​​​​​​​أردوغان.. سيد الانتهازية

"فوق مقابر حلفائها، تمشي تركيا إلى مصالحها. ليس لدى حلفائها سوى الشعور بالأسى وهو أقصى ما يمكن أن يفعله العاجز"، هكذا يمكن قراءة الخطوات التي يخطوها النظام التركي بغية تحقيق مصالحه مع إسرائيل أولاً، ثم حكومة دمشق أخيراً.

​​​​​​​أردوغان.. سيد الانتهازية
الثلاثاء 30 آب, 2022   02:55
غزة - عمر موسى

تعكس مواقع التواصل الافتراضي حالة الامتعاض الشعبي الفلسطيني إزاء موقف حركة حماس "الناعم" من إعلان تركيا استئناف كامل العلاقات مع إسرائيل. على المقلب الآخر، تعطي عودة العلاقات بين تركيا وإسرائيل، معنى أكثر دقة لأعوام طويلة من تعامل تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان الانتهازي مع القضية الفلسطينية كورقة من أجل مصالحه في المنطقة واستقطاب شعبية وشرعية.

حماس وتركيا.. طعم الخذلان الممتع

لم تعلق حركة حماس على إعلان تركيا استئناف كامل العلاقات مع إسرائيل إلا بعد أن حُشرت في الزاوية، بعد تصريح من وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، الذي قال فيه، إن الرئيس الفلسطيني وحماس، يريدان تطبيع علاقاتنا مع إسرائيل وأن علاقاتنا مع إسرائيل مهمة لهم أيضاً"، وأنه بذلك: "سندافع بشكل أفضل عن القضية الفلسطينية، ولا ينبغي أن يعني ذلك بأن تركيا ستقدم تنازلات في القضية الفلسطينية".

حافظت الحركة في البداية على السكوت، ثم اضطرت للتعليق على مضض على المسألة، في بيان مقتضب، نفت فيه تصريحات أوغلو، قائلة: "إنها ترفض كل أشكال التطبيع الذي يتعارض مع ثوابتنا الوطنية ومصالح شعبنا وشعوب المنطقة العربية والإسلامية".

لم تكن لهجة حماس، اللهجة ذاتها مع دول أخرى اتجهت للتطبيع مع إسرائيل كدول الخليج. الأمر الذي وجده الشارع الفلسطيني تغاضياً من الحركة أو محاولة لـ "إغماض العين عن تركيا التي يحق لها ما لا يحق لغيرها". يمكن ملاحظة ذلك، عبر جولة سريعة في مواقع التواصل الافتراضي التي تستعرض محطات الخذلان التركي وتعامله الانتهازي مع القضية الفلسطينية.

بعضهم رأى أيضاً أنه يظهر في كل مرة غلبة موقف انتماء حركة حماس إلى جماعة الإخوان المسلمين، أكثر من انتمائها إلى القضية الفلسطينية. ظهر ذلك، حين زارت الحركة حزب العدالة والتنمية الإخواني في المغرب بعد توقيع اتفاقية التطبيع مع إسرائيل، وظهر أيضاً في مواقف تركيا وتقاربها المستمر مع إسرائيل.

عولت حركة حماس كثيراً على تركيا، حتى علقت في السنوات الماضية لوحة دعاية كبيرة وسط مدينة غزة، ظهر فيها أردوغان إلى جانب عدد من الزعماء العرب وقد كتب عليها: "القدس تنتظر الرجال". أعاد كثيرون مشاركة هذه الصورة، مُعربين عن سخريتهم من مواقف تركيا، وموجهين نقدهم لحماس عن صمتها.

في الغضون، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي حسن عبدو، لوكالتنا، أن حديث تركيا عن تمسكها بالقضية الفلسطينية رغم تطبيع العلاقات مع إسرائيل "أمراً يخالف المنطق والواقع. كيف يمكن مثلاً أن تدعم إسرائيل وتنسق معها أمنياً وتجارياً، في المقابل، يجري التصريح بهذه الأقاويل؟ أمر غير منطقي!" يقول عبدو.

ويضيف، أن تركيا تتحرك على أساس مصالحها الخاصة "وهو ما يظهر في كل مرة عند الحديث عن أي تقارب مع إسرائيل أو اي علاقات معها". مبيناً: "أن تركيا من بدأت بتمهيد إعادة العلاقات مع إسرائيل، الأمر الذي يوضح حاجة تركيا المستمرة لإسرائيل كورقة لكثير من الملفات في المنطقة".

مرمرة.. الدم المر، حلو في لسان أردوغان

يعيدنا التقارب بين إسرائيل وتركيا، للحديث عن اللحظة التي كانت سبباً في البعد - الرسمي إلى حد ما- لأن العلاقات التجارية والأمنية لم تنقطع.  تراجعت العلاقات بين البلدين بعد حادثة أسطول مرمرة الذي انطلق إلى غزة عام 2010 بغية كسر الحصار عن قطاع غزة. لكن إسرائيل اعترضت الأسطول وقتلت عدداً من الأتراك وأصابت آخرين، واحتجزت الأسطول. أدى ذلك إلى توتر في العلاقات بين تركيا وإسرائيل.

لكن منتصف العقد الجاري وفي خضم الأزمة، قبلت تركيا بالتعويض الإسرائيلي عن الضحايا والخسائر، وبدء عودة العلاقات، وبالفعل قبل النظام التركي التعويض الإسرائيلي.

 كانت الخطط التركية والدعايات التي تطلقها تركيا أبعد بكثير عن الواقع، إذ لم تتطور القطيعة مع إسرائيل إلى حد العداء. بل غلبت تركيا مصالح نظامها على دماء الناشطين الأتراك الذين قتلوا. يطرح ذلك، تصوراً عن الميكانيزمات (استراتيجيات دفاع نفسية) التي تحكم سير النظام التركي، وما يُمكن أن يرتكبه في سبيل تحقيق أهدافه.

من الذي بادر؟

يذكر تقرير معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، أن تركيا هي الطرف الذي بادر وسعى إلى إعادة العلاقات مع إسرائيل، وبحسب التقرير فإن تركيا تعتبر أن تحسين علاقاتها مع إسرائيل سيحسن علاقتها مع الولايات المتحدة. ووفق التقرير، قد تحاول تركيا ربط تدهور علاقاتها مع واشنطن وبين علاقاتها مع إسرائيل، كورقة من أجل الموازنة.

ويشير إلى أن الولايات المتحدة الأميركية أعلنت في تموز الماضي، مصادقة الكونغرس على تحفظات حيال بيع طائرات "إف - 16" لتركيا، كان ذلك، بضغط من اللجنة اليهودية الأميركية، وهي لوبي إسرائيلي في الولايات المتحدة.

ويبين التقرير أن عودة تركيا إلى التطبيع مع إسرائيل يأتي في سياق تطبيع أنقرة علاقاتها مع دول أخرى في الشرق الأوسط، كالإمارات والسعودية ومصر. ويوضح أنه على الرغم من معارضة تركيا لـ "اتفاقيات أبراهام" (اتفاقات التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل)، إلا أنها "تسعى إلى استغلال الفرص الماثلة في هذا الحراك الإقليمي الذي تشكل بعد الاتفاقات".

ويلفت التقرير إلى أن المؤشرات الإيجابية التي أرسلتها أنقرة إلى بشار الأسد في سياق إعادة تطبيع العلاقات، هي خطوة دراماتيكية أكثر من تطبيع العلاقات مع إسرائيل. ويبين التقرير، أن تركيا، تحاول إعادة رسم السياسة الإقليمية التركية.

الانتهازية التركية

يتقاطع التقارب التركي مع إسرائيل، مع سعي تركيا للتقارب مع الدول العربية كمصر والإمارات والسعودية. توضح هذه المحاولات التركية، فشل استراتيجية استعداء دول المنطقة بغية تحقيق مصالحها في الهيمنة بالقوة، إلى جانب حجم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها تركيا، خصوصاً مع الانتخابات المرتقبة.

وفي السياق نفسه، يمكن قراءة محاولة تركيا التقارب مع حكومة دمشق بعد سنوات من حالة العداء الشديد بمنطق الانتهازية الخالصة التي تحاول بكل الطرق، الوصول إلى مصالحها، على حساب حلفائها، ومناصريها. وكل ذلك، تحت مظلة من الدعاية المضللة التي تضلل الشعوب عن أهداف النظام التركي.

(ي ح)

ANHA