ناجون من "قارب الموت" اللبناني يروون ما حدث ويصفون المهربين بالمافيا

أعادت مأساة غرق مركب، كان يحمل على متنه 60 مهاجراً لبنانياً، من جديد فتح النقاش، بشأن الأوضاع الاقتصادية الصعبة، التي يعيشها اللبنانيون، والتي جعلت من الهجرة، وإن كانت محفوفة بالمخاطر، مخرجاً وحيداً لهم، من الأزمة المعيشية الطاحنة، لكن هل الأزمة الاقتصادية في لبنان هي السبب الوحيد، أم أن هناك من يدفعهم للهجرة من البلاد ضمن سياسة هجرة الأدمغة والشباب من منطقة الشرق الأوسط؟

ناجون من "قارب الموت" اللبناني يروون ما حدث ويصفون المهربين بالمافيا
السبت 8 تشرين الأول, 2022   01:25
بيروت – زياد أبو غزالة

لقد وصلت درجات اليأس عند اللبنانيين إلى مراحل متقدمة، ما دفع بعضهم إلى بيع كل ما يملك ليقفز مع أطفاله في قوارب مطاطيّة لا تمتلك الحد الأدنى من مواصفات السلامة العامة، وغير مؤهلة لعبور البحار والمحيطات والتنقل بين البلدان، وذلك فقط في سبيل الهروب من الواقع اللبناني المقفل على أي حلول أو انفراجات.

بعضهم اضطر لرمي أطفاله في قعر البحر بعد وفاتهم لعدم تحملهم ظروف السفر الشاقة، وبعضهم وجدت جثثهم على الشاطئ اللبناني، لم يحدث هذا المشهد الدراماتيكي أي ردة فعل رسميّة لبنانيّة تُذكر، إنه استمرار لظاهرة التقهقر الأخلاقي التي يعاني منها لبنان منذ سنوات طويلة.

آخر تلك الفواجع، كانت فاجعة ذلك القارب، الذي انطلق من السواحل اللبنانية، باتجاه الشاطئ الأوروبي، فغرق قبالة سواحل ميناء طرطوس السوري، وعلى متنه وفق روايات للناجين، ما بين 120 إلى 150 شخصاً، من جنسيات لبنانية وسورية وفلسطينية، كانت وجهتهم دولة أوربية.

شهادات الناجين

جهاد مشلاوي، أحد الناجين من قارب الموت، يقول لوكالتنا: إنّ يوم الثلاثاء في 20 أيلول/ سبتمبر الماضي، كان موعد الترتيب للانطلاق، حيث اتصل بي المهرّب عند الساعة الثامنة مساء، وأبلغني للذهاب للقاء أحد الأشخاص من طرفه في ساحة التل بمدينة طرابلس ودفع مبلغ التهريب البالغ 7 آلاف دولار".

وتابع مشلاوي: "وصلنا إلى مزرعة حيث تم تجميعنا، ووضعونا بسيارة نوع بيك أب وكنّا وقتها 200 شخص، وكدنا نموت اختناقاً داخل سيارة الحمل، ومشت السيارة بالركاب، من المزرعة، حتّى نقطة تسمّى الخزّان بعد منطقة العبدة، حيث بدأت عمليات تحميل المهاجرين من الشاطئ إلى المركب الخشبي، عبر زوارق صغيرة تنقل كلّ 20 شخصاً على حدة".

وأضاف: خلال نقل الركاب، تبيّن، أنّ المركب لا يتسّع لـ 200 شخص، وطلب المهرّب من 50 شخصاً أن يعودوا، بحسب مشلاوي الذي أشار إلى أنّ الركاب بدأوا يتسابقون إلى المركب نظراً لكون بعضهم انتظروا لمدّة 3 أشهر ودفعوا مبالغ تجاوزت 20 ألف دولار لهم ولعائلاتهم ليهاجروا.

ولفت مشلاوي إلى الحمل الكبير الذي كان على المركب، قائلاً: "كنا أكثر من 150 شخصاً كبيراً وحوالي 30 طفلاً على متن المركب، ومعنا حمل ثقيل وهو عبارة عن 4 طن من المازوت، و800 ربطة خبز، وحوالي طن من مياه الشرب".

وتابع: "ركبنا في الزورق، وأتوا بالقبطان في النقلة الأخيرة هو وزوجته وأولاده الأربعة، وعندما نظر القبطان إلى المركب صدم بالعدد الكبير فرفض أن يصعد إلى المركب وقال: "لا أتحمل مسؤولية 150 شخصاً سيموتون في البحر ولن أحملهم في رقبتي إلى آخر العمر".

ونقل مشلاوي هول ما حدث خلال غرق المركب، الذي انطلق عند الساعة الخامسة صباح الأربعاء 21 أيلول/ سبتمبر، مؤكداً أنّ المركب قد توقف في عرض البحر عند الساعة التاسعة بسبب تعطّل المحرّك، وبدأ الموج يرتفع حتّى بلغ ارتفاعه قرابة 4 أمتار ما أدّى إلى انقلاب المركب.

وتابع: "بقينا من منتصف الليل حتى بزوغ الفجر، بقي على المركب فقط 6 أشخاص من أصل قرابة 36 شخصاً رأيتهم على ظهر المركب، وآخر طفل مات معنا صباحاً من البرد والعطش، كان أبوه يمسكه وتركه بالماء.

ووصف مشلاوي المهرّبين بالمافيا التي قبضت مئات آلاف الدولارات، ورمت بالناس إلى الموت. وقال: "ليس من مصلحة المهرّبين أن يخرج ناجياً واحداً من قوارب الموت كي لا نتحدث عما شهدناه".

سبب المأساة

الخبير البحري والقانوني المحامي، محمد عثمان قال: "المأساة حصلت بسبب الفقر الذي جلبه الفساد الذي نغص عيشة الفقير فاتخذ هكذا قرار خطير وهذا الموضوع له جوانب عديدة".

ويؤكد عثمان أنه في البداية يجب الإشارة إلى أن تهريب البشر هي عمليات منظمة ومدروسة بما يشبه المافيا، ويشترك بها مجموعة من الأشخاص يتقاسمون الأدوار بهدف جمع أكبر قدر ممكن من الراغبين في الهجرة وبالتالي الاستيلاء على أكبر مبلغ ممكن، منهم من يعلن عن الرحلة وينتشرون في أوساط معينة لإعلام أكبر عدد ممكن وبشكل سري، ومنهم من يتولى إقناع المهاجرين بسلامة التحضيرات وإجراءات الأمان ومنهم من يقبض (الرعبون) وبالأخير يتم تحديد زمان ومكان الانطلاق ودفع باقي المبلغ المتفق عليه.

وأضاف الخبير البحري أن 160 شخصاً كانوا على متن قارب الموت دفعوا الملايين للمهربين لقاء نقلهم إلى الشواطئ الإيطالية. وبحسابات بحرية بسيطة آخذين بعين الاعتبار عدد المهاجرين ومواصفات المركب الفنية والمسافة المطلوب قطعها وكمية المحروقات اللازمة للوصول إلى المقصد وحالة الطقس وباقي مستلزمات الرحلة، نصل بسهولة إلى نتيجة مفادها أنها عملية نحر وانتحار وليست عملية تهريب أشخاص يمكن أن تنجح ولو بنسبة واحد في المئة، والدليل على صحة تقديراتنا وحساباتنا الفنية هو غرق المركب بعد ثلاث ساعات فقط من إبحاره وحدوث الكارثة التي عشناها على مدى الأيام الماضية.

هجرة الأدمغة والشباب

الأخطر في موسم الهجرة الجديد هو ما يصطلح على تسميته "هجرة الأدمغة"، أي عمليّاً تفريغ البلاد من كفاءاتها الأساسيّة في كل القطاعات التي كانت له ميزات تفاضليّة فيها: الطب مثلاً. لقد استطاع لبنان النهوض بعد الحرب واستعادة بعض أدواره التي فقدها خلال حقبة النزاعات الأهليّة المسلحة، ومن القطاعات التي تمكنت سريعاً من احتلال موقع متقدم في الخريطة الإقليميّة كان القطاع الطبي والاستشفائي الذي تميّز بكفاءاته العلميّة والأكاديميّة، في حين كانت دول أخرى تبني صروحاً استشفائية ضخمة وتستورد لها عمالة من بلدان أخرى.

رويداً رويداً، يهاجر الأطباء اللبنانيون إلى مختلف أصقاع الأرض، بحثاً عن فرص عمل أفضل واستقرار أسري واجتماعي لم يعد متوفراً في لبنان بسبب الظروف المتدهورة، وبسبب غياب الأفق السياسي لتوليد الحلول المنتظرة منذ زمن بعيد.

لقد واجه لبنان منذ نشأته تحديات وجوديّة صعبة، وبقيت الانشقاقات السياسيّة تضعف هيكل الدولة المرتجاة التي لا تزال غير مكتملة العناصر بفعل استقواء بعض أطراف الداخل بالخارج، وبفعل غياب التوافق على الثوابت الوطنيّة التي لا تزال موضع نزاع مثل هوية البلاد، ودور لبنان في الصراعات الإقليميّة، وموقفه من سياسات المحاور ونزاعاتها المتبادلة، فضلاً عن غياب التفاهم على تحييد لبنان لتلافي تجدد الإشكالية المتمثلة بتأدية دور الساحة المستباحة لتبادل الرسائل للقوى الفاعلة والمؤثرة من وراء الحدود.

(ي ح)

ANHA