لبنان ساحة مواجهة برعاية قضائية

يتهم رئيس الحكومة اللبناني نجيب ميقاتي العهد بمحاولة تفجير الحكومة تمهيداً لتعطيل الانتخابات، وذلك عبر سلسلة إجراءات قضائية. فما مصير الحكومة في ظل الضغوط العونية من جهة، وتعهد ميقاتي نفسه للجانبين الفرنسي والأميركي بعدم ترك البلاد في فراغ سياسي؟ وهل تنبئ هذه التطورات الساخنة بتأجيل الانتخابات المرتقبة؟

لبنان ساحة مواجهة برعاية قضائية
الجمعة 25 شباط, 2022   03:11
بيروت - زياد أبو غزالة

يتحول لبنان إلى ساحة مواجهة قضائية، حيث لا سقف ولا بطاقات حمراء، وكلّما أطلق الحكم صفارة النهاية، عاد اللعب من جديد، والأفرقاء كل يغني على مرماه.

هكذا، تستمر الأحجيات العجيبة في البلاد، فيما يرتقب اللبنانيون ساعة الحسم وسط خوف شديد من تدهور الأمور ووقوع انفجار أمني على مفترق القضاء والسياسة.

فخلال الأيام الأخيرة، وقعت ما تشبه الحرب القضائية الباردة في لبنان، يشنها العهد ضد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وأكثر من يستشعر القلق في الحلقة المفرغة هو رئيس الوزراء نجيب ميقاتي المهدد بحكومته وما فيها.

وفي نظرة بانورامية للمشهد الراهن، يفسر ميقاتي التصعيد في ملف التحقيق مع سلامة بمحاولات تفجير الحكومة. وفي حسابات رئيسها، تنحية حاكم مصرف لبنان بقوة القضاء قضية يرفضها كل من رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة السابق سعد الحريري والنائب السابق وليد جنبلاط وزعيم القوات اللبناني سمير جعجع وسواهم، ونتيجة لأي إجراء قضائي محتمل ضد سلامة، يهدد جميع هؤلاء بإطاحة الحكومة، على قاعدة أن رياض سلامة "هو الوحيد القادر على منع الانهيار الكبير" الذي لم يقع بعد.

وعليه، فكل من يرفض استهداف سلامة وعلى رأسهم ميقاتي، يقرأ إجراءات القاضيين غادة عون وجان طنوس، استجابة لقرار رسمي صادر عن الرئيس اللبناني ميشال عون وصهره جبران باسيل، على الرغم من معرفة عون، وفقاً لزوار ميقاتي، "بأن هذه الخطوات تؤدي إلى تصعيد سياسي، وقد تأخذ المشكلة مع قوى الأمن الداخلي بعداً طائفياً يهدد الاستقرار العام".

أياً تكن حسابات العهد، الموقف الموازي نهائي ومحسوم، وقد كان وراء إبلاغ ميقاتي وزير الداخلية وجهاز أمن الدولة بالامتناع عن تنفيذ أي مذكرة قضائية قبل الرجوع إليه مباشرة، وإبلاغه أيضاً. كما أبلغ المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات رفض أي ادعاء ضد سلامة.

على مشارف مواجهة دموية

ويقول الصحفي محمد خير إن "في خضم المعركة القضائية المتواصلة في لبنان، يبدو حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الملك في لعبة الشطرنج. فإلى الآن، استطاع الرجل النافذ الحصول على غطاء وحماية كبيرة من أعلى رئاستين بعد رئاسة الجمهورية".

وأضاف خير لوكالتنا، أن "من مؤشرات سيطرة سلامة على الوضع تفوقه على نفسه بكل جدارة، عبر جمع خصمين هما أقرب إلى عدوين لدودين. فاللواءان عماد عثمان وطوني صليبا يركبان الموجة نفسها للتغطية على واقعة اعتراض القوات الأمنية التابعة لجهاز أمن الدولة المكلفة إحضار سلامة إلى التحقيق".

بطاقات الائتمان لدى سلامة، لم تؤمنه من الملاحقة، بل أكسبته امتيازات جعلته يرجع تيار المستقبل إلى المشهد بعد إعلان زعيمه الاعتكاف واعتزال الحقل السياسي. ففي سبيل الحاكم القوي، أصدر تيار المستقبل بيانين في وقت قصير. وأبرز ما جاء في كلام المستقبل "آخر البدع التي يرتكبها رئيس الجمهورية تغطية قرار القاضية غادة عون بالادعاء على قائد قوى الأمن الداخلي بتهمة القيام بواجباته الأمنية والقانونية بحماية شخصية عامة جرى تكليف قوى الأمن بحمايتها هو حاكم مصرف لبنان رياض سلامة".

وكان اللواء عثمان قد استعان برئيس الحكومة نجيب ميقاتي لدرء خطر القاضية غادة عون، بعدما استشعر نيتها الادعاء عليه بدعوى عرقلة العدالة واعتراض عناصر أمن الدولة. وفعلاً، أحالت القاضية غادة عون اللواء أمام قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان نقولا منصور، قبل أن يحدد له جلسة استماع لاحقة.

وفي كواليس تعاون اللواءين الودودين عثمان وصليبا، أصدرت شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي نفي اعتراض عناصر قوى الأمن لعناصر أمن الدولة ومنعهم من تنفيذ قرار القاضية غادة عون. ثم أعقبه بيان للمديرية العامة لأمن الدولة، وفيه أن ما نشر "غير دقيق". على الرغم من أن عقيداً في أمن الدولة برفقة عناصر آخرين أفادوا في محضر رسمي أمام القاضية غادة عون اعتراض قوى الأمن لهم وتحذيرهم من مواجهة دامية.

مطاردة قضائية تدفع تكلفتها حكومة ميقاتي

ولم تكن حكومة ميقاتي في حال أحسن مما هي عليه الآن، فقد مرت بتحديات كبيرة كان أسوأها التعطيل الوزاري ومقاطعة الثنائي (حزب الله وحركة أمل الشيعيتين). ولم تمر فترة تذكر حتى بدأت المناورة القضائية ضد رياض سلامة. لتتحول البلاد إلى خندقين مع سلامة ومع العهد.

ميقاتي المتوجس خيفة على حكومته من أن تكون كبش فداء في هذه المناورة، يتهم العهد بمحاولة تفجير الحكومة التي لا يوجد وصف أدق لها من أنها باتت في حكم المعطلة.

ولا يملك ميقاتي أن يخرج من عنق الزجاجة إلى الفضاء الرحب، فمن جهة، تقيد الالتزامات الدولية رئيس الحكومة، لا سيما تعهده لواشنطن وباريس بعدم الاستقالة وترك البلاد في حالة فراغ وزاري لا خطة بديلة بعده. ومن جهة أخرى، لا يريد أن يخضع بطريقة ما لعون في قراراته التي لا هدف من ورائها إلا دعم كرسيه شعبياً قبيل الانتخابات المرتقبة.

وعلى الرغم من أن سلامة لا ينجز ماليّاً غير ما هو وهمٌ صرف، ويستمر في إدارة لعبة الصرافين، يعظم ميقاتي إنجازه الأخير في خفض سعر الدولار، وهو يعرف حق المعرفة أن الإجراء إدانة للمصرف وللحكومة، لكنه حريص أشد الحرص على أن تتهدد الحكومة. ولا أحد يدري ما سيكون مصيرها، فالسيناريوهات، كما العادة في لبنان، مفتوحة ومرهونة بالتطورات الإقليميّة.

هذا حكومياً، أما فيما يتعلق بالانتخابات واحتمالات تأثر موعدها بالمستجدات الساخنة في لبنان، لا سيما مع سيناريو حدث أمني عنوانه ملاحقة سلامة، يبدو أن الأمور تترتب كما لو أن شيئاً ما لن يتغيّر موعده.

فقد أعلن الاتحاد الأوروبي أنه سيرسل إلى لبنان وفداً لمراقبة الانتخابات النيابية المزمع إجراؤها في أيار/ مايو المقبل. وأوضح الاتحاد في بيان له أنه سيرسل الوفد لمراقبة الانتخابات بدعوة من الحكومة اللبنانية.

وتحاول الحكومة جاهدة منع الاستفراد بها وجر البلاد مجدداً إلى فراغ سياسي الكاسب فيها خاسر، تحاول ذلك ولو على متن قارب خرقه صاحبه بنفسه بلعبة الدولار والسوق السوداء.

(ح)

ANHA