الدول العربية تطبّع مع إسرائيل وتفاوض إيران.. خريطة سياسية جديدة تتشكل في المنطقة

تشهد منطقة الشرق الأوسط جولات ولقاءات مكثفة بين قادة دول المنطقة، فما بين هرولة الدول العربية نحو التطبيع مع إسرائيل والمساعي حول حل الأزمة بين الدول الخليجية وإيران، يرى مراقبون أن هناك خريطة سياسية جديدة ترسم للمنطقة، وذلك على وقع الحديث عن الانسحاب الأميركي من المنطقة والتحرك العسكري الروسي في أوكرانيا.

الدول العربية تطبّع مع إسرائيل وتفاوض إيران.. خريطة سياسية جديدة تتشكل في المنطقة
الخميس 28 تموز, 2022   02:27
مركز الأخبار- كيفارا شيخ نور

أعلن وزير الخارجية الإيراني، أمير حسين عبد اللهيان، إن بلاده تبلغت موافقة الرياض على انتقال الحوار الهادف إلى إعادة العلاقات المقطوعة، منذ أعوام، بين الخصمين الإقليميين من المستوى الأمني إلى السياسي.

كما أكد الوزير الإيراني أن الإمارات والكويت تعتزمان رفع مستوى تمثيلهما الدبلوماسي في طهران إلى مستوى سفير قريباً، بعد خفضه على إثر قطع العلاقات بين إيران والسعودية، حيث أجرى البلدان خمس جولات من الحوار في بغداد بدءاً من العام الماضي.

وأقيمت الجولة الأخيرة في نيسان، وحضرها مسؤولون في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ورئاسة الاستخبارات السعودية، وذلك وفق تقارير صحفية، كما كشف وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، أن الاجتماع المقبل بين المملكة العربية السعودية وإيران في العاصمة العراقية، بغداد، سيكون علنياً.

وقطعت السعودية علاقاتها مع إيران في كانون الثاني 2016، بعد تعرض سفارتها في طهران وقنصليتها في مشهد، لاعتداءات من قبل محتجين على إعدام الرياض رجل الدين السعودي الشيعي المعارض، نمر النمر.

وتعد إيران والسعودية أبرز قوتين إقليميتين في الخليج، وهما على طرفي نقيض في معظم الملفات الإقليمية وأبرزها النزاع في اليمن، حيث تقود الرياض تحالفاً عسكرياً داعماً للحكومة المعترف بها دولياً، وتتهم الأخيرة طهران بدعم جماعة أنصار الله "الحوثي".

كذلك، تبدي السعودية قلقها من نفوذ إيران الإقليمي وتتّهمها بـ "التدخّل" في دول عربية مثل سوريا والعراق ولبنان، وتتوجّس من برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية، كما تنظر طهران بعين الشك إلى علاقة الرياض بالولايات المتحدة.

وتأتي تصريحات أمير عبد اللهيان بشأن الحوار مع الرياض، بعد أيام من تأكيد الإمارات أنها تبحث تعيين سفير في طهران، بعدما خفضت تمثيلها إثر قطع العلاقات الإيرانية - السعودية.

ويرى مراقبون لشؤون المنطقة أن الدول العربية تسعى لعقد تحالفات في كافة الجهات بغية حماية نفسها من التقلبات التي جلبها "الربيع العربي"، وكذلك الحديث الأميركي المتكرر عن الانسحاب من الشرق الأوسط والتركيز على "التهديدين" الروسي والصيني، وهو ما جعل الدول العربية تتجه نحو التطبيع مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه حاولت ترطيب أجوائها مع إيران.

وتوجهت الكثير من البلدان نحو إعادة تطبيع العلاقات بينها، فالبعض بررها بخوف تلك الدول من إيران، فيما اعتبرها آخرون حاجة ضرورية عبر عقد تحالفات في ظل المعادلات الدولية الجديدة بعد التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا.

خريطة سياسية جديدة

مدير مركز الكنانة للدراسات السياسية والاستراتيجية، هاني الجمل، فسّر بدروره توجه العرب نحو عقد العلاقات مع إسرائيل وإيران في آن واحد، بأن "هناك العديد من الملفات الساخنة يشهدها العالم وخاصة بعد العملية الروسية في أوكرانيا والتي أعادت تشكيل الحركة السياسية العالمية، وبالتالي باتت هناك قوة إقليمية جديدة تخلق بعد كورونا وصعود روسيا فضلاً عن الدعم الصيني اللا محدود لروسيا".

وأضاف "بالتالي بات جلياً للمجتمع الدولي أن هناك خريطة سياسية جديدة تعمل على إسقاط القطب الأوحد(أميركا)، ووجود أقطاب عديدة، وبالتالي أصبحت هناك تحركات من الدول التي ترى في الجانب الروسي بأنه الملاذ الجديد في العلاقات، وبديل لعلاقاتها مع أميركا".

التقارب من بوابة الملف الاقتصادي

الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، قام – في آخر أيام ولايته - ببعض الخطوات الاستباقية في منطقة الشرق الأوسط، عبر حض الدول العربية على تطبيع العلاقات مع إسرائيل عبر سلسلة اتفاقات مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، إلا أن الدول العربية سعت في نفس الوقت إلى التقرب من طهران، بغية عدم استفزاز الأخيرة، إلا أن هذه الخطوة بررها البعض بأنها بدافع الحيطة، بغض النظر عن رأي الأميركي أو الإسرائيلي.

وفي هذا السياق، يقول الجمل: "المخاوف التي كانت تصدرها أميركا لهذه الدول قد قلّت، وبالتالي باتت تلك الدول تبحث عن تحالفات دولية جديدة، أمن إسرائيل هو الخط الأول والأخير وهي ما تؤكد عليه دائماً واشنطن في علاقاتها مع دول الشرق الأوسط، وبالتالي أصبح التطبيع هو خطوة لتأكيد للعلاقات الكلاسيكية بين دول الخليج وأميركا من خلال دعم هذا التطبيع وخاصة في الجانب الاقتصادي، حيث تملك إسرائيل العديد من الأوراق الاقتصادية التي تدير منطقة الشرق الأوسط، وهو ما جعل بعض الدول العربية تهرع نحو هذا التطبيع للتأكيد على أن الملفات الاقتصادية هي التي ستكون لها تأثير كبير، خاصة أن هذه الدول لا تمتلك قوة عسكرية لمواجهة أي دولة بشكل مباشر، وبالتالي أصبحت علاقتها بإسرائيل هي علاقة تداعمية في مواجهة بعض الأخطار التي تحاول أن تصدرها أميركا لهذه الدول". 

وعلى المقلب الآخر، سعت الولايات المتحدة في قمة جدة التي حضرها الرئيس الأميركي، جو بايدن ومجموعة من قادة الدول العربية، إلى تشكيل "ناتو عربي" يجمع هذه الدول مع إسرائيل، بغية دفاع تلك الدول عن نفسها إزاء "التهديدات الإيرانية"، إلا أن تصريحات المسؤولين العرب نفت السعي إلى هكذا تحالف، وأشارت التحليلات إلى أن العرب يتجنبون الحديث عن هكذا تحالف علانية، بغية عدم إغضاب إيران ذات التأثير الكبير في المنطقة عبر وكلائها في لبنان وسوريا وفلسطين والعراق واليمن.

وفي هذا السياق، يقول مدير مركز الكنانة للدراسات السياسية والاستراتيجية: "توضح جليّاً من خلال قمة جدة أن هناك بعض الدول كمصر ترفض وجود ناتو عربي في منطقة الشرق الأوسط، كون هذا التحالف مسيطر عليه من قبل واشنطن ووضع إسرائيل فيه كقوة كبرى في هذا التحالف يضعف الدول العربية بما تمتلكه من قدرات عسكرية واقتصادية وامتلاكهم لأدوات الطاقة والتي تجد لها مكانة مميزة في ظل الأزمة الروسية - الأوكرانية".

وأضاف الجمل "وجب على المنطقة العربية أن تكون هناك تحالفات فيما بينها، كما شهدنا محاولات عقد تحالفات بين الأردن ومصر والعراق وإدخال بعض دول الخليج التي ترغب في ذلك حتى تكون هي قوة مستقلة بعض الشيء لمواجهة الأخطار (التركية أو الإيرانية أو الإسرائيلية)، ودعم العلاقات البينية العربية وأمن المنطقة العربية في مواجهة هذه الأخطار، وخاصة أن لعبة السياسة والقطب الأوحد بدأت تنتهي وسوف يكون هناك ظهور لكتل سياسية جديدة تقود العالم، وبالتالي وجود علاقات مع طهران، حيث هناك علاقات طبيعية بين الدول العربية وطهران أساسها اقتصادي، وعلى الرغم من وجود اختلاف من امتلاك إيران برنامج نووي والذي يهدد أمن دول الخليج، ومع ذلك هناك قنوات خلفية دبلوماسية تسير بخطى ثابتة ما بين إيران والسعودية فضلاً عن إعلان الإمارات بأنها لن تدخل في تحالفات عسكرية ضد إيران".

وأوضح "معنى ذلك أن الملف الاقتصادي هو الذي ينظم العلاقات بين دول الخليج وإيران، وبالتالي لن تستهدف دول الخليج إيران، لأن طهران تمتلك أدوات الضغط الكبيرة على دول الخليج سواء من خلال تحريك الحوثيين في اليمن وتهديد أمن الخليج أو من خلال السيطرة على حزب الله في لبنان والذي يعد نقطة تماس أخرى في الصراع الخليجي - الإيراني، وبالتالي في حال حدوث أي صراع في المنطقة دول الخليج هي المتضرر الأكبر؛ لأنها لا تمتلك أدوات بشكل أقوى، حيث تملك إيران منهجاً تستطيع من خلاله السيطرة وتحقيق أهدافها الإقليمية والاستراتيجية، هكذا تحالفات تخفف الضغط على الدول العربية التي تأن تحت وطأة الأزمات، وبالتالي ليس لها مقدور في الدخول في صراعات عسكرية".

الصراع الإيراني - الإسرائيلي هو صراع على الهيمنة

واعتبر مدير مركز الكنانة للدراسات السياسية والاستراتيجية، الصراع الدائر غير المباشر بين إسرائيل وإيران في المنطقة بأنه "صراع للسيطرة على مقدرات المنطقة في فلسطين وسوريا ولبنان وفي دول الخليج"، مضيفاً "هاتان الدولتان ترتقيان لمعرفة بأن ما تمتلكانه من أسلحة نووية لن تعود بالنفع عليهما في حال استخدامها، وبالتالي تلعب هاتان الدولتان على فرصة من يستطيع أن يمتلك الفرص الأقوى للتواجد في الملفات الاقتصادية والاجتماعية مع دول الخليج".

وأما بخصوص تأثير العلاقات العربية مع إسرائيل على علاقتها مع إيران، يقول الجمل: "وجود علاقات ما بين الدول العربية وإيران لن يؤثر على وجود علاقات بين الدول العربية وإسرائيل وهو ما ظهر بشكل كبير في منتدى غاز المتوسط من أجل تصدير الطاقة إلى أوروبا، وبالتالي وجود علاقات عربية مع إيران لن يؤثر على علاقات تلك الدول مع إسرائيل".

(ي ح)

ANHA