"النفوذ التركي" المتصاعد في لبنان.. بحث عن مصالح تحت غطاء إنساني

تكثفت المساعدات التركية التي تواصل جمعيات تركية إرسالها، حيث تنشط هذه الجمعيات بشكل مكثف منذ انفجار مرفأ بيروت وتستمر بتنفيذ "مشاريع إنسانية وتنموية" على كافة الأراضي اللبنانية. ما يطرح تساؤلات قديمة حديثة، لماذا تقدم تركيا هذا الكم من المساعدات للبنان؟

"النفوذ التركي" المتصاعد في لبنان.. بحث عن مصالح تحت غطاء إنساني
الجمعة 29 نيسان, 2022   02:11
بيروت – زياد أبو غزالة

يؤكد مراقبون أن خطط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التوسعية خلال الأعوام الأخيرة، شهدت تطوراً ملحوظاً، مستغلاً الأوضاع الصعبة التي تعصف بعدد من البلدان العربية والأفريقية، فمن ليبيا إلى اليمن إلى الصومال ثم جيبوتي وصولاً إلى لبنان، تحاول أنقرة إيجاد موطئ قدم يحقق لها طموحاتها الاستغلالية والاستيطانية.

ويأتي لبنان على رأس قائمة المطامع التركية، بحسب ما تعكس آراء المحللين السياسيين والإعلاميين والمشهد على الأرض، حيث تحظى تركيا بولاء كبير من التيار السنّي في لبنان، والذي انتفض مؤخراً لمجرّد أن أحد الإعلاميين شتم الرئيس التركي، حيث خرجت تظاهرات مندّدة، خاصة شمال البلاد.

ولم يتوقف دعم تركيا للجمعيات والتكتلات السنّية في لبنان، بل يحاول أردوغان التغلغل في الجيش عن طريق تقديم الدعم له، حيث تسلمت لبنان حاوية ذخيرة تركية حية من عيارات مختلفة، لصالح الجيش اللبناني.

وفي آذار/ مارس 2018، سلّمت السفارة التركية لدى بيروت الجيش اللبناني 147 قطعة غيار للدبابات ولناقلات الجنود المدرّعة، تصل قيمتها إلى مليون دولار. كما أدرجت تركيا لبنان في "برنامج المساعدة العسكرية الخارجية التركي" عام 2015.

وتعهّدت تركيا، خلال مؤتمر "روما 2"، آذار/ مارس 2018، بدعم القوات المسلحة اللبنانية عبر توسيع مساعداتها العسكرية للمؤسسات الأمنية اللبنانية في الأعوام المقبلة.

كما تعهّدت بتقديم معدات عسكرية بقيمة 7 ملايين دولار إلى "الفوج النموذجي" (قوات خاصة لبنانية)، الذي سيتمّ إنشاؤه في جنوب لبنان فور إبرام الاتفاقات اللازمة.

غطاء "إنساني"

هذا رسمياً، إلا أن جمعيات غير حكومية، تنشط في لبنان عبر تقديم مساعدات "إنسانية وتنموية"، التي بدأت تتدفق تباعاً منذ أشهر، وازدادت في شهر رمضان، عبر بواخر تركية تحط رحالها في مرفأ بيروت وطرابلس؛ إما بمنح تقدمها الحكومة ومؤسساتها إلى القوى الأمنية والجيش، أو تلك المقدمة للهيئة العليا للإغاثة، ومنها للبلديات اللبنانية على اختلاف انتماءاتها الدينية والمذهبية.

وتنشط هذه الجمعيات بشكل مكثف منذ انفجار مرفأ بيروت صيف عام 2020، وتُوّج هذا النشاط بوصول سفينة "الخير"، التي احتوت على متنها نحو ألف طن من المساعدات الإنسانية والغذائية، والتي جرى توزيعها على الأسر الفقيرة في مناطق لبنانية متفرقة.

كما تنشط وكالة التعاون والتنسيق "تيكا" لبنانياً، عبر دعم مشاريع لبنانية حكومية أو غير حكومية، وتجري العديد من الشراكات مع العديد من الوزارات والمؤسسات الحكومية، وآخرها وزارة البيئة بالتعاون في مجالات النفايات الصلبة والحطب الصناعي، بالمقابل فإن هناك اهتماماً تبديه أنقرة لدعم صمود المؤسسات الأمنية، وهذا الاهتمام وفقاً للمعطيات يأتي في إطار التجاوب الحكومي التركي مع طلب رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، والذي يتواصل بشكل مستمر مع الجانب التركي، بهدف اختلاق حلول لإنقاذ الجسم الأمني والعسكري في ظل الأزمة التي تعصف بلبنان مع الانهيارات العسكرية.

ويأتي ذلك بعد شهرين من زيارة ميقاتي مع وفد حكومي رفيع إلى أنقرة، جرى خلاله نقاش معمق حول الأزمة المستحكمة في الاقتصاد اللبناني، وامتداد الأزمة التي خلفتها كورونا على كل الدول النامية والمتعثرة، فيما طلب ميقاتي من أردوغان، فتح تركيا ذراعيها لاحتضان لبنان "إنسانياً وتنموياً"، وسيترجم بمساعدات مستمرة في الغذاء والدواء ومشاريع التنمية للقرى والأرياف بالتعاون مع جهات حكومية لبنانية.

وكان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو زار بيروت، وطرح على الحكومة اللبنانية الوليدة أن تقوم أنقرة بمشاريع حيوية في ملفات الكهرباء والنقل والنفايات.

لماذا هذا الدعم؟

تقول الصحفية اللبنانية هلا نصر الدين، إن أردوغان يسعى إلى تنصيب نفسه "أباً جديداً للسنّة"، ويعيد شمل "الأمّة" تحت جناحه، خصوصاً بعد تراجع دور المملكة العربيّة السعوديّة في هذا المجال، وتراجع دورها في لبنان وانكفائها إلى حدّ كبير بسبب تركيزها على ترتيب بيتها الداخلي وانشغالها بجبهات أخرى.

وتؤكد هلا نصر الدين لوكالتنا، أن التحليلات ونظريّات المؤامرة عن الدور التركي في لبنان تكثر، مع غياب المعلومات الوافية والأدلّة الملموسة والمعلنة عن أهدافها ومصالحها. فهل تسعى تركيا إلى التوسّع في لبنان وتحقيق مكاسب سياسيّة؟ أم إلى ملء الفراغ على الساحة السنيّة؟ وهل لبنان هو جزء من مشروع تركي محتمل في المنطقة؟ أسئلة لا إجابات عليها، إلا في المستقبل القريب، خاصة بعد الانتخابات، وغياب اللاعب السني الأساس، رئيس "تيار المستقبل" سعد الدين الحريري.

علاقة التيارات السياسية مع تركيا

لا شك أن تركيا حليف استراتيجي لأطراف سياسية، لا سيما "السنية" منها، فالجماعة الإسلاميّة لها علاقة مباشرة مع تركيا باعتبار الأخيرة "حاضنة" لجماعة الإخوان المسلمين، فـ "حزب العدالة والتنمية" قد يُعتبر نسخة تجديديّة منقّحة عن الإخوان المسلمين، أسوة بتجربة راشد الغنوشي و"حركة النهضة" التونسيّة، مع اختلاف السياق والتجربة طبعاً.

ولكلّ من نجيب ميقاتي وفيصل كرامي وأشرف ريفي ووليد جنبلاط وغيرهم.. علاقات وطيدة أيضاً مع الأتراك. وعلى الرغم من تقارب الأحزاب السياسية مع تركيا، ولكن "لا تملك تركيا حليفاً صلباً في الساحة اللبنانية، كل ما هو موجود عاطفة سنية نتيجة ضعف القيادة وتعثر الثورات بسبب دول الخليج".

في المقابل، فإن الاستحقاق الانتخابي هو البوابة الرئيسة لأي طرف إقليمي لعرض عضلاته في الساحة اللبنانية، وهذا ما يبدو من العودة السعودية ودعم فرقاء مناوئين لـ "حزب الله"، ومساعي حكومة دمشق للحصول على كتلة برلمانية مؤيدة له، وتوحيد "حزب الله" لحلفائه لتمتين الحضور الإيراني في اللعبة الإقليمية الكبرى، فيما لا حضور تركي في المشهد الانتخابي، فالعديد ممن يعلنون قربهم من الجانب التركي، لم يترشحوا للانتخابات بسبب عدم وجود أي دعم مالي أو سياسي تقدمه لهم أنقرة على غرار الدعم السعودي أو الإيراني لبعض القوى.

فيما الجماعة الإسلامية التي تُبدي حباً مجانياً لتركيا، لا يجري دعمها ولا استقبالها بشكل رسمي في تركيا، بسبب عدم وجود وزن سياسي أو برلماني لها، حيث تتعاطى أنقرة مع القوى السياسية بناءً على تمثيلها الرسمي برلمانياً وحكومياً، بالإضافة إلى أن التقارب التركي - العربي يحتم التخلي عن احتضان أي مكون إضافي تابع للإخوان.

(ي ح)

ANHA