ملف مرفأ بيروت.. محقق إضافي بالنيابة عن الخصم المتضرر

لم تطوَ بعدُ سجلات المعركة بين المحقق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت، القاضي طارق بيطار، وطبقة سياسية تتعارض مصالحها مع تقدم التحقيقات لكشف المجرم أو المجرمين المتسببين بأكبر ضربة للبنان في عصره الحديث. فتلك الطبقة لم تتوانَ للحظة منذ مباشرة بيطار مهامه، عن كف يده وتعطيل صلاحياته. ويظهر في مسار سياسات الطرف الخصم، تعيين محقق إضافي، لا هدف من وراء تعيينه إلا تقييد حركة القاضي بيطار، وخنق إجراءاته.

ملف مرفأ بيروت.. محقق إضافي بالنيابة عن الخصم المتضرر
الأحد 24 نيسان, 2022   00:10
بيروت - زياد أبو غزالة

وفي التفاصيل، مقترح قانون ينص على تعديل بعض نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية المتعلقة بالمجلس العدلي في ملف تفجير المرفأ. عملياً، هذا يعني تعيين محقق عدلي إضافي تنحصر مهمته في النظر بمذكرات التوقيف التي يصدرها البيطار، مزوّداً بصلاحيات إبطالها، والبت بطلبات إخلاء سبيل الموقوفين، على أن تبقى التحقيقات بمتناول البيطار.

وفي حديث لوكالتنا، قال المحامي اللبناني علي عباس: "لا شك أن ثمة محاولات من الطبقة السياسية لكف يد القاضي طارق بيطار، من خلال استمرارها بتأمين الحماية والمظلات السياسية للوزراء والنواب المحسوبين عليها. وبناءً على ذلك توجد مساعٍ عديدة لمنع القاضي بيطار من الاستمرار في التحقيقات، أو طلب أشخاص في مراكز مهمة بالدولة اللبنانية".

وأضاف عباس: "تجرّب هذه الطبقة السياسية اليوم، وسائل أخرى لإيجاد طريقة توقف قرارات بيطار، لا سيما أن قرارات المجلس العدلي في لبنان غير قابلة للاستئناف أو أي شكل من أشكال الطعن العادية، إلا في حالات محددة ودقيقة من إعادة المحاكمة. وبالتالي يحاول هذا الفريق تعديل قانون المجلس العدلي عن طريق وضع محقق عدلي آخر يكون مختصاً في النظر بمذكرات إخلاء السبيل، لمنع أي قرار صادر عن بيطار لا يعجبهم".

لا ريب أن الرمي بالمقترح الجديد في طريق التحقيقات، يهدف أوّلاً إلى إلغاء مفعول مذكرات التوقيف الغيابية الصادر بحق عدد من السياسيين، على رأسهم وزير المالية السابق علي حسن خليل، ووزير الأشغال الأسبق يوسف فنيانوس، المحسوب على تيار "المردة" سليمان فرنجية. بالإضافة إلى الملاحقات التي تستهدف مجموعة سياسية أخرى، يتقدمها رئيس الحكومة السابق حسان دياب، إلى جانب بعض القادة الأمنيين والعسكريين. بمعنى آخر هذه الخطوة ليست إلا تحايلاً على التحقيقات، لرفع السقف عالياً جداً فوق أولئك السياسيين.

"بيطار" ليس حديث عهد بالتضييقات

وعن موقف القاضي طارق بيطار إزاء الضغوط الممارسة ضده، قال المحامي علي عباس: "أستبعد أن يكون القاضي بيطار في صدد الموافقة على وجود شخص من هذه المنظومة يهدد أي قرار يراه هو مهماً لتقديم قراره الظني. ولا أتصور أن يقبل أهالي الضحايا بهذا الشيء".

قد يكون ما يصدر اليوم، في مواجهة القاضي بيطار حدثاً جللاً، من شأنه حرف التحقيقات عن مسارها لصالح المنظومة السياسية الحاكمة. لكن بيطار وعلى وقع طبول الحرب التي تقرع في كل حين، كسب جولة جديدة في مسرح المواجهة القانونية مع المأزومين من عمله، وذلك بعد أن رفضت محكمة التمييز المدنية برئاسة القاضي عفيف الحكيم السير بالدعوى راغدة الزين ضد بيطار، وهي أرملة علي صوان الذي قتل في انفجار المرفأ. والسبب في ذلك أن الدعوة قدمت خارج حدود المهلة القانونية، وعليه تقرر ردها وإلزام المدعية بدفع غرامة مالية قدرها 800 ألف ليرة، ودفع الرسوم والنفقات القانونية كافّة.

وقد رأت المحكمة في قرار الرد هذا أن المدعية راغدة الزين عددت أسبابها لطلب رد البيطار، واعترفت صراحة بما لا لبس فيه أنها تقدمت مع مجموعة من المتضررين بانفجار المرفأ بشكوى ضد بيطار إلى وزير العدل هنري خوري في 20 تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي، وقد عرضت فيها المجموعة أداء المحقق العدلي مطالبة بتنحيته عن الملف. وبعد شهرين، وتحديداً في 14 كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه، تقدم أولئك جميعاً بطلب إفادة عن مصير الشكوى المذكورة. وبذلك يكون سبب رد البيطار المقدم بداية آذار/ مارس الماضي، قد ورد خارج المهلة القانونية، ومنطقياً، لم يعد من حاجة إلى بحث أي من الأسباب المطروحة، بالإضافة إلى طلبات العطل والضرر.

استكمال التحقيقات، صلاحية لا وسيلة للقضاء عليها

ومنذ وقوع الانفجار الضخم في مرفأ بيروت، والمماطلة السياسية والقضائية سيدة الموقف. وكل مرّة ترتدي المماطلة عباءة جديدة. وفي المعركة الأخيرة التي لن تكون آخر معارك الحرب المحتدمة بين الفريقين، تظهر مسألة محكمة التمييز وملء النصاب، بعد أن كانت فقدته بداية العام الحالي جراء إحالة أحد أعضائها على التقاعد. وإن ذلك لم يندرج في سياق حزمة تشكيلات ومناقلات قضائية شاملة، إنما جاء على عجالة وغير مكتمل، إسهاماً في تذليل العقبات أمام القاضي بيطار الذي عرقل عمله منذ نهاية العام الماضي.

وفي شأن السيناريوهات المحتملة للواقع القضائي في لبنان، قال المحامي علي عباس: "بالنسبة للمشهد القضائي في لبنان حالياً، نحن بانتظار أن يثبت مجلس الوزراء مرسوم تشكيل محكمة التمييز بسبب النقص الذي كان موجوداً. ويبدو أنه يوجد محاولة للمماطلة في موضوع تكملة قضاة محكمة التمييز لكسب الوقت، ولكن في النهاية لا بد من البت في هذا المرسوم، والبت في طلب الاعتبار، ومن المحتمل رد الطلب، فقد سبق أن قُدم مثله وتمّ رفضه".

وتابع عباس: "وهنا يصبح للمحقق العدلي الحق في متابعة التحقيقات، وإصدار المزيد من مذكرات التوقيف، وهذا ما يجرب الطرف الآخر منع حدوثه، عبر تعديل القانون أو استبدال القاضي بيطار، أو أساليب أخرى".

وخلص عباس إلى أنه "في النهاية، للقاضي بيطار الحق في استكمال التحقيق، وله أن يصدر اتهامات حتى لو لم يستمع للوزراء المطلوب الاستماع إليهم على اعتبار الحق في محاكمتهم غيابياً، وتحويل الملف بعد الادعاء عليهم وإصدار مذكرات توقيف بحقهم ولو غيابياً إلى المجلس العدلي. وهنا يصبح دور المجلس في الاستماع إليهم وإصدار قراره بشأنهم".

(ح)

ANHA