روسيا تتجهز وأميركا تدفع للتصعيد وأوروبا تستشعر الخطر.. هل يتجه العالم إلى صراع أشد حدّة

بعد مرور ثمانية أشهر على بدء التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا، دخل الصراع الروسي - الغربي مرحلة جديدة، إذ من المحتمل أن يتحول إلى صراع هو الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك في ظل تراجع الآمال في بدء تفاوض سلمي وخاصة بعد قطع روسيا الغاز عن أوروبا وضمها لأربع مناطق أوكرانية ووسط إعلانها التعبئة الجزئية وتهديداتها باستخدام السلام النووي. فإلى أين تتجه التطورات؟

روسيا تتجهز وأميركا تدفع للتصعيد وأوروبا تستشعر الخطر.. هل يتجه العالم إلى صراع أشد حدّة
السبت 8 تشرين الأول, 2022   00:13
مركز الأخبار- كيفارا شيخ نور

وبدأت القارة الأوروبية تستشعر هذه الحرب بعد عمليات (القطع والضم والتعبئة والتهديد) والتي ستنهي فترة طويلة من السلام في أوروبا، امتدت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى ما قبل التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا.

وتشير تقارير المراكز الاستراتيجية المعنية بالصراع الروسي - الغربي، إلى أن حلف الناتو وفي طليعته واشنطن ولندن، يصر على مواصلة الحرب، بغية إلحاق الخسارة بموسكو للحفاظ على نفوذه العالمي، عبر إرسال الأسلحة المتطورة إلى أوكرانيا والمستلزمات العسكرية لمقاومة التحركات العسكرية الروسية، ناهيك عن المعلومات الاستخباراتية التي يقدمها الحلف للقوات الأوكرانية عن تحركات الجيش الروسي.

أستاذة العلاقات الدولية، إيمان زهران، تحدثت لوكالتنا عن تبعات عملية الضم الروسية لأربع مناطق أوكرانية وتهديدات بوتين النووية، على أوكرانيا والغرب، حيث رأت أنه لا يمكن التكهن بأي سيناريوهات محتملة يمكن أن يلجأ إليها طرفا الصراع الفترة المقبلة، لكنها أشارت إلى أن "الغرب سيستمر في دعمه لأوكرانيا، ويفرض عقوبات جديدة أكثر صرامة على روسيا، إلى جانب التصعيد السياسي والإعلامي على كافة الجبهات لإعادة تعبئة وتوجيه الرأي العام الأوروبي والدولي".

وأضافت أن "مسارات الحل والتفاوض السياسي متذبذبة، نظراً لتعقيدات الموقف الحالي، والتي تتأرجح أسبابها ما بين الانفراج والانحسار".

وأعادت ذلك إلى عدة عوامل، أولاً "التطورات الميدانية الأخيرة، وذلك بالنظر إلى التقدم الأوكراني المدعوم من الغرب في مناطق الجنوب والشرق، مقابل حسم نتائج استفتاء موسكو والإعلان عن ضم أربع مناطق أوكرانية خاضعة لسيادة الاتحاد الروسي. وهو ما قد يدفع بعرقلة مسار المفاوضات المُحتملة".

وثانياً؛ بحسب إيمان زهران "ما يتمثل في كون الأزمة الروسية - الأوكرانية هي في حقيقة الأمر صراع على إعادة إنتاج أقطاب النظام الدولي، وإعادة التموضع الروسي بالمجال الحيوي. إذ أن معادلة الصراع الرئيسة والمباشرة تتمثل في موسكو مقابل الكتلة الغربية وواشنطن، ومن ثم النهج الغربي والأمريكي يعد أكثر ميلاً لاستنزاف المقدرات الروسية دون الإسراع بمسارات الحل التفاوضي، رغبة منهم في الحفاظ على هيكل النسق الدولي فيما بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991".

وأضافت "أما ثالثاً؛ فقد يحدث اختراق بالعملية السياسية وإعادة الدفع بمسار المفاوضات مرة أخرى، خاصة من جانب الكتلة الأوروبية الأكثر تضرراً من الصراع القائم على كافة المستويات الأمنية مع تصاعد ملف اللاجئين، وهشاشة الأوضاع والترتيبات التنموية والاقتصادية مع التلويح الروسي بعسكرة ورقة الطاقة".

مسارات عديدة للأحداث

وبات التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا، طاحناً بصورة متزايدة، حيث زادت تحذيرات مراكز الأبحاث الروسية والأميركية من خطر نشوب حرب كبيرة، نظراً لأن سياسة "كل طرف يريد إنهاك الطرف الأخر"، أظهرت فشلها، لأن كلا الطرفين (الروسي والغربي) يدعيان أنهما يحققان مكاسب في الآونة الأخيرة.

وترى إيمان زهران في هذا السياق أنه "لازال من المُبكر التنبؤ بمسارات حسم الصراع الروسي - الأوكراني، خاصة مع تداخل أطراف دولية أوروبية وأميركية، بما قد يطيل أمد الصراع خاصة مع التحوّل بالمعادلات الميدانية على أرض الصراع، فضلاً عن حجم التداعيات المباشرة وغير المباشرة على الضم الروسي لأربع مناطق أوكرانية، وما لذلك من ارتدادات مختلفة على كافة مجالات الداخل الأوروبي، بالتزامن مع الارتفاع الجنوني في الأسعار، وتعطّل المؤسسات الصناعية بالقارة الأوروبية، وتوقف إمدادات الغاز نتيجة العقوبات على روسيا".

واشارت إلى أن ذلك "سينعكس بشكل مباشر على تنامي حدة الاضطرابات الاجتماعية والتي بدأت تتبلور في التوجهات التصويتية بالانتخابات التي تشهدها عدد من الدول الأوروبية، حيث أفضت أغلبها لصعود القوى اليمينية، التي تطالب بهامش استقلالية أكبر عن سياسية الولايات المتحدة الأميركية".

وعن تداعيات تصاعد الصراع الروسي - الغربي على النفوذ في أوكرانيا على كييف وأوروبا وإلى أي مدى سيتدحرج هذا الصراع، قالت استاذة العلاقات الدولية: "أوكرانيا حالياً ليست في وضع يسمح لها باختيار التحركات القادمة، والتي لن تخرج عن ثلاث مسارات رئيسة: الأول، التصعيد عبر طلب الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، والثاني الحفاظ من جانب النظام الأوكراني على استمرار دعم حلف الناتو لعملياته الميدانية، والثالث فيتمثل في استمرار التقدم الميداني الاوكراني في مدينة ليمان الاستراتيجية لإحداث التوازن المطلوب بمعادلات الصراع القائم، خاصة بعد إعلان موسكو ضم أربع مناطق أوكرانية حيوية".

أوروبا تستشعر الخطر

ومع تصعيد المواجهة الحالي، كانت أوروبا تستشعر خطر التصعيد، عبر سعيها إلى بناء جيشها الخاص، حيث طالب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2018 لتأسيس جيش أوروبي موحد، بعيد عن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وذلك بعد أن وصف ماكرون الأخير بأنه "ميت دماغياً"، وهو ما أثار حفيظة الولايات المتحدة التي تعتبر نفسها عرابة هذا الحلف، حيث بدأت دوائر القرار الأميركي بتكثيف عملها عبر افتعال الأزمة الأوكرانية قبل تجهيز الجيش الأوروبي، وهو ما جعل من الدول الأوروبية المنضوية ضمن حلف الناتو، إلى التفكير مرة أخرى بالعمل ضمن سياق الناتو وهو ما أجّل، بحسب مراقبين، فكرة إقامة جيش أوروبي قوي بعيد عن النفوذ الأميركي.

استاذة العلاقات الدولية إيمان زهران بدورها استبعدت بناء جيش أوروبي خاص خلال الفترة الحالية والتي تشهد بحسب ما تقول "تصاعد التيارات القومية واليمينية المتطرفة بأغلب الدول الأوروبية، لكن من المُحتمل بشكل أكثر واقعية تعزيز حلف شمال الأطلسي بما يتناسب وطبيعة التهديدات القائمة والناتجة عن الحرب الروسية - الأوكرانية". 

ومن التحديات التي تواجه الأوربيين الساعين إلى الاستقلال الذاتي، قالت الوكالة الدولية للطاقة، إن أوروبا تواجه "مخاطر غير مسبوقة"، بشأن إمداداتها من الغاز الطبيعي هذا الشتاء، بعد أن قطعت روسيا معظم الشحنات، وكذلك رفض أوبك زيادة إنتاج النفط بغية زيادة المعروض النفطي بغية تخفيض أسعاره لصالح أوروبا وذلك مع قدوم فصل الشتاء البارد.

أما إيمان زهران فترى أن "كافة التقديرات تنتهي إلى أن الدول الاوروبية ستمر بأزمة طاقة خلال فصل الشتاء القادم، وهو ما دفع الجميع للحصول على البدائل المتاحة، بدأ من التقارب التعاقدي مع دول منظمة غاز شرق المتوسط عبر إبرام عقود الغاز والطاقة مع مصر وإسرائيل، او عبر الاتفاقات المشتركة مع دول مجموعة "الأوبك+"، إذ أن الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية أصبح لديهم ملف البدائل المتاحة للطاقة على أجندة الأولويات الحالية والمستقبلية". 

على وقع الصراع في أوكرانيا.. سخونة ملفات العالم تزداد

ومع تزايد برودة الطقس في أوروبا، وزيادة سخونة الملفات سواء في أوكرانيا أو في تايوان وكوريا الشمالية والقوقاز وتحذيرات الأمم المتحدة من خطر تصاعد الصراع في سوريا وانتهاء الهدنة في اليمن وتحذيرات الممثلة الخاصة للأمين العام في العراق، جنين هينيس - بلاسخارت من اقتراب العراق من حافة الهاوية، وتعليق مفاوضات النووي الإيراني، والانقلابات وهجمات داعش المتزايدة في أفريقيا، وعودة المفخخات إلى أفغانستان، كلها توحي باحتدام صراع كبير دولي حول إعادة رسم الخرائط والنفوذ من جديد.

ولعل التحذيرات والتعليقات المقلقة خلال اليوم الأول من دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي انعقدت مؤخراً في نيويورك، لرئيس وزراء صربيا، ألكسندر فوتشيك، من أنّ العالم على وشك تجربة "صراع عالمي كبير" من المحتمل أن يبدأ في الشهرين المقبلين، تشير إلى أن العالم أمام مرحلة خطيرة من صراع القوى على النفوذ.

فوتشيك افترض في كلامه "أننا نغادر مرحلة العملية العسكرية الخاصة (الروسية) ونقترب من نزاع مسلّح كبير، والآن يصبح السؤال أين هو الخط، وفيما إذا كنا بعد فترة زمنية معيَّنة - ربما شهر أو شهرين - سندخل في صراع عالمي كبير لم نشهده منذ الحرب العالمية الثانية".

أستاذة العلاقات الدولية، إيمان زهران، ترى في هذا الصدد أنه "من الصعب حسم تلك الفرضية، خاصة وأن واشنطن لم تغير موقفها من الحرب الأوكرانية، وهو أنها لن تدخل في حرب عالمية ثالثة ضد روسيا، والتي ستكون حرباً نووية تتسبب في فناء العالم، لكن من الممكن أن تكون هناك مناوشات وتضييقيات بين الطرفين الأميركي والروسي في عدد من المناطق الحيوية ذات الاهتمام لدى كلا البلدين، مثل الملف السوري في الشرق الأوسط، وملف تايوان في شرق آسيا".

(ي ح)

ANHA