الشهيد خبات ديرك.. نهج المقاومة بوجه نهج الخيانة

أثناء تسليط الضوء على ثورة روج آفا، أول ما يتبادر إلى الذهن هو الشهيد خبات وشخصيته التي تأثر بها عموم الشعب، فتحول إلى رمز ومثال يقتدى به، فيما أشار أحد أصدقائه إلى أن استهدافه كان للنيل من الحراك الجماهيري الثوري في روج آفا. 

الشهيد خبات ديرك.. نهج المقاومة بوجه نهج الخيانة
الجمعة 14 كانون الثاني, 2022   02:15
قامشلو- ميديا حنان

مع بداية انطلاق ثورة روج آفا التي انطلقت شرارتها من خط المقاومة والنضال المستمر على مدار 40 عاماً، ظهر شق آخر وهو خط الخيانة المتمثلة في شخصية أسرة عبد الله بدرو، الموالية لما يسمى "المجلس الوطني الكردي"، والتي اغتالت أحد أعمدة ثورة روج آفا وأحد مؤسسي وحدات حماية الشعب (YPG) خبات ديرك.

يصادف يوم الـ 14 من كانون الثاني الجاري، الذكرى السنوية الـ 10 لاستشهاد المناضل خبات ديرك، بعدما أصيب برصاصة غادرة في الـ 7 من كانون الثاني 2012، ونقل على إثرها إلى إحدى مشافي مدينة حلب ليستشهد في المشفى رغم كل المحاولات لإنقاذ حياته.

امتلك الشهيد خبات ديرك صفات المناضل الثوري التي أشار إليها القائد عبد الله أوجلان في كتابه (مسألة الشخصية في كردستان)، والذي يؤكد فيه: "إن المناضل هو الشخص الذي يمتلك وعياً عميقاً بجميع الموضوعات التي يتبناها ويحيط بها بفهم ويطبقها في الحياة بشكل سليم. ومن المؤكد أن امتلاك الطاقة النظرية والعملية الهائلة هو مشابهة لحياة المنظمة. فعليه أن يكون مثل عضوية تطور ذاتها وتقيها بشكل مستمر؛ كما يجب عليه أن يتحاشى حالة النمط الذي يعزل نفسه ويتحلل بالتدريج. يجب أن تكون مسيرته شبيهة بمسيرة الشعب، بمسيرة أحد الجيوش المنظمة. بهذه الصورة فقط يستطيع المناضل عندنا نحن أن يؤدي رسالته التاريخية". هذه الصفات وغيرها التي ذكرها القائد عبد الله أوجلان كان يتحلى بها الشهيد خبات ديرك.

أيقونة الثورة

الشهيد خبات ديرك، الاسم الحقيقي (محمود رمضان محمد) كان مناضلاً ومكافحاً وقائداً لا يتوانى عن التضحية في سبيل حرية ونصرة شعبه، ولد في قرية كاسان التابعة لمدينة ديرك عام 1962 ضمن أسرة وطنية.

درس المرحلة الابتدائية ولم ينهها، نظراً لظروفه المعيشية الصعبة، لينتقل بعدها إلى مدينة ديرك بحثاً عن العمل، وعُرف منذ صغره بالحيوية والنشاط وحبه للعمل.

ونظراً لسوء الأحوال المعيشية التي كانت أسرته تعيشها مثل بقية الأسر الكردية في ظل نظام استبدادي لا يعترف بحقوقهم، توجه الشهيد خبات إلى العاصمة دمشق بحثاً عن العمل، حاله حال جميع الشبان الكرد الذين أجبروا نتيجة السياسات العنصرية المطبقة في المناطق الكردية على التوجه إلى المدن الكبرى للعمل في ظل انعدام فرص العمل في مناطقهم.

وأثناء تأديته للخدمة الإلزامية في صفوف الجيش السوري في لبنان، تعرّف الشهيد خبات على حركة التحرر الكردستانية، بحسب ما أفاد به شقيقه الأكبر محمد رمضان محمد في تصريح سابق لوكالتنا.

تأثر الشهيد خبات بفكر حركة التحرر، وهذا ما دفعه للانضمام إلى صفوف الحركة والتوجه عام 1985 إلى أكاديمية الشهيد معصوم قورقماز في منطقة البقاع اللبنانية، لتلقي دورة تدريبية على يد القائد عبد الله أوجلان، الذي كان يشرف بنفسه على تأهيل وتدريب كوادر الحركة، وفي عام 1987 توجه للنضال في جبال كردستان.

قائد ميداني عظيم

وبعد توجه الشهيد خبات إلى جبال كردستان، أصبح رفيق الجبال وكان جزءاً منها، إذ دوّن صديق دربه زوهات كوباني في منشور نشره بعد استشهاده بيوم على مواقع التواصل الافتراضي عام 2012: "أجل رفيقي لقد عرفتَ أن الوطن بحاجة إلى التضحية والفداء. كنت في الجيش السوري وتركته وذهبتَ إلى ساحات الحرب. أصبحتَ في الجبال ليس مقاتلاً فقط بل مناضلاً وقائداً تقودُ "الكريلا" ضدّ الأعداء؛ لأنك كنت تعرف أن الوطنية ليست قولاً فحسب بل عمل ونضال، والوطن لا يحتاج إلى خانعين ومستسلمين، بل يحتاج إلى مناضلين ومقاتلين وقادة، لذا كنت دائماً المناضل والقائد والمقاتل، مبدعاً في نضالك، محقّقاً انتصاراتٍ كثيرة".

فلم يتوانَ الشهيد خبات عن تسلق الجبال الأكثر وعورة، وقد تولى المراكز القيادية خلال مسيرته النضالية من عضو المجلس العسكري لقوات الدفاع الشعبي والقائد عن آيالة بوطان، وبعدها عضو اللجنة القيادية في مؤتمر المجتمع الديمقراطي KCK.

ومع بداية الحراك الثوري في سوريا عام 2011 والتغيرات التي لاحت في الأفق، كان الشهيد خبات من أوائل الذين لبوا النداء وانخرطوا في ثورة الحرية وحماية الشعب في روج آفا، وناضل في الصفوف الأمامية للثورة منذ انطلاقتها، وعمل على توعية الجماهير، استناداً إلى فكرة أن المجتمع الأخلاقي والسياسي لا يمكن بناؤه بدون الدفاع الذاتي، وخطّ أساس وحدات حماية الشعب (YPG)، كما قام بدور ريادي في تنظيم المظاهرات الشبابية والجماهيرية وحمايتها وعمل على تنظيم المجالس الشعبية وإدارة النشاطات والفعاليات التنظيمية بشكل عام.

سليمان أحمد، أحد الشخصيات الوطنية وصديق الشهيد خبات وكان معه أثناء حادثه اغتياله، استذكر الشهيد خبات بهذه الكلمات: "في الحقيقة عند تعريف ثورة روج آفا، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو الشهيد خبات".

ومضى إلى كيفية تعرفه على الشهيد خبات بالقول: "عندما كنا نستعد لتشكيل المجالس الشعبية، تعرفت على الشهيد خبات في شهر أيار من عام 2011، الذي تمحورت أبرز نقاشاته حول ثورة روج آفا وكيفية حماية الشعب ولعب دوراً في بناء مجتمع حر، فقد كان يصون قيم الشعب الكردي وثورة روج آفا".

مشيراً إلى كيفية استشهاده غدراً على يد أسرة بدور، وقال: "عائلة بدرو التي غدرت به بالثقة التي منحتها إياها الحركة، اختارت طريق الخيانة، لذلك أراد الشهيد خبات اللقاء بالأسرة، وتوجهنا معاً إلى منزلها، إلا أن الشهيد خبات لم يأذن لي بالدخول إلى المنزل وانتظرته في الخارج".

بعد خروجه من المنزل الكائن في مدينة قامشلو، استهدفت أسرة عبد الله بدرو الشهيد خبات بطلق ناري من الخلف، ليستشهد متأثراً بجراحه بعد أسبوع من الحادثة.

فقد استولت أسرة بدرو على المساعدات التي قدمها الأهالي من أجل النهوض بثورة روج آفا، فيما سعى الشهيد خبات لاستردادها منها، لتقوم الأسرة باستهدافه نتيجة لذلك.

وتطرق أحمد إلى عمالة أسرة بدرو بقوله: "الخائن لا يمتلك أي قيم، ويستمر في خيانته أينما كان. إن الاحتلال التركي لعب دوراً في تشكيل العمالة بين الشعب الكردي واتخذت أسرة بدرو مكانها ضمن هذه العمالة".

استهداف الشهيد خبات هو استهداف إرادة الشعب الكردي

بيّن أحمد: "إن خط الخيانة يستهدف الشعب دائماً، واستهداف الشهيد خبات هو استهداف لإرادة الانسان الكردي، لأنه أراد حماية وصون دم الكردياتية من الخونة، وهذه قيم مقدسة لدى الشعب الكردي في روج آفا، وتلك المساعدات كانت نتاج كدح الشعب والوطنيين، ومن عرق جبين الأمهات والآباء، والشهيد خبات أراد استعادة هذا الحق".

وتطرق أحمد إلى نهج الخيانة الذي يستهدف قادة الشعب المعنويين على الدوام؛ وقال: "الاحتلال التركي والمتواطئون معه حاولوا في العديد من المرات استهداف الشخصيات الثورية أمثال الشهيد خبات، لكن العدو لم يستطع استهدافه في الجبال لذا لجأ إلى خط الخيانة والغدر والعمالة، وأراد عبر استهدفه إبقاء الثورة من دون قائد".

مشيراً إلى أن "العدو يدرك الدور الذي يلعبه أمثال الشهيد خبات، والذين تلقوا تدريباتهم على يد القائد عبد الله أوجلان، لذلك يحاول استهدافهم بشتى الوسائل".

لافتاً إلى فضل القادة الثوريين الذين استشهدوا خلال ثورة روج آفا، وقال: "اليوم ثورة روج آفا ارتقت بفضل دماء الشهداء أمثال الشهيد خبات، والشهيد رستم، وبولات، وحسين شاويش، هؤلاء صانوا طريق القائد، فمن جهة نتألم على فقدانهم، ومن جهة أخرى شهادتهم تلهمنا قوة أكبر لمواصلة طريقهم وتحقيق أهدافهم. هؤلاء الذين ذكرنا أسماءهم وغيرهم من الذين لم نذكرهم عرّفونا بروح الثورة، وبرهنوا لنا بأنهم حماة الشعب الكردي".

'العدو فشل عسكرياً لذلك لجأ إلى الغدر والعمالة'

وأشار أحمد إلى مخططات العدو لإفشال ثورة روج آفا، وأضاف: "إن العدو لجأ إلى العمالة واستخدام الخونة في تنفيذ مخططاته بعد أن فشل عسكرياً، فثورة روج آفا عرفتنا بعدونا الحقيقي، وهو الاحتلال التركي والخونة الذين يتعاونون معه".

وتطرق أحمد إلى السياسيات التي يتبعها الحزب الديمقراطي الكردستاني حيال الشعب روج آفا، وإغلاقه لمعبر فيش خابور، وقال: "إن إغلاق المعبر هو إغلاق طريق الإنسانية، ولنفترض أن الشبيبة قاموا بإلقاء الحجارة عليهم، فلماذا لا ترى حكومة باشور الاحتلال التركي وهو يحتل أراضي باشور ويستخدم الأسلحة المحرمة دولياً؟ لم يبق مكان في أراضي باشور والاحتلال التركي لم يحتلها، أيهما أصعب (رمي الحجارة) أم حرق طبيعة كردستان ونهب القرى وتدميرها؟".

وتابع بالقول: "الذين استهدفوا الشهيد خبات هم أنفسهم الذين يحاصرون روج آفا الآن، وإغلاق معبر فيش خابور خيانة مقصودة، والهدف هو تهجير الأهالي عن أراضيهم، وكل مَن يساعد في تهجير الشعب هو خائن للثورة ولشعبه".

في ختام حديثه، جدد سليمان أحمد عهده لصديقه الشهيد خبات ديرك، داعياً الشعب الكردي إلى الالتفاف حول ثورة روج آفا، وقال: "مثلما نزل مئات الآلاف من أهالي روج آفا لاستقبال جنازة الشهيد خبات، يجب عليهم الآن الخروج والالتفاف حول ثورتهم وأن لا ينجروا وراء مخططات العدو".

(س ر)

ANHA