مقاومة العصر تستمر في مواجهة الاحتلال والإبادة – 3

على امتداد قرنين من الزمان، لم تتمكن الإمبراطورية العثمانية ومن بعدها الدولة التركية من قمع أي انتفاضة أو ثورة للكرد إلا بمساعدة شريحة متواطئة معها من الداخل، ويستمر هذا الحال إلى وقتنا الراهن. الدور الذي يؤديه المجلس الوطني الكردي في روج آفا يشكل امتداداً لنهج التواطؤ على مدى قرون.

مقاومة العصر تستمر في مواجهة الاحتلال والإبادة – 3
الثلاثاء 18 كانون الثاني, 2022   23:41
مركز الاخبار- أكرم بركات

المجلس الوطني الكردي امتداد خط خيانة هربتكوس 

مقولات كثيرة تحدثت عن الخيانة عبر التاريخ، وهذه المقولات لم تأتِ عن عبث، بل جاءت عن تجربة، والآثار المريرة التي خلفتها تلك الخيانة، وتداعياتها على الأمم. لذلك مقولة: "إذا أردت تحرير وطن ضع في مسدسك عشر رصاصات، تسعة للخونة، وواحدة للعدو، فلولا خونة الداخل ما تجرأ عليك عدو الخارج".

لم يخلُ تاريخ الكرد من الخيانة والتعامل مع الأعداء منذ القدم، وهذا الخط مازال مستمراً حتى الآن، وسجلت أولى الخيانات في التاريخ خيانة أنكيدو لحاكم الغابة همبابا، وخيانة هربتكوس لعمه امبراطور ميديا، وفي التاريخ استخدم مصطفى كمال أتاتورك حسن خيري إبان اتفاقية لوزان، وخيانة دياب آغا للعشائر الكردية عام 1919، وخيانة ريبر لعمه سيد رضا عام 1938، وفي عصرنا الحالي يمثل الآن المجلس الوطني الكردي خط الخيانة، والذي أُسس من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني والاستخبارات التركية لنسف ما حققه الكرد في روج آفا وشمال وشرق سوريا.

يدار المجلس الوطني الكردي الذي شُكّل، عام 2012، والذي يضم 11 حزباً، من قبل خمسة أحزاب، أو بالأحرى من قبل خمس شخصيات فقط، الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ – سوريا سعود الملا، والحزب الديمقراطي الوطنيّ الكرديّ – طاهر صفوك، وحزب المساواة الديمقراطيّ الكرديّ – نعمت داوود، وحزب الإصلاح الكرديّ – فيصل يوسف، وحزب يكيتي الكرديّ السوري – إبراهيم برو.

قادة الأحزاب الخمسة أدوات بيد أجهزة الاستخبارات التركية، ويتم تمويلهم من قبل الدولة التركية، وقد نسف هؤلاء كافة المساعي إلى توحيد الخطاب الكردي في روج آفا، ومجدوا المجموعات كالمرتزقة الذين داسوا علم إقليم كردستان بأقدامهم أثناء دخولهم إلى بعض أحياء مدينة سري كانيه عام 2012. وأول من وقف ضد مشروع الإدارة الذاتية الذي أعلن، في 21 كانون الثاني 2014، كان المجلس الوطنيّ الكرديّ والحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ ودولة الاحتلال التركي.

قٌبيل الهجوم على عفرين

قُبيل شن دولة الاحتلال التركي عدوانها على مقاطعة عفرين، في 20 كانون الثاني عام 2018، اجتمع إبراهيم برو مع قادة المجموعات المرتزقة التابعة لدولة الاحتلال، وبالتحديد في تموز من عام 2017، في مدينة جرابلس، وخلال الاجتماع تم مناقشة تحضيرات الهجوم على عفرين وآلية تنفيذ الهجوم. وظهرت خلافات بين إبراهيم برو، وباقي قيادات المجلس الوطني الكردي، لأن إبراهيم برو حضر ذلك الاجتماع مع المرتزقة دون علم قيادات المجلس. وبحسب المعلومات، فإن إبراهيم برو أخبر قيادات المجلس الوطني الذين رفضوا مشاركته في ذلك الاجتماع، أن مشاركته جاءت بناء على توجيهات من الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ ومن البرزاني، بعد اجتماعه مع المسؤولين في حزب العدالة والتنمية.

كما عُقد في مدينة ديلوك (عنتاب) اجتماع استخباراتي تركي آخر، بمشاركة أعضاء المجلس الوطني الكردي. وعقب الهجوم التركي على عفرين، وخلال الاجتماع عقد في 18 آذار في تركيا، تم الإعلان عما يسمى "المجلس المحلي لعفرين"، وتم تعيين حسن شندي رئيساً له، وشندي كان عضو ما يسمى حزب آزادي، الذي كان أحد أحزاب المجلس الوطني الكردي، والذي اتحد عام 2014 مع حزب يكيتي الكردستاني لتشكيل الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا. 

إن عملية تشكيل (المجلس المحلي لعفرين) الصوريّ لا يختلف كثيراً عن ما قام به مصطفى أتاتورك، عام 1923، إبان توقيع اتفاقية لوزان التي قضت على حلم إنشاء كيان كردي مستقل. حيث رفض مسؤولون أوروبيون التوقيع على الاتفاق قائلين إن هناك شعب كردي وأراض كردية في شرق تركيا. ماذا سيحدث لهم إذا وقعنا هذه الاتفاقية؟ لذلك دعا أتاتورك حسن خيري والذي كان نائباً يمثل ولاية ديرسم، إلى ارتداء الزيّ الكردي والذهاب إلى البرلمان التركي معاً، حتى يظهروا للصحفيين والوفود الأجنبية أن الحكومة التركية اعترفت بالقومية الكردية واللغة والثقافة. ثم طلب أتاتورك من حسن خيري إرسال برقية مماثلة إلى لوزان. وقام حسن خيري بإرسال البرقية، وبموجبها وقّعت السلطات الأوروبية على اتفاقية لوزان.

مشاركة كتائب مرتزقة تركيا في هجمات عفرين

بعد أن شن جيش الاحتلال التركي ومرتزقته هجمات على مقاطعة عفرين، في الـ 20 كانون الثاني من عام 2018، والتي شارك فيها قرابة ست مجموعات مرتزقة، ادعت تبعيتها للمجلس الوطني الكردي كمرتزقة كتيبة آزادي التابعة والتي كان يترأسها آزاد شعبو، ولواء الشهيد مشعل تمو بقيادة ما يعرف أبو مريم الحسكاوي، وصقور "الأكراد" التابعة لفرقة الحمزة، وما يعرف بلواء صلاح الدين وكان يقوده محمد هواش، والجبهة الكرديّة. وإثر الهجمات تم تهجير أغلبية السكان قسراً، لينزحوا فيما بعد إلى منطقة الشهباء ويقطنوا ضمن المخيمات التي تم إنشاؤها هناك إبان النزوح القسري، ونقلت دولة الاحتلال أكثر من 40,000 مستوطن إلى عفرين مكان السكان الأصليين، بعضهم من مهجّري الغوطة الشرقية في ريف دمشق، والغالبية العظمى من أسر مرتزقة جيش الاحتلال التركي.

تجميل عملية الاحتلال

أول بيان صدر من المجلس الوطنيّ الكرديّ عقب احتلال عفرين من قبل جيش الاحتلال التركي ومرتزقته بعد مقاومة كبيرة أبدتها وحدات حماية الشعب والمرأة مدة 58 يوماً، وارتكاب جيش الاحتلال أفظع الجرائم بحق أهالي عفرين، كان بتاريخ 18 آذار، جاء فيه: "مما زاد من تفاقم الوضع المأساوي إصرار PYD على التفرد بقرار متابعة القتال واستثماره وامتداده إلى وسط المدينة ودخول الجيش التركي، والمجموعات المسلحة التابعة للحكومة السورية المؤقتة إلى عفرين، ما أدى إلى موجات نزوح جديدة، جلّهم من الأطفال والنساء والشيوخ باتجاه البراري والحقول تحت المطر والبرد".

وقال عضو حزب يكيتي عضو المجلس الوطني الكردي، فؤاد عليكو، في 22 أذار 2018، أثناء مداخلة له ضمن إحدى القنوات التابعة للحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ: "إن الجيش التركي أحنّ من النظام السوري على العفرينيين، وأن عفرين هادئة تماماً ولا يوجد فيها مشاكل والأوضاع مستقرة، والمدنيون يعودون إلى منازلهم ولا توجد سرقات كما يتم الترويج لها". كما وصف احتلال عفرين بعملية التحرير، وزعم أن العشرات من أهالي عفرين عادوا إلى منازلهم وقراهم، وقاموا بترميم منازلهم وعادت حياتهم إلى طبيعتها. دون ذكر المجازر والدمار الذي ألحقه الجيش التركي بمدينة عفرين.

فيما قال إبراهيم برو في تصريح صحفي له، في نيسان 2018، إن: "عفرين كانت سجناً كبيراً لأهالي المدينة أثناء سيطرة الوحدات الكردية، والمجلس لا يملك فصائل عسكرية في عفرين".

وعقب احتلال مدينة عفرين، ارتكب جيش الاحتلال التركي أفظع الجرائم بحق سكانها، فقد دمر دور العبادة ومزارات الشهداء والمرافق العامة، والأماكن الأثرية، إلا أن قادة الأحزاب المتحكمة بالمجلس الوطني الكرد سعوا على الدوام إلى تجميل صورة الاحتلال. حيث نفى عبد الحكيم بشار القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني- سوريا والممثل عن المجلس الوطني الكردي ونائب رئيس ما يسمى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة التابع للنظام التركي، في تموز 2021، نفياً قاطعاً حدوث أي جرائم أو انتهاكات بحق أهالي مدينة عفرين، واصفاً ما يجري هناك بأنه محض كذب وافتراء، ومتهماً قوات سوريا الديمقراطية بارتكاب الانتهاكات.

وفي مشهد آخر، ولتجميل صورة مرتزقة دولة الاحتلال، الذين ذاع سيط جرائمهم البشعة، زار المدعو عبد الله كدو عضو اللجنة السياسية في حزب يكيتي الكردي، في تشرين الثاني 2020، قبور مرتزقة دولة الاحتلال التركي الذين مثلوا بجثامين الشهداء، وقتلوا وسلبوا ونهبوا ممتلكات أبناء عفرين المحتلة.

إلى الآن لم يسمح الاحتلال التركي للمجلس الوطني الكردي بفتح مكتبه له في عفرين المحتلة، وفي المقابل فإن كافة التصريحات التي تصدر من قيادات المجلس تُخط من قبل الاستخبارات التركية، ولا يستطيع أي قيادي ولا حتى عضو صغير أن يتفوه بسوء ضد تركيا، وإن تفوه تتدخل الاستخبارات التركي على الفور. وخير مثال على ذلك التصريح الأخير الذي أدلى به سعود الملا.

حيث أكد سعود الملا، رئيس المجلس الوطني الكردي، خلال ندوة عقدها المجلس في مدينة قامشلو، في 10 كانون الأولى، أن العدو الرئيس للشعب الكردي هو دولة الاحتلال التركي، وأن عناصر ما يعرف بـ (الجيش الوطني) عبارة عن مرتزقة. على الفور تبرّأ المجلس الوطني الكردي من تصريحات رئيسه، عبر بيان، وقال: "إنه رأي شخصي".

الديمقراطي الكردستاني وتجميل صورة الارتزاق سياسياً

ولتجميل صورة الاحتلال التركي ومرتزقته، ولتشتيت الأنظار عن الجرائم التي ارتكبت وترتكب، أدى الحزب الديمقراطي الكردستاني دوراً بارزاً عبر أبواقه الإعلامية من جهة، واستقبال قتلة الشعب الكردي من جهة أخرى، ففي شباط 2019، استقبل مسعود البرزاني رئيس الحزب الديمقراطي وفد ما يسمى الهيئة العليا للمفاوضات السورية برئاسة نصر الحريري، إبراهيم برو، وعبد الجبار العكيدي، وحواس عكيد، وربا حبوش، وقاسم الخطيب. وهؤلاء هم الواجهة السياسية للمجموعات المرتزقة التابعة لجيش الاحتلال التركي، وتعاونوا مع تركيا لاحتلال أراضي عفرين وارتكاب المجازر بحق شعبها وتشريدهم من مناطقهم.

لا علاقة لهم بالكردياتية قط

/ar/uploads/files/2022/01/18/200419_img_0631.webp

الصحفي سيد آفرن عقب على سياسة المجلس الوطنيّ الكرديّ في سوريا، في تصريح لوكالتنا، بالقول: "هذا ليس مجلساً، وليس وطنياً وليس كردياً. لا علاقة له بالكردياتية قط. تم تسميتهم بهذا الاسم. شاركت مجموعات مرتبطة بهم في الهجمات التي تعرض لها حيّا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، عبر مجموعتي كتائب صلاح الدين وآزادي".

وأوضح سيد آفرن قبيل هجمات داعش على مقاطعة كوباني، أن الدولة التركية أرسلت فؤاد عليكو الذي يقطن في اسطنبول إلى مدينة كوباني عام 2014، وبعد عودته إلى تركيا أعطى إحداثيات مواقع وجود المقاتلين لدولة الاحتلال التركي. وصرح وقتها أنهم جهزوا 400 مرتزق لدخول إلى كوباني بعد سقوطها في يد داعش.

المجلس الوطني الكردي امتداد لخط هربتكوس

وأكد سيد آفرن أن خيانة المجلس الوطني الكردي ظهرت جلية، أثناء هجمات دولة الاحتلال التركي على مقاطعة عفرين، وقال: "خيانة المجلس الوطني الكردي ظهرت جلية أثناء هجمات دولة الاحتلال التركي على عفرين. حيث كان يوجد بعض من أعضاء المجلس في تركيا يتعاونون بشكل مباشر مع تركيا كحسن شندي، وصبحي رزق الذي كان يعيش في عفرين حتى عام 2015".

وعن البعد التاريخي لنهج الخيانة، أوضح سيد آفرن "لمعرفة الخط الذي يمثله المجلس الوطني الكردي يجب العودة إلى تاريخ كردستان، حيث هناك خطان؛ خط المقاومة وخط الخيانة.

 وأتبع آفرن: "خط الخيانة يبدأ من امبراطورية ميديا. حيث قام هربتكوس بجلب البرس (الفرس) لشن هجوم على عمه الامبراطور امبراطورية ميديا. هربتكوس جلب قوى أخرى من أجل القضاء أبناء جلدته".

وأوضح آفرن أن الخط الذي يمثله المجلس الوطني الكردي الآن هو خط هربتكوس. حيث يشن عبر أعداء شعبه الهجوم على الشعب نفسه.

وأشار سيد آفرن إلى أن خط الخيانة الذي استهدف الثورات الكردية عبر التاريخ كان المنتصر في معظم الأوقات على خط المقاومة، وتم إخماد تلك الثورات. ففي انتفاضة كوجكري، الذي سلم علي شير وظريفة للأعداء كان ابن عم علي شير، والذي غدر بالشيخ سعيد كان ابن عمه، والذي سلم سيد رضا كان ابن عمه ريبر. وقال: "مع ظهور حركة حرية كردستان انقلبت المعادلة".

وأكد سيد آفرن بظهور حركة حرية كردستان "انتصر خط المقاومة على الخيانة، والمثال الحقيقي الانتصارات التي حققت في روج آفا رغم خيانة المجلس الوطنيّ الكرديّ وتعامله مع كافة أعداء الشعب الكردي".

الآن يروج القياديون المتحكمون بالمجلس الوطني الكردي لعودة أبناء عفرين المهجرين إلى ديارهم، دون أي ضمانات، والهدف الرئيس هو التغطية على الجرائم التي ترتكب في عفرين. 

(م)

ANHA