عن الحالم الأخير: "أوجلان الذي زارني" - منى يسري

عن الحالم الأخير: "أوجلان الذي زارني" - منى يسري
الخميس 10 آذار, 2022   23:25

ذات صباح بارد من صباحات القاهرة الشتوية، المدينة التي لا تعرف البرد إلّا قليلًا، كان من المفترض أن أكون في المدرسة، أقعدني المرض إذ ألمّت بي حمى شديدة، ألزمتني الفراش، طفلة مريضة لا تجد سوى التلفاز وسيلة تسلية، انقطع بث الفيلم الصباحي فجأة، لتقديم نشرة الأخبارـ يتصدرها رجل يشبه رجال مدينتي، وجهه مألوف، كثيف الشارب حاد العينين، له طلّة أخاذة لا تخطئها عين ناظر. مكبل اليدين يقاد إلى مكان ما...لم يعلق اسمه في ذهن فتاة في عامها الثامن، لكنه عبدالله، مؤكّد أنّه واحدٌ منّا!.  حديث مذيع التليفزيون يؤكّد القاء القبض عليه من قبل قوات الأمن، علقت صورته في ذهني، بعد أن تعاطفت معه دون أن أعرفه.

مرّت الشهور وعادت صورة الرجل مجددا إلى التليفزيون المصري مجددًا، صباح يوم صيفي حار، أذكر أنّه كان قبيل أيام من عيد ميلادي التاسع... كانت الأخبار تقول إنه حكم عليه بالإعدام!

أتذكر هذا الضيق الذي استشعرته وقتها، ربما غير مناسب لطفلة في عمري أن تستمع إلى نشرات الأخبار، لكنها قناة واحدة رئيسية لا نملك غيرها، قبل أن يغزونا سيل الفضائيات بما لذّ وطاب من وسائل الترفيه. مرّ الوقت واختفى الرجل عن الأنظار، لا أعرفه ولا أذكر اسمه، ولا نملك حينها انترنت حتى أبحث عنه وأعرف كل شيء في لحظة مثلما نفعل الآن، لكنه عاد مجددًا وتعرفّت به من جديد حين برز اسم حزب العمال الكردستاني أثناء الحرب على سوريا، عرفته من الصورة، قفز مجددًا إلى ذهني وكأني وجدت ضالتي: هو!

دار حديث وسائل الإعلام العالمية حينها حول أنّه زعيم حزب إرهابي، لكن الوقت كان كفيلًا بأنّ كلمة إرهابي يمكن أن تحمل دلالات أخرى، يروق للغرب أن يخفيها عنّا. في قرارة نفسي شكرت الانترنت على تعريفي بالزعيم! أو كما أسميته لاحقًا: الحالم الأخير.

حين اندمجت مع تيارات اليسار المصري، كنت على يقين أنّهم يضعون تجربة حزب العمال النضالية نصب أعينهم، لكن الصدمة كانت جهل أكثر التيارات اليسارية في مصر بحزب العمال، وقف بهم الزمن بعد موت ستالين، كما توقّف الزمن بالمسلمين يتباكون على غرناطة المغدورة. لا ذكر لأوجلان ولا تجربته الحيّة، بل الساخر أني تعرفت إلى كثيرين يجهلون اسمه ويعتقدون أنّ حزب العمال الكردستاني انشق من الحزب الشيوعي السوفيتي.

يا لخسارة من لم يعرف أوجلان، ويا لخيبة اليسار العربي العاجز عن ترجمة ونشر أعماله إلى العربية. يطاردني أوجلان في كل حديث سياسي أخوضه سواء داخل تنظيم سياسي أو غيره، أفكاره عن التنظيم، التحرر، الدولة، لكن ظل للمرأة حضورًا خاصًا لا نظير له في فكر أوجلان.

 ما أحقر هذا العالم وما أقبحه! كهل سبعيني مجرد من كل حقوقه الإنسانية أسيرًا وحده في جزيرة معزولة، ظلت هذه الفكرة في رأسي لعدّة أيام أوائل العام الماضي، وذات صباح سقطت في غفوة سريعة، ووجدتني في جبال قنديل بين مروج خضراء مألوفة، ترقص حولي نساء كثيرات على نغمات البزق، ثمّ جائتني امرأة أربعينية ينسدل شعرها الفاحم على كتفيها، تخبرني أنّها ليلى أوجلان ابنة الزعيم، وأنّه في انتظارنا لنحرره من السجن، سرت إلى جانبها على حافة نهر صغير، تقودنا دبّة كوالا إلى طريق السجن، أخرجت من جيبي كاميرا صغيرة أسجل تلك اللحظات حتى يعلم العالم القبيح أنّ الطريق إلى أوجلان ليس سهلَا.

استفقت من غفوتي سعيدة بهذا الحلم الدرامي، وحفظته في ذاكرتي ربما يخرج الزعيم قريبًا، وتكون تلك نبؤتي الخاصة، بعدها بأيام جائني أوجلان نفسه في منامي، يطرق بابي وبين يديه وردة وبندقية، بنفس هيئته أول مرّة حين رأيته طفلة، ربت على كتفي مبتسمًا دون أن ينطق، اهداني وردة وبندقية.

** منى يسري، كاتبة مصرية مهتمة بشؤون المرأة والمجتمع