن ليبيا ليست دولة بل دولتين في ظل وجود حكومتين وهذا أكبر مبرر للقرار المصري أمام أي جهة دولية وهو ما دفع الدولة المصرية للتحرك بشكل منفرد لضمان حقها وتأمين حدودها الغربية في ظل الغموض الذي يحيط بالوضع في ليبيا.

ويرى صابر وهو ضابط سابق بالجيش المصري أنه بناء على القرار يصبح من حق القاهرة التنقيب عن الثروات البحرية وتوقيع اتفاقيات مع الشركات الدولية للقيام بذلك فضلاً عن فرض السيادة العسكرية والسياسية على الحدود البحرية مع ليبيا.

واستبعد الخبير المصري حدوث تطورات سلبية في ملف التقارب المصري - التركي بسبب أزمة ترسيم الحدود مع ليبياً لافتا إلى أن تركيا حاولت خلال الفترات الماضية استفزاز الدولة المصرية بممارساتها في ليبيا خاصة بعد فشل نظام أردوغان في إخضاع مصر ولكن اضطرت أنقرة في النهاية لطلب المصالحة مع مصر.

واستبعد الخبير المصري أن تقف تركيا مع حكومة الدبيبة في أي تصعيد ضد مصر، مشيراً إلى ان أنقرة تتحرك وفق مصالحها وتدرك أن علاقتها مع مصر أكبر وأهم من علاقتها بالدبيية.

تناقض حكومة الدبيبة

بدوره، قال الباحث المصري في العلاقات الدولية الدكتور محمد اليمني، أن مصر اختارت الوقت المناسب لاستغلال هذا الأمر وترسيم الحدود البحرية مع ليبيا خاصة في ظل حالة الخلافات التي تصل لدرجة العداء الكبير بين القاهرة وحكومة الدبيبة التي تعتبرها مصر حكومة غير شرعية.

وأوضح لوكالتنا أن القرار لم يكن مفاجئاً بل جاء بعد دراسة، خاصة بعد الاتفاق البحري الذي تم توقيعه بين تركيا وعبد الحميد الدبيبة وأثار دول جوار ليبيا وخاصة القاهرة وأثينا.

 وبحسب اليمني فإن هناك تناقض صارخ في موقف حكومة الدبببة المنتهية الولاية حيث ترى أن من حقها الاتفاق مع تركيا على ترسيم الحدود ومنح أنقرة الحق في التنقيب عن الغاز والبترول ولكنها ترفض القرار المصري الساعي لضمان حقوقه البحرية.

وحول مستقبل علاقات القاهرة ودولة الاحتلال التركي في ظل الأزمة خاصة بعد دعوة تركيا للحوار، أكد المتخصص في العلاقات الدولية أن تركيا لا تريد أن تخسر حليف مثل مصر مرة أخرى ولن يكون هناك مواقف متشددة من أنقرة حيال الأزمة خاصة في ظل الصراع الاقتصادي الكبير بعد الحرب الروسية، كما إن مصر يهمها في المرتبة الأولى مصالحها وأمنها القومي، متوقعاً أن تشهد الأزمة الليبية مزيد من التعقيد في الفترة المقبلة في ظل الخلافات الكبيرة بين الفرقاء السياسيين وتعدد الحكومات.

(ي ح)

ANHA