​​​​​​​كازاخستان.. صراع النخب الحاكمة والتدهور السريع والتدخل الروسي الأسرع

كان الانهيار السريع للأمن في كازاخستان مفاجئاً للكثيرين، ولكن جاء التدخل الروسي السريع والقوي والذي يرجعه الكثيرون إلى سعي موسكو إلى تقوية نفوذها وتقليص نفوذ الدول المنافسة.

​​​​​​​كازاخستان.. صراع النخب الحاكمة والتدهور السريع والتدخل الروسي الأسرع
الجمعة 14 كانون الثاني, 2022   05:35
مركز الأخبار - كيفارا شيخ نور

في الأيام الأولى من عام 2022، تعرضت كازاخستان (الغنية بالنفط) لأشد الاحتجاجات عنفًا في تاريخها. على الرغم من أنها بدأت على شكل احتجاجات على نطاق صغير غرب كازاخستان، لكنها تطورت وتحولت إلى العنف على نطاق واسع في أكبر مدينة في البلاد، ألماتي، في غضون أيام.

وعلى الرغم من أن الاحتجاجات الأولية كانت مدفوعة بارتفاع أسعار الوقود، إلا أنها كانت بمثابة شرارة. حيث يشير مجتمع الخبراء إلى أن تأطير الاضطرابات والتركيز الضيق على أسعار الوقود هي مجرد تبسيط وسرقة لأصوات المتظاهرين.

ويقول الباحث المختص ببرنامج أوراسيا في معهد أبحاث السياسة الخارجية ((fpri، ماكسيميليان هيس، عن الأحداث في هذا البلد في تصريح خاص لوكالتنا إنها "انهيار سريع لنظام نزار باييف بعد 30 عامًا (من الحكم). كانت السرعة التي تفكك بها مفاجأة للغاية".

وحمّل ماكسيميليان هيس أسباب تردي الوضع الاقتصادي وضعف النظام إلى "التضخم والتباطؤ الاقتصادي والفساد الهائل وعدم القدرة على تحميل النخب المحيطة بنزار باييف المسؤولية عن إخفاقاتهم وجرائمهم".

وتشير التقارير إلى أن الاحتجاجات كانت مدفوعة في البداية بارتفاع أسعار الوقود، مما أدى إلى أعمال عنف انتقامية وحشية من قبل الدولة، ولكن برزت أدلة تشير أيضًا إلى صراعات داخلية بين النخب الحاكمة محورها الرئيس الحالي والرئيس الأسبق، الأمر الذي حدا بالرئيس الكازاخي بالدفع نحو استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين، وكذلك طلب يد العون من منظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا، حيث اعتبر الرئيس الكازاخستاني، قاسم جومارت توكاييف، أن بلاده تعرضت لـ"عدوان مسلح" نفذه "إرهابيون مدربون في الخارج"، مشيراً إلى أنه تم رصد 20 ألفاً منهم في ألماتي وحدها.

وأضاف: "أفراد العصابات والإرهابيون مدربون ومنظمون جيداً للغاية وتجري قيادتهم من مركز خاص. بعضهم تحدثوا بلغات غير كازاخية. كانت هناك 6 موجات من هجمات الإرهابيين في ألماتي على الأقل، وبلغ عددهم العام 20 ألف شخص".

وفي هذا السياق يقول هيس: "هناك ادعاءات متضاربة حول اختطاف حركة الاحتجاج، لا سيما في مدينة ألماتي التجارية الرئيسة التي تعد مركزًا للتجارة الدولية والإقليمية والعاصمة السابقة".

ويضيف: "لا تزال الأمور غير واضحة بسبب الحظر المفروض على وسائل الإعلام الأجنبية وانقطاع الإنترنت، لكن نستشف من خطاب توكاييف وحديثه المتكرر عن محاولة "انقلابية" بدعم أجنبي، بأن هذه عبارة عن غطاء لصراع النخبة الداخلي، ويحتمل أن يحاول البعض حول نزار باييف استخدام الاحتجاجات للإطاحة بتوكاييف والآن يرد توكاييف بالإطاحة بهم بدلاً من ذلك".

التدخل الروسي

وأثار إرسال 2500 جندي من منظمة معاهدة الأمن الجماعي مخاوف من أن موسكو قد تستخدم الأزمة لتعزيز نفوذها في كازاخستان، التي لطالما كانت تتبع خطًّا دقيقًا بين روسيا والغرب، كما أثار طلب الرئيس السريع لتلك القوات الكثير من التكهنات التي تدور حول وجود صراعات داخلية على السلطة قد غذت القرار، كما تشير بعض المصادر إلى وجود قلق عميق من قبل توكاييف بالجيش.

ولعل سرعة الأحداث فاجأت الكثيرين في هذا البلد البعيد نسبيًّا عن الاضطرابات، ولكن الأمر الأكثر استغرابًا هو سرعة التدخل الروسي في هذا البلد - خلافًا لما حصل في سوريا- ويرجع هذا التدخل السريع إلى عدة أمور:

أولًا، دعم حكومة موالية لروسيا تتماشى استراتيجيًّا مع الكرملين.

ثانيًا، ترسيخ نفوذها في المنطقة مع الحد من نفوذ اللاعبين المنافسين، خاصة أن موسكو تواجه هذه الفترة معضلة كبيرة في دولة سوفييتية أخرى وهي أوكرانيا (ذات التوجه الغربي) الساعية إلى الانضمام لحلف الناتو.

ثالثًا، كازاخستان هي جزء من الاتحاد السوفييتي السابق ويعتبر مجالًا مهمًّا لنفوذ روسيا.

رابعًا، تعتقد المؤسسة العسكرية الروسية والكرملين بأن عرض العضلات في أوكرانيا سابقًا وكازاخستان حاليًّا هو الطريقة الوحيدة التي يمكنها من خلالها إجبار القوى الغربية على الموافقة على مطالب موسكو في العديد من الملفات الشائكة، وتوجيه ضربات لكل من الولايات المتحدة والدول الأوروبية وحتى تركيا التي أزعجت روسيا في سوريا وليبيا وقره باغ وأوكرانيا عبر إرسال طائرات مسيّرة تركية إلى الأخيرة لضرب قوات محسوبة على موسكو، وكذلك كازاخستان التي هرعت إليها أنقرة ظنًّا منها بأنها ستفرض هيمنتها في هذه الدولة، بغية فرض شروطها على موسكو في ملفات أخرى.

ويرى مجتمع الخبراء أن ما حدث في الدولة الواقعة في آسيا الوسطى هو بمثابة سيناريو لم يكن يريده (بوتين) على الحدود الجنوبية لروسيا، وهذا هو السبب في التدخل السريع لقوات الكرملين في كازاخستان، خوفًا من انتقال تلك الاحتجاجات إلى داخل الدول السوفييتية السابقة وحتى الداخل الروسي.

ولكن يرى آخرون أن روسيا احسنت استغلال ما جرى بسرعة وقطعت الطريق على تركيا، وبالتالي الناتو من التدخل في هذه المنطقة. فكازاخستان هي جزء من المجلس التركي الذي يضم الدول الناطقة باللغة التركية (تركيا، أذربيجان، كازاخستان، قرغيزيا وأوزبكستان).

والتدخل الروسي السريع في هذا البلد الذي يضم أكبر قاعدة روسية لإطلاق صواريخ الفضاء، مهم جدًّا لموسكو لجهة منع تدخل تركيا الحالمة بإعادة أمجاد السلطنة العثمانية البائدة، خصوصًا أن ما يقارب من 60 % من السكان هم من الكازاخ الذين ما زالوا يعيشون في قبائل ويسهل استغلالهم عبر استخدام خطاب ديني والذي يجيده أردوغان في خداع المسلمين.

وسبق لتركيا أن استغلت حرب قره باغ بين أرمينيا وأذربيجان في أيلول عام 2020، لتشكيل موطئ قدم لها هناك أملًا بتحقيق حلم الامبراطورية التركية، ولكن التدخل الروسي السريع قطع الطريق أمامها.

يبدو أن روسيا استفادت من تجربة حرب قره باغ كثيرًا فتأخر تدخلها حينها سمح لتركيا بإنشاء موطئ قدم في أذربيجان.

(ح)

ANHA