المبادرة الكويتية.. مصالحة رسمية أم حرب ضد "حزب الله"

تشهد الأزمة بين دول الخليج ولبنان بعض الحلحلة، في سبيل تحسين العلاقات عبر المبادرة الكويتية، فهل تنجح المبادرة في صفاء الأجواء مجددًا؟ وهل عودة العلاقات بين السعودية تتعلق بقرار الحريري الاعتكاف، الذي قد يؤثر في تأجيل الانتخابات النيابية؟

المبادرة الكويتية.. مصالحة رسمية أم حرب ضد "حزب الله"
الخميس 10 شباط, 2022   03:21
بيروت – زياد أبو غزالة

بعد مرور أكثر من شهرين على وقوع أسوأ أزمة دبلوماسية بين لبنان ومحيطه الخليجي، تحاول المبادرة الكويتية كسر الجليد بين الجانبين، وإعادة احتواء لبنان، وتخطي الخصومة القاسية التي أعلنتها السعودية بداية، وبعدها كرّت السّبحة.

تأتي المبادرة الكويتية إذًا لتنعش الأجواء الرّتيبة، هذا ما تبدو عليه في الظّاهر، ولكن على ما يبدو، فتلك المبادرة ستقطع خيط العقد لتقع الخرزات مجددًا، بعد أن ظن اللبنانيون أنها التأمت في مجلس الوزراء أخيرًا بعد تعطيل طويل.

فقد شن أمين عام "حزب الله"، حسن نصر الله هجومًا على المبادرة، معتبرًا أن المقترحات الكويتية المقدمة إلى لبنان لإصلاح العلاقات مع دول الخليج "إملاءات". وقال نصر الله خلال مقابلة مع قناة العالم الإيرانية إن "لبنان دولة ذات سيادة ولا يصح أن يأتي أحد ويملي عليه إملاءات".

تصريح نصر الله هذا يؤكد موقفًا حاسمًا بعدم التهاون أبدًا مع المبادرة الكويتية، لا سيّما أنها تهدد نفوذه في لبنان. وهذا الموقف ينذر دون شك بتصعيد من حزب الله، قد يكون قريبًا إزاء الترحيب الرسمي بالمبادرة، في ظل تهميش آراء مكونات سياسية فاعلة ومهمة في البلد، تجاه ما تطرحه دولة الكويت.

وقد نشرت وسائل الإعلام اللبنانية ما يمكن وصفه بأول ردود الفعل العملية لـ "حزب الله"، من خلال رفضه التام لمسألة أن يتضمن جدول أعمال الجلسات الحكومية، أي بند يتعلق بمناقشة الاقتراحات الخليجية، لأنه يرى فيها إملاءات على حكومة هو شريك فيها. وبذلك، لا يبدو بعيدًا بأي حال من الأحوال أن يعدل الحزب عن قراره الأخير بإنهاء المقاطعة الوزارية، ليبدأ عداد التعطيل بالعمل من جديد.

تخوف من تعاظم قوة حزب الله

"لم يكن الفارق الزمني كبيرًا بين اعتزال رئيس تيار المستقبل سعد الحريري وإعلان الكويت مبادرتها". تقول الصحفية مريم الخليل لوكالتنا، "ولربّما يكون من أبرز أسباب ذلك التخوّف الشّديد من تعاظم قوة حزب الله بعد اعتكاف الأب الروحي للطائفة السنية في لبنان بعد رحيل أبيه رفيق الحريري".

وتضيف الخليل: "ربّما تعيش الطّائفة السنيّة فراغًا لا يُسدّ، وربّما تكون فرصة مؤاتية لبروز قيادات سنية تضخ دمًا جديدًا وشابًا في عرق الكتلة السنية. كلّ هذه احتمالات واردة، لكنّ الأكيد أن الكفّة ترجح يومًا بعد يوم لصالح حزب الله. وعليه، وبعد نسق طويل من عدم قدرة الحكومات اللبنانية، وآخرها حكومة ميقاتي، على كبح لجام حزب الله، جاءت المبادرة".

مبادرة لم تكن متوقعة بعد أزمة دبلوماسيّة عاتية، ففي الثاني والعشرين من الشهر الماضي، زار وزير الخارجية الكويتي أحمد الصباح العاصمة اللبنانية بيروت، حاملًا في جعبته مبادرة لإعادة الثقة مع دول الخليج تتضمن 12 مقترحًا. زيارة الصباح لم تكن زيارة لأول مسؤول خليجي رسمي منذ وقوع القطيعة مع لبنان على خلفية انتقاد وزير الإعلام اللبناني الحرب على اليمن، بل كانت أكبر من ذلك بكثير، إنها صفقة سياسية، الموافقة عليها صعبة ورفضها أصعب بكثير، ولبنان يتجرع الأمرّين.

إنَّ أبرز بنود المبادرة الكويتية التي حط بها الصباح في بيروت، التزام لبنان بالقرارات الدولية والعربية وتطبيقها، والعودة إلى اتفاق الطائف عام 1989. بالإضافة إلى الالتزام بالقرار الدولي رقم 1559 الخاص بنزع أسلحة جميع المجموعات شبه العسكرية غير المرتبطة بالدولة اللبنانية، والالتزام كذلك بالقرار رقم 1680 المتعلق باحترام سيادة لبنان وسلامته الإقليمية واستقلاله السياسي.

 تشمل المقترحات أيضًا موقفًا حكوميًّا رسميًّا واضحًا في رفض أنشطة "حزب الله" وتدخلاته في الدول العربية، والالتزام بقرارات جامعة الدول العربية بشأن إدانة الهجمات العسكرية التي يشنها "الحوثيون" ضد السعودية والإمارات، عوضًا عن سياسة التحفظ التي اعتمدتها حكومة لبنان خلال السنوات الأخيرة. وبالطبع تضمنت بنودًا أخرى، قضية تشديد الإجراءات الأمنية وضبط الحدود والتنسيق مع الدول الخليجية لوقف تهريب المخدرات من لبنان إليها، لا سيّما السعوديّة.

بلا شك، تشكل هذه المقترحات الخليجية استمرارًا لسلسلة مساعٍ طيلة الأشهر الماضية للضغط على لبنان اقتصاديًّا وسياسيًّا، من أجل مقايضة استكمال عملية المساعدات، بشرط تحجيم دور حزب الله المدعوم من إيران.

هل يقبل لبنان بالمبادرة كاملة؟

نهاية الشهر الماضي، وتحديدًا في التاسع والعشرين من كانون الثاني/ يناير، سلم وزير الخارجية اللبناني عبد الله بو حبيب نظيره الكويتي أحمد ناصر الصباح رد بلاده على المبادرة الكويتية.

مصادر حكومية لبنانية أعلنت أن الوزير بو حبيب سلم نظيره رسالة من الرئيس اللبناني ميشال عون موجهة إلى أمير دولة الكويت. ووفقًا للمصادر نفسها، أوضح بو حبيب أن الرسالة قد وافق عليها رئيسا الجمهورية والحكومة، من غير أن يتم اطلاع المكونات الحكومية عليها، بما فيها "حزب الله".

بالتأكيد، فتح هذا الإجراء المنغلق نوعًا ما باب الريبة على الأفرقاء السياسيين في لبنان، لا سيما حزب الله، وذلك على الرغم من أن بو حبيب صرح أن زيارته للكويت تأتي في سياق الحوار، لا إنهاء وجود حزب الله في لبنان أو تسليم سلاحه، مشيرًا إلى أن دول الخليج شقيقة ومن مصلحة لبنان أن تكون على علاقات ممتازة معها.

أما في تقدير المواقف من الرد الرسمي على المبادرة، فلا يمكن القول بأنها ممتازة، بل على العكس، توضح حجم التباين والانقسام في المشهد اللبناني. فرئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع غرد قائلًا: "رؤساء الجمهورية والحكومة ومجلس النواب اختصروا القضية في أشخاصهم، وكلفوا وزير الخارجية بإعطاء الجواب بما يشكل خرقًا جديدًا للقوانين والدستور".

وفيما هذا الامتعاض، يعلن عون عقب لقائه مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، أن اللقاء تطرق إلى العلاقات اللبنانية العربية، وخلص إلى التشاور لإقامة أفضل العلاقات مع الدول العربية، مع الأولوية للمحافظة على السلم الأهلي اللبناني.

"السلم الأهلي".. هذا هو الفصل و"بيضة القبان" التي قد تؤدي المعركة ضد حزب الله وسلاحه إلى اختلالها واختلال الموازين كافة بعدها. فالمرحلة حساسة جدًّا، يؤكد كثير من المحللين والمراقبين، في ظل مخاوف كبيرة من تحول بنود المبادرة الكويتية إلى ترسانات عسكرية في الشارع، لم ينسَ اللبنانيون بعد آخر فصولها في الطيونة.

وإلى حين أن تتبلور الأمور وتتضح أكثر، يعلم الجميع في لبنان وخارجه أن "حزب الله" لن يسلم سلاحه، والمرجح أن يكون ثمة صفقة ترتبط باتفاقية فيينا. صفقة قد يحصّل بها الخليج شيئًا يسيرًا من مطالبه، ولكن دون المساس بالخطوط الحمراء لحزب الله، وإلا حملت الأيام المقبلة سيناريوهات لم يعد اللبنانيون قادرين على سماع زخاتها أو رؤية دمائها.

(ي ح)

ANHA