ما حققه شعب باشور سلّمه الديمقراطي الكردستاني على طبق من ذهب إلى العراق

في الـ 19 من آذار عام 1991، تمكن الشعب الكردي في باشور (جنوب كردستان) ولأول مرة، من السيطرة على مدينة كركوك وإدارتها، إلا أن سياسة الحزب الديمقراطي الكردستاني المعادية لتطلعات الكرد، دمرت ما حققه الشعب الكردي، وسلمت المدينة على طبق من ذهب للحكومة العراقية بعد 26 عاماً.

ما حققه شعب باشور سلّمه الديمقراطي الكردستاني على طبق من ذهب إلى العراق
الأربعاء 9 آذار, 2022   23:50
 أكرم بركات

إن السياسة التي يتبعها الحزب الديمقراطي الكردستاني منذ تأسيسه وإلى اليوم، لا تختلف عن عقلية الأنظمة الحاكمة والمستبدة، ولربما أشد قمعاً منها، إذ سعى إلى توظيف كل شيء من أجل مصالحه العائلية الضيقة، ولم يخدم الشعب الكردي بشيء، وعلى العكس، فقد ساهم ولا يزال، في تدمير كل ما يحققه الشعب الكردي، وما حصل لكركوك خير مثال على ذلك.

تأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني في الـ 16 من آب عام 1946، بقيادة مصطفى البرزاني، وكان اسمه في البداية (الحزب الديمقراطي الكردي)، وفي المؤتمر الثالث في 26 كانون الثاني 1953، الذي عقد في مدينة كركوك، تقرر تغيير الاسم إلى (الحزب الديمقراطي الكردستاني). وكان مناصراً لثورة قاضي محمد، من ثم تحالف مع شاه إيران لإخماد هذه الثورة 1947.

وبعد سلسلة أحداث وتطورات ومعارك بين أبناء جنوب كردستان والدولة العراقية، تم الإعلان عن معاهدة الحكم الذاتي في آذار 1970، لكن هذه المعاهدة لم تدم طويلاً، إذ اندلعت المعارك بين الديمقراطي الكردستاني الذي كان يتلقى الدعم من شاه إيران والدولة العراقية عام 1974، ثم انقلب شاه إيران على البرزاني، وأبرم اتفاقية مع صدام الحسين عام 1975، تضمنت قطع الشاه الإمدادات عن البرزاني الذي قال للشاه (أنا تحت أمرك)، بعدها أعلن البرزاني ما يعرف بـ أش بطال (أي انتهاء الحرب).

سيطرة الكرد على كركوك

في آذار عام 1991، اندلعت انتفاضة واسعة في باشور (جنوب كردستان)، وتمكن أبناء الشعب الكردي من السيطرة على عدّة مدن، وعلى مدينة كركوك في 19 آذار عام 1991، وجاءت الانتفاضة بعد سلسلة أحداث وتطورات حصلت في المنطقة، كاجتياح العراق للكويت في 2 آب 1990، الذي أعقبه التدخل العسكري الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق في 16 كانون الثاني 1991، والذي عرف بحرب الخليج الثانية، تحت اسم "عملية عاصفة الصحراء"، لكن قوات صدام حسين استخدمت مختلف أنواع الأسلحة لقمع الانتفاضة، لذلك صادق الاتحاد الأوروبي في نيسان عام 1991 على خطة إنشاء ملاذ آمن تابع للأمم المتحدة من أجل حماية الكرد، وفي آب 1992، تم تحديد منطقة حظر الطيران فوق جنوب كردستان. وفي تلك الحقبة كان قياديو الحزب الديمقراطي الكردستاني خارج باشور، ولم يكن لهم أي تأثير. وبدعم من قوى غربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، عادوا إلى باشور ليسيطروا مرة أخرى على ما حققه أبناؤه واعتبروه إرثاً لهم. 

بعد التدخل الأمريكي في العراق عام 2003 وانهيار نظام البعث، ظلت كركوك مرتبطة بالعراق من الناحية الإدارية، وكانت جميع المؤسسات الحكومية مرتبطة بالمركز، عدا مؤسسة التعليم الكردي، وبما أن الكرد كانوا الأكثر قوة، فقد كانت إدارة الأمن ومنصبا المحافظ ورئاسة المجلس من نصيب الكرد.

في عام 2014، تعرضت كركوك وجميع المناطق المتنازع عليها، ومن ضمنها الموصل، لهجوم من قبل مرتزقة داعش. ولم يتمكن الجيش العراقي من حماية مركز قضاء الحويجة التابع لكركوك، لذلك سيطر المرتزقة عليها خلال وقت قصير، وأصبحت مدينة كركوك مهددة، لذلك أرسلت قوات الدفاع الشعبي الكردستاني ووحدات المرأة الحرة مقاتلي ومقاتلات الكريلا لمساندة قوات البيشمركة هناك، ونجحوا في الدفاع عن المدينة ودحر هجمات مرتزقة داعش هناك، وحافظت المدينة على رونقها ونسيجها الاجتماعي، ولم تظهر أي خلافات بين مكونات المدينة حتى تاريخ 16 تشرين الأول 2017.

ماذا حدث في 16 تشرين الأول 2017

قرر الحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK) المتحكم بباشور وحكومته، إجراء استفتاء للاستقلال عن العراق عام 2017، وسط صمت الأحزاب الأخرى. وحذرت الحكومة العراقية حكومة باشور من مخاطر هذا الاستفتاء. وحذر حينها محافظ كركوك نجم الدين كريم من تدهور الأوضاع جراء هذا الاستفتاء، وأكد أنه سيؤدي إلى خسارة كركوك، ولكن وعلى الرغم من التحذيرات الدولية والإقليمية، أجرى رئيس الحزب مسعود البرزاني الاستفتاء في 25 أيلول 2017.

بعد الاستفتاء، تدهور الوضع في كركوك، ففي 16 تشرين الأول، بدأ الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي بالتحرك والتوجه نحو كركوك. وواجهت قوات البيشمركة الجنود العراقيين والحشد، وشاركت مجموعة من قوات الدفاع الشعبي (الكريلا) مع عدد من أبناء المدينة في القتال، إلا أنها اضطرت للانسحاب نتيجة قلة العدد والعتاد، وانسحبت قوات البيشمركة من كامل المنطقة، وسيطر الجيش العراقي ومعه قوات الحشد الشعبي على كركوك، واضطر السكان الكرد إلى ترك المدينة خوفاً على حياتهم، ونزح أكثر من 200 ألف شخص، وعاد البعض منهم إليها بعد فترة وجيزة.

عقب سيطرة الجيش العراقي والحشد الشعبي على كركوك، ترك محافظ كركوك نجم الدين كريم، ورئيس مجلس المحافظة ريبوار طالباني المدينة. وعيّن رئيس الوزراء العراقي حينها، حيدر العبادي، راكان الجبوري للقيام بأعمال المحافظ في كركوك، وبذلك خرجت إدارتها من يد الكرد بعد أن كان الكرد يديرونها أكثر من 26 عاماً، وصدق ما قاله محافظ كركوك نجم الدين كريم "إن الاستفتاء سيؤدي إلى خسارة كركوك".

أهمية كركوك

تعد كركوك من أمهات المدن الكردية في كردستان، وإحدى أقدم المدن في كردستان والشرق الأوسط، وأكبر مدن باشور، وتتميز بأهمية كبيرة من الناحية التاريخية والثقافية والاستراتيجية، وتُعرف بين الشعب الكردي بعاصمة الثقافة الكردية أيضاً. وتملك هذه المدينة تاريخاً قديماً يعود إلى ما قبل 5 آلاف عام، حيث سكنها مزيج من الكرد والعرب والتركمان والآشوريين منذ القدم وعاشوا بسلام.

بدايات عمليات التغيير الديمغرافي

تُعد حقبة الاحتلال الصفوي لكردستان في عهد الشاه إسماعيل النقطة الزمنية التي بدأ فيها الاستيطان القسري للتركمان في المنطقة. وحاول الصفويون فرض عقيدة "الكزلباشي" الشيعية على الكرد، في محاولة منهم لاستبدال المسلمين السنّة.

وتشير الوثائق المتصلة بالجوانب الديمغرافية لمدينة كركوك حتى عام 1950، إلى أن الكرد في المرتبة الأولى، ويسكنها ثماني عشرة قبيلة كردية، وهي:

1- الجاف 2- الطالباني 3- الداوده، 4- الكاكائية 5- الصالحية 6- شوان 7- شيخ بزيني 8- الهاون 9- الجباري 10- الدلو 11- الشيخاني 12- الزنكنه 13- الزند 14- روزبياني 15- بالاني 16- كيج 17- لك 18- الوندائية.

وسكنت كركوك حتى ذلك الوقت 11 قبيلة عربية، وهي: 1- العبيد 2- الجبور 3- الجحيش 4- البو حمدان 5- النعيم، 6- الكروية 7- حرب 8- بنو زيد 9- العزة 10- السعيدات 11- الصياح.

أما القبائل التركمانية فهي: 1- تطران، 2- البيات، ويجزم رؤساؤها أنها قبيلة عربية، في حين يرى غيرهم أنها من أصل تركي، فيما يرى فريق ثالث أنهم من بقايا "الخوارزمية" الذين دخلوا العراق سنة 1225 ميلادية باسم "بياووت".

وأشار إحصاء عام 1957 إلى أن نسبة الكرد كانت 51% من مجموع سكان كركوك، والتركمان 21.5% والعرب، 28%، وظل التعايش السلمي سائداً في كركوك عبر تاريخها الطويل. وشهدت فترة السبعينات والثمانينات محاولات "تعريب" قسرية قام به نظام البعث.

وفي مقال للكاتب العراقي يحيى الكبيسي، تطرق فيه إلى عملية تعريب كركوك، يؤكد أنها تمت عبر إحداث تغيير ديمغرافي منهجي عبر التعيينات الحكومية من جهة (تعيين موظفين عرب من محافظات أخرى في المدينة / المحافظة وتوطينهم فيها مع أسرهم)، أو عبر تقديم مغريات مادية للعرب من المحافظات الأخرى للانتقال إليها، أو عبر ما سُمي بتصحيح القومية، وذلك عبر تسجيل أعداد من الكرد والتركمان على أنهم عرب، وأخيراً عبر طرد منهجي للكرد من المدينة / المحافظة بطرق مختلفة".

هنا، لابد من الإشارة إلى أن السياسة التي اتبعها الديمقراطي الكردستاني، نسفت كل ما أنجزه الكرد. وتحوّل باشور إلى مركز لاستخبارات دولة الاحتلال التركي التي وقفت في وجه الاستفتاء، والتي قالت "إن حكومة جنوب كردستان ستدفع الثمن". حيث وصف أردوغان عملية الاستفتاء بـ "الخيانة" لتركيا، وقال: "من الممكن أن نفاجئهم في إحدى الليالي. قراراهم بإجراء الاستفتاء فرصة جيدة لنا، ولن نقبل بأي خطوة نحو الاستقلال. هذا الاستفتاء غير شرعي، إذ لم تسمح به الحكومة الفيدرالية العراقية. سنتخذ تدابير أخرى وسنغلق المعابر بشكل كامل، وسنمنع تصدير النفط من الإقليم، حينها سينتهي كل شيء".

كما ساهم الاستفتاء في حدوث انقسام واضح بين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، وأخيراً وليس آخراً نسف الديمقراطي الكردستاني الاتفاق المبرم بينه وبين الاتحاد الوطني الكردستاني حول منصب رئاسة الجمهورية، ويرى المعنيون بالشأن العراقي أن ترشيح الديمقراطي لمرشح من حاضنته قد يساهم في إضعاف قوة الكرد، ولم يستبعدوا أن يخسر الكرد مناطق أخرى نتيجة السياسيات العوجاء للديمقراطي الكردستاني.

وضع كركوك الآن

تعمل الآن دولة الاحتلال التركي، من خلال وجودها على تخوم مدينتي الموصل وكركوك منذ عام 2014، للسيطرة على كركوك عبر إنشاء مجموعات مسلحة باسم "الجبهة التركمانية العراقية" على أساس عنصري، ناهيك عن تنظيم التشكيلات الاستخباراتية، كما كثفت الجبهة التركمانية العراقية من تهديداتها ضد الكرد في كركوك بعد عام 2017، وعندما قرر مكتب محافظ كركوك رفع علم باشور على جميع المؤسسات في كركوك، قال أردوغان حينها: "سيتم إنزال هذا العلم"، وأطلقت ما تسمى الجبهة التركمانية العراقية شعار "كركوك تركية وستبقى تركية".

وفي 14 تموز 2021، نظمت الجبهة التركمانية العراقية عرضاً عسكرياً للمجموعات المسلحة بالأعلام التركية لإحياء ذكرى التركمان الذي قتلوا في منطقة بيرد التابعة لكركوك عام 1958، حضره السفير التركي في العراق علي رضا غوني، وهدد حينها الرئيس السابق للجبهة أرشد صالحي بمهاجمة شنكال قائلاً: "لن نقبل بوجود مخيم "إرهابي" يبعد عنا بضع كيلومترات، إذا لم تقم الحكومة العراقية بواجبها، فسنأخذ زمام المبادرة بمساعدة قواتنا المسلحة والمتطوعين".

(ف)

ANHA