حان وقت تحرير عفرين – خليل جمال

حان وقت تحرير عفرين – خليل جمال
الخميس 17 آذار, 2022   23:27

في الذكرى السنوية الرابعة للاحتلال التركي لمقاطعة عفرين، لا تزال سياسات الإبادة التي تنتهجها الدولة التركية الفاشية والمحتلة ومرتزقتها على العفرينيين والشعب الكردي فيها مستمرة. إذ يتم تدمير جغرافية عفرين وقيمها التاريخية والثقافية، حيث تنتهج الدولة التركية سياسة التتريك تحت مظلة الإبادة الاجتماعية والثقافية في جميع المناطق المحتلة، لا سيما عفرين. وتُنفذ سياسات الإبادة والاستبداد اللا إنسانية هذه في ظل قبول وصمت عالمي.

لرؤية أن احتلال عفرين لم يقتصر على الدولة التركية وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، يجب معرفة التطورات التي سبقت الاحتلال بإيجاز. حينها سيظهر بوضوح كيفية اتحّاد القوى العالمية والمحليّة التي تبدو في ظاهرها معادية لبعضها البعض، عندما يتعلق الموضوع بسوريا في حرب التقسيم هذه.

كما أننا سنستطيع تقييم أسباب حرب التقسيم الدولية المندلعة في أوكرانيا الآن، إذا قمنا بتفسير وشرح هجوم عفرين بشكل صحيح. وعندها سنستطيع تعريف الشعوب بالشكل الذي ينبغي أن يكون عليه نضال الحرية أو الحماية، وللوصول إلى مثل هذا العقلية، يجب العودة للنظر باختصار إلى سوريا، والوضع المحلي والعالمي السابق لـ 20 كانون الأول عام 2018. 

في 9 آب، اجتمع بوتين بالزعيم الفاشي أردوغان في سان بطرسبرغ، وبدأت الدولة التركية الفاشية والمحتلة باحتلال جرابلس وإعزاز والباب في 24 آب عام 2016 باسم عملية "درع الفرات". وهذا الاحتلال يشبه احتلال روسيا لجورجيا أو لأوكرانيا. فقد كانت الذريعة تـأمين حدود الدولة. ولم تقف الولايات المتحدة الأمريكية ضد هذا الاحتلال، وبهذه الطريقة انطلقت عملية احتلال الدولة التركية الفاشية للأراضي السورية.

الاجتماعات السريّة

أسفرت المفاوضات اللاحقة عن توقيع روسيا وتركيا وإيران لاتفاقية تتعلق بتأسيس أربع مناطق آمنة في سوريا هي: (إدلب وحمص والغوطة الشرقية وجنوب البلاد). وفي الحقيقة، كانت هذه الاتفاقية مقدمة تحضيرية لاحتلال عفرين والهجمات التي لحقتها. وفي سياق هذا التطور، بدأت مرحلة جديدة من الاتفاقات والتحالفات، سرية أو علنية.

انطلق اجتماعان في مدينة عمان الأردنية، قبل أيام من اجتماع بوتين وترامب في مدينة هامبورغ الألمانية في السابع من تموز عام 2017. وحضر أول اجتماع سرّي؛ الممثل الروسي الخاص في سوريا ألكسندر لافرنتييف، والممثل الأمريكي الخاص في سوريا مايكل راتني، والممثل الأمريكي الخاص لمكافحة داعش، بريت ماكغورك وممثل الموساد الإسرائيلي ومسؤولون عسكريون. أما الاجتماع السرّي الثاني فقد حضره مسؤولون إسرائيليون وأمريكيون وأردنيون. وعقب هذه المفاوضات السرّية، اتفق كلٌّ من بوتين وترامب في قمّة هامبورغ على وقف لإطلاق النار وإنشاء منطقة آمنة على الحدود السورية الأردنية، وجنوب غرب (درعا والقنيطرة). واتُخذ القرار بأن تقوم الشرطة العسكرية الروسية بمراقبة عملية وقف إطلاق النار بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية والأردن الداعمة لها أيضاً.      

وقبل أن تحتل الدولة التركية الفاشية والمحتلة عفرين، عُقد في 11 من تشرين الثاني عام 2017 اجتماع بين الرئيس الروسي بوتين والرئيس الأمريكي ترامب حول سوريا. وأُعلن في التصريح اللاحق للاجتماع عن المواضع التي تم الاتفاق بشأنها.

كما عقد بوتين مع الزعيم الفاشي أردوغان في 13 من تشرين الثاني عام 2017 اجتماعاً آخر حول سوريا. وانطلقت القمة الثلاثية في سوتشي عقب هذا الاجتماع، في 22 تشرين الثاني عام 2017 بمشاركة حسن روحاني.

ملحمة المقاومة في كل شبر من الأرض

اجتمع بوتين مع الزعيم الفاشي أردوغان في الأول من كانون الأول عام 2017 في أنقرة، والتقى قبل ذلك الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وكان موضوع هذه الاجتماعات أيضاً سوريا وذكّرت كثافة الحركة الدبلوماسية بمرحلة المؤامرة الدولية.

بعد هذه التطورات، وُضعت عملية احتلال عفرين على الأجندة وانطلقت عملية الاحتلال بأكثر من 100 طائرة حربية ومئات المدافع والدبابات في 20 كانون الثاني عام 2018. فيما التزم العالم أجمع الصمت حيال جرائم الحرب التي ارتكبتها الدولة التركية الفاشية ومرتزقتها.

حركة الاجتماعات السابقة للحرب، والتي تحدثنا عنها بإيجاز في الأعلى، تكشف هوية المهاجمين بوضوح للعلن. المهاجمون هم القوى الفاشية والاستعمارية والامبريالية أو القوى العالمية. ومن يتعرض للهجوم هو الشعب العفريني الذي يعمل على تطبيق النموذج الاشتراكي الديمقراطي الذي تعمل في كنفها المرأة بحريّة ومساواة. ولهذا فقد كانت مقاومة عفرين معركة للدفاع عن حرية الشعوب.

 فشعب عفرين لم يقاوم الاحتلال والاستعمار فحسب، بل قاوم أيضاً ضد كل شكل من أشكال الاحتلال. ولهذا سميت هذه المقاومة الملحمية التي خاضها الشعب العفريني حوالي الشهرين، على الرغم من عدم تكافؤ موازين القوى بين الطرفين، بـ "مقاومة العصر". 

دور العمالة في الاحتلال

لقد تم التفريط بالمنجزات الكردية في 25 من أيلول عام 2017 من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني في باشور، باسم "استفتاء الاستقلال". وأسفر الاستفتاء عن احتلال قوات حكومة بغداد للأراضي التي تسمى بـ "المناطق المتنازع عليها" والتي تعد كركوك مركزها. وتدلّ حقيقة القوى التي وافقت على احتلال عفرين والقوى التي تدعم احتلال كركوك على الإصرار على اتفاقية سايكس بيكو.

بمعنى أنه تم احتلال الكرد، وإبادتهم مرة أخرى مثلما تم تقسيم العالم عام 1916 (1914-189). وظهر دور العمالة مرة أخرى في هذه المرحلة. كما كان الحال على الدوام، إذ واصل الحزب الديمقراطي الكردستاني دوره هذا في عفرين على يد الحزب الديمقراطي الكردي- السوري والمجلس الوطني الكردي، لقد عرّضوا المكاسب الكردية للخطر من أجل مصالحهم أثناء المؤامرة الدولية وفي باشور أيضاً. 

إن مصالح العالم الرأسمالي متبلورة في الهجمات التي شُنّت على المكتسبات الكردية في كركوك وعفرين بكل وضوح؛ لأنه ومهما تدخلت أمريكا بـ "النظام العالمي الجديد" و "مشروع الشرق الأوسط الكبير" من أجل إعادة تصميم الشرق الأوسط من جديد، فإن حكّام العالم القديم وخاصة بريطانيا وفرنسا وروسيا لم تدعم هذه المشاريع والمخططات بالكامل. كما أن القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران والدولة التركية الفاشية والمحتلة لا ترغبان بتوصل الكرد إلى كيان سياسي. وذلك لأن العديد من الدول الإقليمية أسست وجودها وكيانها خلال اتفاقية سايكس – بيكو والحربين العالميتين الأولى والثانية من خلال إنكار الوجود الكردي. وهذا يُظهر أن القضية الكردية هي قضية عالميّة من جهة وإقليمية من جهة أخرى. لقد حوّل نضال الحرية بقيادة القائد آبو المشكلة الحالية من قضية الهوية إلى نضال الحرية والديمقراطية. وفي النتيجة أصبحت القضية الكردية رمزاً للبحث عن نظام بديل لنظام الهيمنة القائم.

ولم يقتصر الأمر على بنية الدولة القومية المتعصبة العالمية والإقليمية فحسب؛ بل على الحزب الديمقراطي الكردستاني والمجلس الوطني الكردي اللذين يعدّان من أكثر التشكيلات الكردية الهجومية، المتواطئة في التاريخ. ومثلما رأينا في مجزرة شنكال، فقد واصل دوره في إعادة تصميم المنطقة على يد داعش. 

دور الحزب الديمقراطي الكردستاني في الاحتلال: التمويه

بدءاً من جبهة النصرة ومروراً بداعش وانتهاءً بالدولة التركية لقد جعلوا الحزب الديمقراطي الكردستاني والمجلس الوطني الكردي يتوليان مهمة خيانة مشروع الحياة الحرّة التي تتصاعد في كامل شمال وشرق سوريا، وخاصة روج آفا. حتى أنهما يدعمان ارتكاب كل أشكال المجازر بحق الكرد. ولهذا كانا دائماً حاضرين في مخططات المجزرة في اسطنبول وأنقرة.  وفي عفرين أيضاً فقد رأيناهما يخدمان العدو بقدومهما كتمويه يشرعن الاحتلال والإبادة. لم يريا جرائم الدولة التركية الفاشية ومرتزقتها، لكنهما وجدا الشعب الكردي وقياديه الذين خاضوا المقاومة مذنبين.

وفي سياق هذه التطورات، جرى العمل على القضاء على كردية عفرين المحتلة، وإنشاء مخيّم مليء "بمجمعات" المرتزقة وممولة من قبل الحكومة الألمانية، وأصبح مركزاً لتصدير الجهاديين، مثلما رأينا في ليبيا وقره باغ وأوكرانيا. ولهذا ما يجري في عفرين ليست عملية إبادة جماعية بحق الكرد فقط؛ بل أصبح مركز هجوم ضد البشرية بأكملها، تجري أمام أنظار الجميع.

كل هذا يظهر أنّ القوى العالمية والإقليمية تكافح ضد حياة النموذج الديمقراطي والبيئي والحر في عفرين، على الرغم من كل ما بينهم من صراعات وتضارب في المصالح. الدولة التركية ومرتزقتها هي بيادق هذه الحرب فقط. ولهذا فإن شعب عفرين وقواته الرائدة يتحدون حول نموذج القائد آبو ويقولون "لن نتخلى عن نضال الحرية حتى لو هاجمنا العالم أجمع".

حان وقت تحرير عفرين

بينما نسير نحو نوروز الانتصار، فإننا نؤكد في عامنا الخمسين أن رغبة العفرينيين بتحرير مدينتهم وحرية القائد آبو ليست هدفهم وحدهم؛ بل هدف جميع الشعب الكردي وأصدقاء كردستان، ونهج الحرية هو ضد كل شكل من أشكال التواطؤ والخيانة. وعلى هذا الأساس فإن وحدة الكرد والشعوب هي ضمانة الحرية في النضال ضد كل شكل من أشكال الهجمات الاحتلالية والإبادة. ولهذا فإن مقولة "حان وقت تحرير عفرين" سيكون شعاراً للنصر بالنسبة للعفرينيين.