​​​​​​​لبنان بلا أدنى المقومات الأساسية للعيش

أصبح تأمين مقومات العيش الأساسية الشغل الشاغل للبنانيين في هذه الأيام، إذ باتت صعبة المنال، ما يكمل مشهد الانهيار اللبناني يوماً بعد يوم، مع انقطاع المواد الحيوية كالبنزين والخبز والمياه والكهرباء.

​​​​​​​لبنان بلا أدنى المقومات الأساسية للعيش
الخميس 7 تموز, 2022   03:07
بيروت – زياد أبو غزالة

في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ينضم لبنان إلى تسعة بلدان أخرى غير مرتفعة الدخل، أعدت خلال العقد الماضي إحصاءات باستخدام مؤشر الفقر متعدد الأبعاد. يؤدي انضمام لبنان إلى هذه البلدان إلى زيادة نسبة تغطية البلدان النامية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بإحصاءات حديثة للمؤشر لتبلغ 77 في المائة، ما يجعلها تحتل اليوم المرتبة الثانية من حيث أعلى تغطية بعد منطقة جنوب آسيا.

وفي آخر تقرير أممي هذا العام، أكد أن الأعمال المدمرة للقادة السياسيين والماليين في لبنان هي المسؤولة عن دفع معظم سكان البلاد إلى الفقر، في انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وأرجع السبب إلى "دمج الإفلات من العقاب والفساد وعدم المساواة الهيكلية في نظام سياسي واقتصادي فاسد مصمم لإخفاق من هم في القاع".

وأضاف التقرير أن "المؤسسة السياسية كانت على علم بالكارثة التي تلوح في الأفق لسنوات، لكنها لم تفعل شيئاً يذكر لتلافيها، حتى أن الأفراد المرتبطين جيداً نقلوا أموالهم إلى خارج البلاد، بفضل الفراغ القانوني الذي سمح بتدفق رأس المال إلى خارج البلاد".

ومع الانتخابات البرلمانية في 15 أيار/ مايو، دعت الأمم المتحدة الحكومة المقبلة إلى وضع المساءلة والشفافية في "قلب ومحور أعمالها"، بدءاً من الكشف العلني عن مواردها المالية وتضارب المصالح ومطالبة مسؤولي البنك المركزي بالقيام بالمثل.

لا خبز يكفي

يصطف عشرات المواطنين أمام الأفران في معظم المناطق اللبنانية منذ ساعات الصباح، سعياً لتأمين ربطة خبز لأسرهم، فيما عمد بعض التجار إلى بيعها في "السوق السوداء" بأسعار خيالية، ما دفع وزير الاقتصاد أمين سلام إلى إحالة أخبار إلى النيابة العامة المالية موثقة بالأرقام والأدلة تُظهر بيع الطحين المدعوم المخصص للخبز العربي في السوق السوداء بأثمان مضاعفة من قبل الأفران، وإدخال محسنات عليه لاستعماله في صناعة الحلويات والكعك والخبز الإفرنجي، بما يدر عليهم أرباحاً مضاعفة، طالباً التحرك السريع لمحاسبتهم.

وينعكس الشح باحتياطات مصرف لبنان على كل القطاعات. وهو طال مؤخراً ربطة الخبز. فرغم تأكيد وزير الاقتصاد أن لا أزمة رغيف ما لم يفتعلها أصحاب الأفران، باعتبار أن الدعم لا يزال مستمراً والاعتمادات مفتوحة، قال نقيب أصحاب الأفران علي إبراهيم، إن سبب أزمة الخبز هو "إقفال عدد من المطاحن بسبب عدم توافر القمح المدعوم، وعلينا توقع الأسوأ".

وفي السياق، تشهد محطات البنزين أيضاً طوابير السيارات، بعد سريان شائعات عن التوجه لتسعير صفيحة البنزين بالدولار، ورفع الدعم نهائياً عنها من قبل مصرف لبنان، الذي لامست احتياطاته منذ فترة الخطوط الحمر.

ورد عضو نقابة أصحاب المحطات جورج البراكس أزمة نهاية الأسبوع للشائعات غير الصحيحة عن تحويل سعر البنزين من دولار "صيرفة" إلى دولار السوق السوداء، وكذلك نتيجة التأخر في تفريغ باخرة بنزين، موضحاً أن الباخرة بدأت تفرغ حمولتها، وأن البنزين عاد يُوزع على المحطات بشكل طبيعي.

صعوبة في الحياة

يؤكد المواطن اللبناني شادي الخطيب، أن لديه معاناة بسبب الأوضاع الاقتصادية التي عصفت بلبنان، ويقول لوكالتنا: "حياتُنا أصبحت اليوم صعبة للغاية. نادراً ما نأكل حدّ الشبع".

ويضيف: "فقدت العام الماضي عملي في سوق الخضار"، ويشرح "حين ارتفعت أسعار الخضار كثيراً أصبح صعباً على كثير من الأشخاص - على من هم مثلي - شراء الخضار والفاكهة".

يحاول شادي التقاط أي فرصة عمل يتمكن من أدائها، مهما كانت، كي يتمكن من الاستمرار ويقول: "أعيش بقدر ما في جيبي" وهو طبعاً قليل جداً جداً هذه الأيام. يجني شادي نحو مائة ألف ليرة لبنانية يومياً (أي ما يعادل 3 دولارات وفق سعر الصرف اليومي في السوق السوداء) وبهذا المبلغ الزهيد جداً يحاول توفير الطعام والسكن والثياب إلى أطفاله.

ولا يزال شادي قادراً إلى حدّ ما على شراء الطعام، أو لنقُل بعض أنواع الطعام، ويقول "نتناول العدس والأرز وبعض أنواع الخضار. وهنا، اعتاد الناس على مساعدة بعضهم البعض. هذا كل ما يمكننا فعله فليس أمامنا خيار سوى الصبر".

لا فرص عمل

بالنسبة إلى غالبية الناس في لبنان، أصبح الصمود على قيد الحياة أشبه بالتحدي. فبعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام على التدهور الاقتصادي الهائل في البلاد، الذي ترافق مع قيود دفعت إليها جائحة كوفيد-19، أصبح الوصول إلى أساسيات العيش شبه محال.

"كان كل شيء صعباً الحصول عليه هذا العام، من الغذاء إلى الأدوية إلى كل الأساسيات الأخرى. علينا أن نستغني لزاماً عن أولويات كثيرة - وقد ألغينا اللحوم والدجاج من لائحة غذائنا، ومع مرور الوقت علينا أن نستغني أكثر فأكثر عن مواد غذائية أساسية أخرى".

هذا ما قاله سامر حسين بأسى شديد، إذ تبدو الصورة سوداوية في عينيه. ويقول: "عشنا طوال عمرنا في هذه المنطقة". وهو لا يزال يسكن في منزل بسيط ولد فيه وهو يملكه، وهذا ما يبثّ فيه بعض الفخر. فأسرته طالما كانت قادرة من قبل على إعالة نفسها لكن الأمور تبدلت كثيراً اليوم.

صحيح أن الحياة لم تكن يوماً سهلة على هؤلاء، لكنها أصبحت اليوم، أكثر صعوبة. وفي هذا الإطار يقول سامر لوكالتنا: "كنتُ أخرج طوال الأعوام الثلاثة الماضية يومياً بحثاً عن عمل. وكنت أجد أحياناً فرصة عمل يومية وأحياناً لا. وهذا ما عزز استحالة استمراري في إعالة أسرتي، في ظلّ الارتفاع المستمرّ في الأسعار".

مخاوف سامر وأمثاله في لبنان سواء المقيم أو اللاجئ أو النازح، لا تُعدّ ولا تُحصى، أبرزها كيفية تأمين سلامة أطفالهم وحمايتهم، فلا يختلف اثنان أن الوضع اليوم يجعل قدرة معظم الأسر على إعالة نفسها شبه مستحيل، إذ أصبحت تعتمد في شكل متزايد على المساعدات التي تتلقاها.

(ي ح)

ANHA