عودة الثنائي لمجلس الوزراء اللبناني.. ترقيع ثوب أم إصلاح جديد؟

شهد لبنان أحداثاً سياسية بارزة. فالحكومة عادت إلى الاجتماع بعد أشهر من التعطيل، فيما أعلن سعد الحريري استقالته من الحياة السياسية، وعدم ترشح "تيار المستقبل" للانتخابات النيابية المقبلة. فكيف سيتأثر لبنان بهذه الأحداث؟

عودة الثنائي لمجلس الوزراء اللبناني.. ترقيع ثوب أم إصلاح جديد؟
الخميس 3 شباط, 2022   03:55
بيروت – زياد أبو غزالة

كعادتهم، ينام اللبنانيون على شيء ويستفيقون على آخر، وقد كانت الأيام الأخيرة حافلة بأحداث جديدة، ربما تشكل منعطفًا في طريق المركب السياسي والاقتصادي، الذي تسير به البلاد من غير أن تهتدي إلى بر الأمان.

ولعلّ أبرز التطورات والمفاجآت، اعتزال رئيس "تيار المستقبل"، سعد الحريري، الحياة السياسية، لتصبح الطّائفة السُنيّة ميتّمة في فضاء الأحزاب، وعودة الثنائي الشيعي للمشاركة في اجتماعات الحكومة بعد طلاق كاد يكون بغير رجعة، لولا الأخذ برخصة ملف مرفأ بيروت.

وفي حديث لوكالتنا، قال الكاتب والصحفي اللبناني، عماد شدياق: "لا مفر من اجتماعات الحكومة، خصوصًا في ظل الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان. لم يكن الثنائي قادرًا على تعطيل البلد أكثر من ذلك؛ لأن بيئته هي أكبر المتضررين".

أسباب العودة داخلية

وأضاف شدياق: "سبب عودة الثنائي الشيعي إلى الحكومة هو بخلاف ما ظن البعض، فالعودة لا تتعلق بمفاوضات فيينا وقرب الوصول إلى اتفاق، بل على العكس، أسباب العودة داخلية وترتبط بتعليق العمل بالتحقيقات في جريمة تفجير مرفأ بيروت، بعدما أحيل الملف إلى محكمة تبت بصلاحية شكوى معينة ضد المحقق العدلي طارق بيطار".

وتابع شدياق: "وقد شهدت هيئة المحكمة تقاعدًا لأحد القضاة فيها، وبالتالي أصبح العمل معلقًا، وبحاجة إلى تعيينات في مجلس الوزراء، وهذه التعيينات ستبقى مجمدة. وبذلك فإن السبب الذي علق الثنائي من أجله المشاركة في اجتماعات الحكومة قد انتفى، فكانت العودة للمشاركة".

ويرى شدياق أن عمل الحكومة بعد عودة "حزب الله" وحركة "أمل" إليها، "مجرد عملية ترقيع، فلا شيء يسير كما يجب أو يلبي متطلبات الأزمة الاقتصادية الراهنة، وحتى الموازنة التي اجتمعوا للعمل فيها لا يسير العمل فيها بشكل جيد. والأمور ذاهبة نحو الأسوأ ولا تنبئ بأي خير".

"في نهاية المطاف ستقر الموازنة"، يرجح شدياق "ولكن ليس بالشكل الذي تحدثوا عنه. فالمسوّدة الأولى للموازنة تتغير كل يوم، وثمة ضرائب يعاد سحبها، وضرائب يعاد خفضها، ويوجد بعض التوليفات والتغييرات".

ويؤكد شدياق أن هذه الموازنة "لا تحتوي على شيء من الإصلاح نهائيًّا. وليس فيها سوى سياسة زيادة رسوم وضرائب غبية وقاصرة".

ويقول مستنكرًا: "تخيل أنهم يتحدثون عن ضرائب على شراء السيارات، فيما لا يستطيع المواطن تغيير عجلات سيارته، ما يعني أن السلطة ما تزال تفكر فعليًّا بعقلية الـ 1500 ل.ل أي سعر صرف الدولار ما قبل الأزمة. الأزمة تحتاج إلى إصلاح جذري وعميق، ويجب التخفيض من عتيد القطاع العام، وعدم زيادة الضرائب على الفقراء والطبقة المتوسطة، وإنما تطبيق الضريبة التصاعدية على الطبقات الكبيرة".

'الصندوق الدولي لن يرضى عن هذه الموازنة'

وعليه، يخلص الكاتب والصحفي إلى أن "الصندوق الدولي لن يرضى عن هذه الموازنة المعمولة على عَجَل، فيما العين على الانتخابات النيابية، فكل ما يجري الآن ليس جديًّا أبدًا، ومؤجل إلى ما بعد الانتخابات، في ظل عجز كارثي عن توحيد الأسعار، وهو النقطة الأساسية والمطلب الرئيس لصندوق النقد الدولي".

الأبن يخرج من عباءة أبيه

بعد أن كرست بيروت الشهيد رفيق الحريري زعيمًا للطائفة السّنية في لبنان، وخرزة من أثمن الخرز في عقد الحياة السياسيّة بعد الحرب الأهليّة، يخرج سعد الحريري الابن من عباءة أبيه الراحل، وينزل عن كاهله مسؤولية كبيرةً، فسّرتها الغالبيّة بالاستسلام لما بات مستحيلًا التعامل معه، وفسّرها آخرون بإعلان السعودية غير المباشر بالانسحاب من لبنان ورفع اليد عنه.

أيًّا يكن، يترك اعتكاف الحريري فراغًا يتأثر به الكل اللبناني. ويؤكد الصحفي والكاتب عماد شدياق، أن "المشهد اللبناني سيتأثر كثيرًا بتعليق سعد الحريري العمل في الحياة السياسية. وقد بدأت مفاعيل هذا التعليق بالظهور على أرض الواقع. فالرئيس ميشال عون زار دار الفتوى، وهذه سابقة في تاريخ الجمهورية اللبنانية".

وحول مواقف الأحزاب الأخرى، قال شدياق: "طبعًا، جميع من في السلطة يتحسس الخطر من اعتكاف الحريري، لأن هذا سيسحب الطائفة السنية من الصراع، وسيحوله إلى صراع مباشر بين حزب الله وكل من في مواجهته".

وأوضح شدياق أن في السابق "كان السُنّي يرفض النزاع مع حزب الله رفضًا للفتنة السنية الشيعية، وكانت ثمة تفاهمات قام بها الحريري من تحت الطاولة وفوقها مع الحزب لتفادي النزاع معه. أما حاليًّا، فلم يعد السنة في المنطقة الرمادية أو الوسط التي كانوا فيها، ومن الواضح أن التوجه العام عند غالبية زعماء الطائفة السُنّيّة هو عدم الترشح".

وتابع شدياق: "لن يكون هناك مقاطعة للانتخابات، ولكن يوجد أسماء كبيرة لن تترشح، ما يعني أن السّاحة السُنيّة ذاهبة باتجاه التشرذم، والممثلون عنها سيكونون من الصف الثاني وما دون. وهذا سيؤثر على نتائج الانتخابات عند الأحزاب الأخرى، فثمة شريك أساسي قد اختفى وترك فراغًا لا أحد يعلم من سيملأه".

في لغم الفراغ.. قد تنفجر الدولة لدولتين!

كانت السيناريوهات سوداوية في كثير من الأحيان سابقًا، ثم جاء هذا الخلل الأخير في التمثيل السُنّي بلبنان ليرفع السيناريوات إلى مستوى انقسام الدولة الواحدة بمعادلة "الحزب وجميع الآخرين".

وفي هذا، يقول الكاتب عماد الشدياق: "السيناريوات ستحددها نتيجة الانتخابات النيابية. وشخصيًّا أرى البلاد تسير إلى سياسة محاور أو خنادق. فلبنان سينقسم إلى محورين؛ محور يضم حزب الله، وآخر يضم كل من هم خارج الحزب أو ضده. وسيقع صدام سياسي بين هذين المحورين، وربما يتخطى السياسية إلى إشكالات أمنية إذا شعر حزب الله أنه مخنوق داخليًّا".

ويكمل الكاتب: "في هذا الوقت، لن يكون للسُنّة وجود ولا زعامة تمثّلهم. ولا أستبعد على المدى الطويل إذا استمر الوضع سنتين أو ثلاثًا بهذا الشكل، أن يذهب لبنان باتجاه الانقسام، فيكون دولتان واقتصادان موازيان".

وتباعًا، يشدد شدياق على أنه "إذا تأزم الوضع أكثر وقاطعت الدول العربية لبنان، فسيحدث الدعم لجهة على حساب أخرى وكذلك الشراكات. وهذا يمكن أن يؤسس لدولة موازية أو دولتين، وهذا أمر غير مستبعد، ولكن ليس الآن، وإنما على المدى الطويل في ظل غياب أي حل فعليّ".

(ي ح)

ANHA