مقاهي بيروت ملاذ الموظفين في ظل أزمة الكهرباء

ألزمت جائحة كورونا اللبنانيين، وما تلاها من انهيار اقتصادي ومالي، وأزمة الوقود والكهرباء، إلى اللجوء لبعض البدائل لإنهاء أعمالهم، في ظل انقطاع شبه تام للتيار الكهربائي، ومن هذه البدائل، اللجوء إلى المقاهي التي تتغذى من مولداتها الخاصة.

مقاهي بيروت ملاذ الموظفين في ظل أزمة الكهرباء
الأحد 20 شباط, 2022   02:03
بيروت - زياد أبو غزالة

لدى وصولك إلى كثير من مقاهي بيروت، تظن نفسك للوهلة الأولى أنك في مؤسسة عامة، فيها مكاتب فرشت عليها أجهزة الحواسيب، وخلفها موظفون، يتابعون عملهم على أنغام موسيقى هادئة. لكن الفرق، أن على كل مكتب موظفاً لمؤسسة أخرى، أو طالباً جامعياً، طلب منه أستاذه بحثاً. هذا هو حال اللبنانيين، إذ يلجأ معظمهم للمقاهي، لتخليص مهامهم، أمام أزمة الكهرباء، والضعف في الانترنت.

هدوء تام، لا أحاديث بصوت عال، ولا قهقهات تعودنا سماعها سابقاً في المقاهي، صوت عزف أصابع لا تكل على لوحة مفاتيح الحواسيب، همسات اجتماعات عمل، أجهزة حواسيب مفتوحة على كل طاولة وفناجين قهوة. وإذا أتيت لأستكمل بعض مهام عملي، كالتقرير هذا الذي بين يدي، أبحث عن "زملائي في مقهى العمل"، الذي اعتدت عليهم يومياً.

وجوه مألوفة للجميع هنا، لا تزال حاضرة في مقاهي "ليناس" و"إيربنيستا"، موظفون وموظفات وأصحاب أعمال حرة، هربوا وهربن من انقطاع الكهرباء وتقطّع الإنترنت في المنازل والمكاتب، واتخذوا من المقهى الصغير مكتباً لهم.

مريم ماضي، فتاة تعمل في موقع إلكتروني، اعتدتُ رؤيتها بشكل شبه يومي، لا كهرباء في المؤسسة التي تعمل بها، ولا في المنزل، والمطلوب منها تحديث الموقع بأي وسيلة، فكان المقهى السبيل الوحيد.

تجلس مريم قرب النافذة وتضع أمامها كوب قهوة وعبوة مياه، وتبدو خلف الحاسوب منهمكة بالعمل، تنظر إليّ حين أمر قربها. وتلقي التحية ثم تتابع عملها، على الرغم من أنني لا أعرفها. لا أحد في المقهى يعرف الآخر معرفة حقيقية، لكننا أصبحنا زملاء عمل. تعودنا على حضورنا، كما لو كنا في مكتب إحدى الشركات، وأحياناً نتبادل المساعدة.

تقول مريم لوكالتنا، إن "أزمة الكهرباء أثرت على المجتمع اللبناني ككل، خاصة على الموظفين المضطرين إلى متابعة عملهم بأي طريقة، نلجأ هنا إلى المقهى. في البداية كان الأمر صعباً، اليوم اعتدنا المجيء كأنه دوام عمل في المؤسسة".

وتسأل مريم: إلى متى يستمر هذا الرحيل المؤقت من مكاتب العمل إلى المقاهي؟ وإلى متى يتحمل "زملاء العمل" في هذه المقاهي حياتهم، في بلاد تحوّلت إلى سجن كبير، بلا كهرباء ولا انترنت؟

هذا الحال ينسحب على عدة مقاهٍ في بيروت؛ في الحمرا، وبدارو، ومار مخايل... كلها تحولت إلى مكاتب عمل للهاربين من جحيم انقطاع الكهرباء، وتقطع الانترنت.

رأي أصحاب المقاهي

هذه المقاهي قد لا يكون أصحابها سعداء بزبون يحجز الطاولة طوال ساعات النهار، كي يطلب فنجان قهوة وعبوة مياه صغيرة، وبعض الأحيان تناول الفطور إن لم يجلب معه فطوره من المنزل. لكن هؤلاء الموظفين، أصبحوا المورد الأساسي للمقاهي.

يقول صاحب أحد المقاهي، عرف نفسه باسم "جوزيف"، بداية الأمر كان الأمر مزعجاً، ولكن نحن في بلد العجايب، كل واحد منا يبحث عن مصلحته، بالتأكيد بالنسبة لنا أن يحجز زبون الطاولة لساعات من أجل فنجان قهوة وعبوة ماء، فيه خسارة، ولكن بالوقت ذاته، الزبائن ليست في الطابور تنتظر الدخول، وهذا الموظف لديه عمل يريد إتمامه، وفتح المقهى هكذا لهم، جعلهم زبائن دائمين لنا، اعتدنا عليهم.

منذ أن بدأت الأزمة المتعدّدة الوجوه تعصف بلبنان قبل عامين، تضاءل إلى حدّ شبه معدوم عدد ساعات التغذية من مؤسسة كهرباء لبنان الرسمية. وبات توافر التيار الكهربائي يقتصر على ساعة واحدة يومياً، وفي أفضل الأحوال اثنتين.

وأصبح الاشتراك في المولّدات الخاصة التي تعتمد على المازوت، مكلفاً، منذ رفع الحكومة الدعم عن استيراد المحروقات، في بلد أدى فيه تراجع قيمة الليرة اللبنانية إلى انهيار القدرة الشرائية، وصار الحدّ الأدنى للأجور البالغ 675 ألف ليرة بالكاد يساوي 29 دولاراً، وفق سعر الصرف في السوق السوداء.

كذلك، تراجعت نوعية الاتصال بشبكة الإنترنت في وقت ازدادت حاجة الناس إليها نظراً إلى اعتماد كثر منهم العمل عن بُعد خلال جائحة كوفيد-19.

قرب انتهاء الأزمة؟

وتقترب مباحثات استيراد لبنان كميات من الغاز المصري من نهايتها، إذ أعلن مبعوث وزارة الخارجية الأميركية الخاص لشؤون الطاقة، آموس هوكستين، أن المفاوضات بين لبنان والبنك الدولي، لتأمين تمويل صفقة استيراد الغاز المصري، قد تنتهي "في غضون أسابيع".

وقال هوكستين، في تصريحات تلفزيونية: "نحقق تقدمًا جيدًا في الوصول إلى ترتيب للبنك الدولي، وتسهيل لتمويل شراء الغاز المصري.. وآمل أن نتمكن من تحقيق ذلك في غضون أسابيع".

ويُجري لبنان مناقشات مع مصر منذ عدة أشهر، للحصول على الغاز المصري للمساعدة في تخفيف أزمة الطاقة، التي أدت إلى انقطاع التيار الكهربائي في جميع أنحاء البلاد.

وتركّزت المحادثات على خطة للاستيراد عبر خط أنابيب الغاز العربي، الذي تبلغ طاقته 10 مليارات متر مكعب سنويًا، الذي يمكنه نقل الغاز المصري عبر الأردن وسورية إلى لبنان.

وبحسب ما نقل موقع "آرغوس ميديا" عن هوكستين، فإن أعمال تجديد الجزء اللبناني من خط الأنابيب بدأت قبل أسابيع قليلة، وسيستغرق استكمالها عدة أسابيع أخرى.

وأضاف هوكستين: "لا يزال هناك الكثير الذي يتعيّن القيام به بشكل متوازٍ، والأهم صفقة التمويل وتوقيع العقود والحصول على الموافقات اللازمة من الولايات المتحدة".

وتابع: "هذا مطلوب لأن سورية ستحتفظ بنسبة صغيرة من الغاز المصري لاستخدامها في توليد الكهرباء المحلية، مقابل السماح بتدفق الغاز عبر أراضيها".

وأوضح المسؤول الأميركي أن الصفقة لن تضطر إلى انتهاك أي عقوبات أميركية على دمشق، وتحديدًا قانون قيصر الذي طُبّق في يونيو (حزيران) 2020، مضيفًا: "يمكننا إنجاز كل شيء في الوقت نفسه تقريبًا، وهذا يمنحنا الوقت لإكمال العمل وتدفق الغاز المصري إلى لبنان".

ووقّع لبنان - بشكل منفصل - على اتفاق لتوريد الكهرباء والعبور مع الأردن وسورية، وبموجب الاتفاقية الموقعة في 26 يناير/ كانون الثاني، سيزوّد الأردن لبنان بـ150 ميغاواط من الكهرباء من منتصف الليل حتى السادسة صباحًا، و250 ميغاواط من الساعة السادسة صباحًا حتى منتصف الليل، ابتداءً من مارس/ آذار المقبل.

ولفت المبعوث الأميركي إلى أن هناك تقدمًا أيضًا في هذه الصفقة، لكنه شدد على أن واشنطن تدرس اتفاق "تزامن الكهرباء والربط البيني".

وتخطط وزارة الطاقة اللبنانية لتأمين 8 إلى 10 ساعات من الكهرباء يوميًا، من خلال هذه الصفقات، في حين تحاول الحكومة اللبنانية تخفيف أزمة الطاقة منذ يوليو/ تموز الماضي، إذ وقعت صفقة مع العراق لشراء مليون طن سنويًا من زيت الوقود الثقيل، وإعادة بيعه مقابل المنتجات التي تحتاجها.

(ح)

ANHA