دعوات للعودة إلى الفيدرالية في ليبيا.. خبرة سابقة وآمال يعرقلها الخارج وأدواته

عاد الحديث مجدداً عن تطبيق النظام الفيدرالي في ليبيا الذي كانت تسير به البلاد بعد الاستقلال وذلك بعد فشل النظام المركزي، فما هو النظام الذي يدعو لتطبيقه الليبيين؟ وما إمكانية تطبيقه في ظل وجود احتلال تركي وسطوة للميليشيات؟

دعوات للعودة إلى الفيدرالية في ليبيا.. خبرة سابقة وآمال يعرقلها الخارج وأدواته
السبت 19 تشرين الثاني, 2022   00:20
مركز الأخبار – يحيى الحبيب

تجددت الدعوات في ليبيا لتطبيق النظام الفيدرالي، وذلك بسبب الانسداد السياسي الذي تعاني منه البلاد.

وقبل أيام قالت صحيفة البيان: "يتزعم المجلس الرئاسي الليبي حراكاً سياسياً واجتماعياً؛ بهدف إعادة العمل بنظام المحافظات الذي كان قد ألغي منذ العام 1983".

وحسب الصحيفة، شدد عضو المجلس، موسى الكوني خلال لقاء بعدد من زعماء الأحزاب السياسية، على أهمية عودة العمل بنظام المحافظات باعتباره؛ الحل الأمثل للأزمات التي تعانيها ليبيا، ومنها أزمة الانسداد السياسي، والجمود الذي خلفته لعدم توافق الأطراف السياسية على قاعدة دستورية تمهد الطريق لإجراء الانتخابات الرئاسية".

وأوضح الكوني أن نظام اللامركزية يضمن حقوق كافة مناطق ومكونات الشعب الليبي، من خلال المحافظات، بتسليمها ميزانياتها لإدارة مشاريعها، لكي تتفرغ الحكومة المركزية لأداء دورها في متابعة السياسة الخارجية وأمور الدولة، وتكليف شخصية اعتبارية على رأس كل محافظة، من خارجها، تمنح له كامل الصلاحيات لإدارة شؤونها.

تجربة سابقة

وعاشت ليبيا نظام الفيدرالية بعد استقلالها عام 1951، وأقر الدستور الملكي حينها بأن ليبيا تتكون من ثلاثة أقاليم، هي برقة شرقاً وطرابلس غرباً وفزان جنوباً؛ لتكون مجتمعة المملكة الليبية المتحدة، لكن ذلك الدستور تم تعديله في العام 1963 بحيث ألغي نظام الحكم الفيدرالي في المملكة.

وتمتعت كل ولاية من الولايات الثلاث بالحكم الذاتي من خلال حكومة إقليمية إضافة إلى مجلس نيابي محلي، ولاية طرابلس هي الولاية الأكثر سكاناً والأصغر مساحة من بين ولايات المملكة الليبية، أما فزان هي الولاية الأقل سكاناً، في حين كانت ولاية برقة الأكبر مساحة بين ولايات المملكة الليبية المتحدة.

وفي 26 نيسان عام 1963 أُلغي النظام الفيدرالي في ليبيا وتحويل المملكة الليبية المتحدة إلى المملكة الليبية، حيث أقر النظام الملكي تقسيمها إلى عشر محافظات (محافظة البيضاء، محافظة الخمس، محافظة أوباري، محافظة الزاوية، محافظة بنغازي، محافظة درنة، محافظة غريان، محافظة مصراتة، محافظة سبها، محافظة طرابلس)، واستمرت تلك المملكة حتى الانقلاب الذي قاده معمر القذافي في 1 أيلول/سبتمبر 1969 والذي أنهى حكم الملك إدريس الأول وإلغاء الملكية وإنشاء الجمهورية العربية الليبية.

وبرزت الفيدرالية في ليبيا للمرة الثانية بعد الملكية عام 2012، بعد إعلان برقة إقليماً فيدرالياً من جانب واحد، في6 مارس/آذار 2012، حيث أعلن رئيس المجلس المحلي لإقليم برقة، أحمد الزبير السنوسي القرار إلا أنه لم يطبق على أرض الواقع.

ومع كل انسداد تواجهه العملية السياسية في ليبيا، ينشط المنادون بالفدرالية مجدداً ويطرحونها كحلاً سياسياً للأزمة التي تعانيها البلاد، وانضم في الفترة الأخيرة عدد من مسؤولي الدولة السابقين وأعضاء في مجلس النواب.

وفي تشرين الأول الماضي، طالب 32 نائباً من شرقي البلاد، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، بعرض دستور 1951 غير المعدل للتداول في جلسة خاصة لمجلس النواب، تذاع على الهواء مباشرة، من أجل النظر في العودة إلى النظام الاتحادي وفقاً للأقاليم التاريخية الثلاثة لليبيا؛ طرابلس، وبرقة، وفزان. 

وفيما طالب النواب الـ 32 "شركاء الوطن في إقليمي طرابلس وفزان بدعم هذا الطلب"، أكدوا أن الطرح الفدرالي هو "الضامن الحقيقي لوحدة وأمن وسلامة ليبيا"، وأن مطالبتهم باعتماده تأتي بعد "تعثر الاستفتاء على مشروع الدستور الذي أعدته الهيئة التأسيسيّة لصياغة مشروع الدستور عام 2017، لما شابه من طعون قضائية ورفض من العديد من مكونات الأمة الليبية"، وفق نص الرسالة.

فشل النظام المركزي

/ar/uploads/files/2022/11/18/180901_000.webp

الناشط السياسي الليبي، محمد قشوط، تحدث لوكالتنا عن ذلك، بالقول: "من المعروف عن التركيبة الإدارية في ليبيا؛ أنها تغيرت من النظام الملكي الفيدرالي المكون لثلاثة أقاليم (طرابلس، فزان، برقة) إلى النظام المركزي؛ الذي اختزل كل مؤسسات الدولة وصلاحياتها وسلطة القرار داخل مدينة واحدة وهي العاصمة طرابلس والذي أثبت مع مرور الوقت الفشل الذريع، حيث أصبح هناك بطء في توفير الخدمات وفشل التنمية؛ نتيجة البيروقراطية المتبعة والتي عرقلت عجلة الحياة داخل أغلب المدن الليبية".

وأضاف قشوط :"بعد سنة 2011 وبالنظر لمساحة ليبيا الجغرافية الواسعة، كان هناك أمل في أن تمنح البلديات داخل كل مدينة صلاحيات أكبر للعمل وتوزيع بعض المؤسسات على بعض الأقاليم؛ لتخفيف الوضع على طرابلس، وصدرت عدة قرارات بالخصوص ومنها نقل المؤسسة الوطنية للنفط من طرابلس إلى بنغازي، لكن ظلت هذه القرارات حبر على ورق دون تنفيذ، وهو ما دعا في سنة 2013 لانطلاق أول مظاهرة داخل مدن البيضاء وبنغازي وإجدابيا مطالبة بالنظام الفيدرالي، بل بلغت الدعوات حتى للتقسيم والانفصال لشعور المواطنين داخل هذه المدن وباقي مدن شرق وجنوب ليبيا بالتهميش المتعمد من السلطة المركزية".

فشل الحكومات الحالية وخدمتها للاحتلال شجع على طرح الفيدرالية مجدداً

وحول الدعوات الأخيرة، قال قشوط: "عادت في الآونة الأخيرة هذه الدعوات من جديد، بعد أن فشلت الحكومات التي جاءت من اتفاق الصخيرات سنة 2015 ثم اتفاق جنيف 2021 من أن تكون حكومات لكل ليبيا، وتوفر الخدمات لكل الليبيين بعدالة دون إقصاء أو تهميش، فتمترست داخل طرابلس وباتت موالية للمليشيات التي تحميها ومطيعة للاحتلال التركي، فبات هناك صوت يطالب بنظام الفيدرالي كحل قد يكون بديل للحرب وصوت الرصاص بعد عدم نجاح القوات المسلحة في استعادة السيطرة على طرابلس وكل المنطقة الغربية سنة 2019".

وأوضح "هناك بعض المواطنين لا يميزون بين النظام الفيدرالي والانفصال، فيعتقدون أن النظام الفيدرالي؛ هو تقسيم للدولة الليبية وهذا غير صحيح، فالنظام الفيدرالي؛ يوزع الصلاحيات ويمنح البلديات والسلطات المحلية داخل المدن قدرة أكبر على العمل، وتوفير الخدمات واعتقد أن هذا النظام قد يكون مناسب لليبيا في حال تطبيقه".

الاحتلال التركي وسطوة الميليشيات تعرقل تطبيق النظام الفيدرالي

وعلى الرغم من الآمال التي يضعها العديد من الشخصيات في إيجابيات النظام الفيدرالي من خلال تمثيل كافة شرائح المجتمع ومشاركتهم في اتخاذ القرارات الخاصة بمناطقهم، إلا أن الوضع الحالي وخصوصاً في ظل وجود مناطق محتلة من قبل تركيا وتقاسم المناطق الليبية بين ميليشيات وقادة حروب بالإضافة إلى وجود حكومتين، يقلق العديد من المراقبين بأن تكون سلبيات هذا النظام أكثر من الإيجابيات.

الناشط السياسي الليبي، محمد قشوط، علق على ذلك، بالقول: "الوضع الحالي الذي تمر به ليبيا من احتلال تركي وسطوة المليشيات في طرابلس وكامل المنطقة الغربية، سيكون من الصعب تطبيق هكذا نظام، حيث يحتاج لاستعادة السيادة وسلطة القرار الوطني ووجود حكومة قوية، والأهم وجود دستور يقر هكذا نظام يحدد الحقوق والواجبات بين كل المواطنين".

(م)

ANHA