من غزة إلى لبنان.. رسائل العملية العسكرية الإسرائيلية في غزة

بدءاً من غزة، وصولاً إلى لبنان، كان للعملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في غزة، أهداف ورسائل مختلفة.

من غزة إلى لبنان.. رسائل العملية العسكرية الإسرائيلية في غزة
الجمعة 19 آب, 2022   04:04
مركز الأخبار- زياد أبو غزالة- عمر موسى

في 5 آب/أغسطس الجاري، شن الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية ضد الجهاد الإسلامي، اغتال خلالها اثنين من أبرز القادة العسكريين في الجهاد، إلى جانب كوادر آخرين في الجناح العسكري للحركة، كان قرار العملية الإسرائيلية منطلقاً من محددات مختلفة، لكن أرضيتها الرئيسة، كانت أحداث مايو/ أيار 2021. للعملية العسكرية أيضاً محددات مختلفة، ورسائل أرادت إسرائيل إيصالها عبر غزة ولـ غزة.

كسر النموذج

شكلت الهبة الشعبية في الأراضي الفلسطينية في مايو/أيار 2021، نذير خطر استراتيجي لإسرائيل، إذ لأول مرة منذ أكثر من عقدين، تحدث هبة متزامنة في كل الأراضي الفلسطينية، وفي مدن إسرائيل الداخلية. أحست إسرائيل، بالخطر الشديد من المنجزات التي تحققت لصالح الفلسطينيين بعد أن اتحدت الساحات الفلسطينية في هبة واحدة، لأول مرة منذ سنوات طويلة، فيما رأت الفصائل الفلسطينية، أنها حققت إنجازاً استثنائياً، وأنها رسخت معادلة جديدة مع إسرائيل، اتحدت فيها كل الساحات الفلسطينية.

بعد انتهاء الهبة التي حدثت في مايو/أيار الماضي، أعلنت حركة الجهاد الإسلامي أيضاً تشكيل خلايا عسكرية في عدة مناطق في الضفة الغربية. تحولت هذه الخلايا خلال أكثر من عام إلى مصدر قلق حقيقي لإسرائيل، إذ باتت تنصب كمائن للقوات الإسرائيلية عند اقتحامها لمناطق الضفة الغربية، وتحاول بشكل مستمر استهداف القوات الإسرائيلية.

ضمنياً، كانت هذه المجموعات والخلايا مسنودة من حركة الجهاد الإسلامي في غزة، وكانت الأخيرة، إلى جانب حركة حماس، ترد على التهديدات الإسرائيلية بشن عملية عسكرية على مخيم جنين - بؤرة تجمّع الخلايا المسلحة، بأنها لن تترك مخيم جنين لوحده، أي أنها سترد على أي عملية عسكرية ضد مخيم جنين، وفي المخيم، كانت تقتدي هذه الخلايا بالفصائل الفلسطينية في غزة التي وصلت لمرحلة متطورة على المستوى العسكري.

لم يكن ذلك، منفصلاً عن الحالة العامة التي أفرزتها الهبة الشعبية في مايو/أيار، التي ولدت شعوراً فلسطينياً بالممكن لأول مرة، وأنهم بمقدورهم ردع إسرائيل وإفشال مخططاتها.

حاولت الفصائل الفلسطينية، وأبرزها حركتي حماس والجهاد الإسلامي تثبيت أهم مُنجز خرجت به من الهبة، وهو ربط الساحات الفلسطينية مع بعضها، وقد أطلقت عليها معادلة "القدس - غزة".

على المقلب الآخر، شعرت إسرائيل، أمام تنامي الخلايا المسلحة وعمليات استهداف القوات الإسرائيلية، أنها أمام واقع صعب بالنسبة لها وتحول وُصف بـ "الاستراتيجي"، خصوصاً بعد سلسلة العمليات التي نفذت داخل إسرائيل. لذلك، بدأت العمل على تفكيك المنجزات التي حققتها الفصائل الفلسطينية في غزة، و"حالة النصر العامة التي أفرزتها الهبة في مخيلة الفلسطينيين".

بحسب تقارير إسرائيلية، فإن إسرائيل، أدركت أن التحولات التي تعيشها الضفة الغربية، تأتي في جزء رئيس منها، بتأثير مباشر من تراكم "إنجازات الفصائل الفلسطينية في غزة"، وسعيها لربط الساحات الفلسطينية مع بعضها.

لذلك، عملت خلال عام مضى على تفكيك هذا المنجز، بدءاً من إعادة اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصىٍ، وهي الخطوة التي كانت أحد أسباب اندلاع الهبة في العام الماضي، وصولاً إلى البدء في عمليات اغتيال هادئة ضد الخلايا المسلحة في الضفة الغربية ومخيم جنين، وأبرزهم الخلايا التي تتبع لحركة الجهاد الإسلامي. وأمام صمت الفصائل الفلسطينية في غزة وعدم رغبتها في دخول تصعيد عسكري جديد، وجدت إسرائيل أنها حققت مُعالجة للتحول الذي حدث العام الماضي، وبادرت بتتويجه بـ "عملية عسكرية ضد الجهاد الإسلامي في غزة"، كتتويج لـ "كسر النموذج الفلسطيني في مخيلة الفلسطينيين".

ورقة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة

إلى جانب ذلك، تعاملت الحكومة الإسرائيلية الجديدة برئاسة يائير لابيد، مع غزة كمساحة لـكسب حيز في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وزيادة رصيده السياسي. فمنذ عام، بدت هناك شكوك داخل إسرائيل بشأن الردع والمبادرة العسكرية مع غزة، بعد الحالة التي أفرزتها هبة مايو/أيار، وشعور "الهزيمة"، في إسرائيل "والنصر"، في خيال الفلسطينيين.

لذلك، يقدر مراقبون أن العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة، كانت محاولة من لابيد لزيادة رصيده السياسي، وتعزيز حظوظه في الانتخابات المقبلة في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني. وبحسب تقارير إسرائيلية، فإن نتائج استطلاعات التي أجرتها بعض المؤسسات الإعلامية والبحثية في إسرائيل قد أظهرت أن لابيد حصد تقدماً بنسبة 3%، بعد العملية العسكرية في غزة.

قرصة أذن

أحد أهداف العملية العسكرية الإسرائيلية في غزة، كان توجيه رسالة أو ما أسمته الصحافة الإسرائيلية "قرصة أذن"، لحركة الجهاد الإسلامي في حال قررت الحركة - تبعاً لكونها غير مرتبطة بحسابات الحكم والسلطة كحركة حماس، أن تتدخل في حال اندلاع تصعيد عسكري مع حزب الله. بحسب التقارير الإسرائيلية فإن إسرائيل لا تستبعد أن تشتعل جبهات مختلفة في حال اندلاع تصعيد عسكري مع حزب الله.

وغزة من الجبهات المحتملة، لذلك، كانت العملية العسكرية، "تحركاً استباقياً ضرورياً" وفق الإعلام الإسرائيلي، لعرقلة أو تكبيد الجهاد الإسلامي خسارات كبيرة، في عتاده وكوادره البشرية، خشية أن ينضم في حالة اندلاع تصعيد عسكري مع حزب الله.

العملية في غزة والعين على لبنان

لَفَحَتْ حرب غزة المشهدَ اللبناني الذي لم يكد أن يهنأ بارتفاع أسهم تحقيق اختراقٍ حاسم في ملف الترسيم البحري مع إسرائيل، حتى هبّ عليه لهيب المواجهة بين تل أبيب وحركة "الجهاد الإسلامي"، ما أثار مخاوف في الأوساط اللبنانية أن يتكرر سيناريو المواجهة وتباغت إسرائيل "حزب الله" في حربها كما فعلت بغزة. فهل لبنان عامة، والحزب خاصة على استعداد لهكذا حرب؟

من جديد يشعل غاز البحر المتوسط نيران الخلاف الحدودي بين لبنان وإسرائيل، ووضعهما في سباق مع الوقت، باتت حدوده أسابيع معدودة، لحل النزاع بالمفاوضات، التي ترعاها الولايات المتحدة، قبل الدخول في مواجهة عسكرية.

كان ذلك، فحوى تهديدات "حزب الله"، التي أطلقها أمينه العام حسن نصر الله في ذكرى عاشوراء، بقطع يد إسرائيل إذا امتدت إلى نفط لبنان وغازه، مؤكداً ترقّب الردّ الإسرائيلي فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية بين البلدين.

وقال نصر الله في كلمة مخاطباً الآلاف من مناصريه احتشدوا في الضاحية الجنوبية من بيروت، إن اليد التي ستمتد إلى ثروات لبنان ستقطع، مشدداً على وجوب أن يبقى نفط لبنان وغازه وماؤه له وألا يسمح لأحد بأن يسلب منه خيراته وثرواته.

وشدّد نصر الله على أن لبنان لا يمكن بعد اليوم أن يتسامح في نهب ثرواته وقال "نحن وصلنا إلى آخر الخط وسنذهب إلى آخر الطريق فلا يجربنا أحد"، محذراً من أن أي اعتداء محتمل "لن يبقى بدون ردّ".

السيناريو نفسه

المتابع للمشهد اللبناني وما سبقه في قطاع غزة، يرى أن التصريحات والنبرة العالية في تهديدات حزب الله مشابهة لحركة الجهاد الإسلامي، التي سبقت حرب الأيام الثلاثة، والتي باغتتها إسرائيل باغتيال أحد قادتها، ما أثار تساؤلات عدة في الأوساط اللبنانية، هل سيتكرر السيناريو في الجنوب؟ وكيف ينظر "حزب الله" إلى التقديرات حول احتمال حصول حرب؟ وهل هناك تحضيرات ميدانية لمواجهة مثل هذه الحرب؟

أوساط مطلعة على أجواء الحزب تقول إن الاستعدادات الإسرائيلية لشنّ حرب على لبنان مستمرة، وأن الجيش الإسرائيلي عمد إلى إجراء عشرات المناورات العسكرية، وأعد الكثير من الخطط الميدانية، وطوَّر منظوماته العسكرية واللوجيستية، لكن رغم كل هذه التحضيرات لم يصل الأمر إلى حد اتخاذ القرار بشنّ الحرب.

وتوضح الأوساط أن أي حرب سيشنها الجيش الإسرائيلي على لبنان أو "حزب الله" يجب أن تؤدي إلى نتائج حاسمة وسريعة، لأن الجيش الإسرائيلي لا يريد تكرار ما حصل عام 2006 من تطور الحرب إلى مواجهة واسعة، كما أنه يريد إنهاء القدرة الصاروخية للحزب في التصريحات الأولى، كي لا يستطيع إنزال خسائر كبيرة في الداخل الإسرائيلي.

في ضوء ذلك، فإن هذه الأوساط تعتبر أنه حتى الآن لم يصل الإسرائيليون إلى قرار واضح بأن أي حرب ستشن على لبنان وحزب الله ستحقق أهدافها، بالإضافة إلى أن الأوضاع الإقليمية والدولية غير مساعدة لحصول مثل هذه الحرب حالياً.

وتكشف هذه الأوساط عن أن الحزب في حال استعداد ميداني دائم للرد على أي عدوان، وأن هناك متابعة دائمة لكل ما يقوم به الجيش الإسرائيلي من تحضيرات، وأن أي حرب مقبلة لن تكون مؤلمة للبنان فقط، بل كذلك لإٍسرائيل، وقد تكون المواقف الإسرائيلية نوعاً من التهويل والحرب النفسية لطمأنة الداخل الإسرائيلي.

من سيطلق الرصاصة الأولى؟

قال وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، في تصريح على مواقع التواصل الافتراضي: إن "دولة لبنان وقادتها، يدركون جيداً أنهم إذا اختاروا طريق النار، فسيحترقون بشدة ويتضررون"، مؤكداً أن "إسرائيل مستعدة لبذل الكثير لجعل جيرانها يزدهرون ومستعدة للعمل طوال الوقت لحماية مواطنيها"، مضيفاً: "نحن جاهزون بكل الأبعاد - في الجو، والبحر، والبر، وفي الحرب الإلكترونية"، مشدداً على أن "عدوان حزب الله غير مقبول ويمكن أن يقود المنطقة بأسرها إلى تصعيد غير ضروري."

ويؤكد الخبير العسكري العميد خليل الحلو، أنه ليس من مصلحة "حزب الله" أبداً إطلاق الصاروخ الأول، "إلا إذا أرادت إيران ذلك، وهذا برأيي أيضاً مستبعد، فالشعب اللبناني لن يكون معه وسيخسر تأييد فئة كبيرة من اللبنانيين لا يزالون يناصرونه، لكنه إذا رد على اعتداء إسرائيلي، سيخرج حينها بصورة المدافع عن لبنان وبنيته التحتية وثرواته."

ويتابع الحلو بالقول: "وفي المقابل لا يبدو أن هناك نية لدى إسرائيل في ابتداء حرب، وهو ما يظهر في طبيعة تصريحات قادته العسكريين والسياسيين.

ففي جولة لرئيس الوزراء الإسرائيلي على الحدود الشمالية مع لبنان، بعد واقعة المسيرات، أشار في تصريح له إلى أن "إسرائيل مستعدة وجاهزة للتصرف ضد أي تهديد"، لافتاً إلى أن بلاده "لا تسعى لمواجهة، لكن من يحاول المساس بسيادتنا أو بمواطني إسرائيل سيكتشف بسرعة أنه ارتكب خطأ فادحاً".

(ش ع)

ANHA