"ساكينة وفيدان وليلى".. الثوريات الثلاث مثلّن قضية كل امرأة وشعب

"سارا وروجبين وروناهي"، ثلاث نساء مكافحات وثوريات كرديات، أوصلن صوت الشعب الكردي وقضيته إلى جميع أنحاء العالم، كن مناضلات امتزن بالإصرار على المقاومة في وجه السلطات الفاشية، باستشهادهن في مجزرة بباريس المشؤومة تحوّلن إلى أيقونة عالمية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

"ساكينة وفيدان وليلى".. الثوريات الثلاث مثلّن قضية كل امرأة وشعب
الجمعة 7 كانون الثاني, 2022   23:44
مركز الأخبار- سوزدار وقاص

ساكينة جانسيز (سارا)

من مواليد 1958، وُلدت في قرية "عرش الخليل" التابعة لمدينة ديرسم بباكور كردستان، والتي عرفت بمدينة "المجازر"، نسبة إلى مجازر دولة الاحتلال التركي التي ارتكبت بين عامي 1938 و1939.

حركة التحرر الكردستانية، قبل أن يكون لها اسم، كانت ساكينة واحدة من امرأتين شاركتا في المؤتمر التأسيسي لحزب العمال الكردستاني عام 1978، من أصل المجموعة التأسيسية التي بلغت 23 شخصاً بقيادة القائد عبد الله أوجلان. وفي أيار عام 1979، ألقي القبض عليها وتم تعذيبها، بعد رفضها الإدلاء بالمعلومات عن رفاقها.

بعد انخراطها في صفوف حزب العمال الكردستاني باشرت تسيير الأنشطة التنظيمية في مختلف مدن باكور (شمال كردستان)، إلى أن اعتقلت إثر انقلاب 12 أيلول/ سبتمبر عام 1980، وسجنت أكثر من عشر أعوام، ثم أفرج عنها عام 1991، وذهبت إلى أوروبا بعد تلقّي التدريب في سهل البقاع في لبنان؛ لتشرف هناك على تنظيم الأنشطة النسائية، وفي آذار/ مارس عام 2007، وبناء على طلب من تركيا أدرجها الأنتربول الدولي على اللائحة الحمراء، واعتقلت مدة شهر ونصف في سجن دامتور.

ساكينة أول امرأة قامت بتأدية دفاع سياسي في المحكمة، وكانت شخصية قيادية بين السجناء، وطوال 12 عاماً في سجون الدولة الفاشية التركية حافظت على روح المقاومة، وجعلت من هذه السجون ساحة أخرى للنضال، لم تؤثر طرق التعذيب والسجن على تمسكها بمبادئها وتحقيق أهدافها، فقد كانت واحدة من الذين تبنوا حملة الإضراب عن الطعام حتى الموت، كطريقة للاستنكار.

وصفت ساكينة جانسيز في الحلقة الأولى من مذكرات "حياتي كلها صراع" فترات اعتقالها بالقول، "كان السافل أسعد أوكتاي يُعرِّضنا جميعاً لشتى أنواع التعذيب، لكنني وقفتُ أمامه، وحدّقتُ في عينيه اللئيمتَين، وبصقتُ على وجهه القذر". الذي اعتَبَرها كثيرون أنها عملية جريئة للغاية في ظل التعذيب السافر الذي يتعرضون له".

فيدان دوغان (روجبين)

ممثلة المؤتمر الوطني الكردستاني في باريس، عُرفت بنشاطها وعملها الدؤوب ونجاحها على الصعيد الدبلوماسي، اختارت روجبين درب الثورة منذ أن كانت في ريعان شبابها، شاركت في العديد من الندوات والاجتماعات، ومثلت قضية الشعب الكردي في البرلمان والمجلس الأوروبي.

روجبين أوصلت صوت الشعب الكردي وقضيته إلى جميع أنحاء العالم من خلال نشاطها وعملها الناجح.

ليلى شايلمز (روناهي)

من كوادر الجيل الثالث في ثورة المرأة، تعلقها وارتباطها الوثيق بهويتها وثقافتها، دفعها للانضمام إلى نضال الحرية في أوروبا. كانت روناهي طليعية لحركة الشباب الكرد في أوروبا.

بمقاومة هؤلاء المناضلات الثلاث وعشرات أخريات مثلهن، نجد أن تنظيم النساء المستقلات في جميع مجالات الحياة قد وصل، اليوم، إلى مرحلة يمكن القول عنه إنه نتائج سنوات مريرة من النضال لإحقاق الحقوق وكسب الذات.

واستذكاراً للسنوية التاسعة لاغتيال المناضلات الثلاثة التي تصادف الـ 9 من كانون الثاني/ يناير الجاري، أجرت وكالتنا حواراً مع بشرى علي،رئيسة رابطة جين النسائية في لبنان، ومترجمة سيرة المناضلة ساكينة جانسيز "حياتي كلها صراع".

ونص الحوار كالتالي:

*كيف تعرفتم على المناضلة ساكينة جانسيز، وأين، وما أكثر شيء لفت انتباهكم في شخصيتها؟

للتعرف على المناضلة الكردية والأيقونة الأممية، الشهيدة ساكينة جانسيز، يكفي تتبع مسيرتها النضالية، وقراءة تصريحاتها، ومشاهدة البرامج التي شاركت فيها، حتى نعرف مَن هي هذه المناضلة العتيدة. وإذا ما ربطنا بين نضالها وبين الظروف القاسية التي خاضت خلالها نضالها الدؤوب، ندرك مدى عظمة إرادتها الفولاذية وإصرارها العنيد على استرداد حقوق وحريات شعبها، كجزء عريق ومكوّن أصيل من مكونات وشعوب المنطقة.

*ما الصفات التي كانت تتمتع بها المناضلة الشهيدة ساكينة جانسيز، هل لكم أن تحدثونا عن ذكرياتكم معها؟

يكفي التعمق في نظراتها الثاقبة، لنعرف مدى ارتباط الشهيدة ساكينة جانسيز بأرضها ووطنها، وبقضيتها العادلة، قضية نساء شعبها ونساء المنطقة والعالم، وعلى الرغم من كل المآسي والآلام التي خاضتها، إلا أن ضحكتها لم تَكُن تفارقها، ما يدل على مدى تشبثها بالحياة إلى درجة التضحية بكل غالٍ وثمين من أجلها، ومقصدي هنا الحياة الحرة الكريمة، التي طالما سعت إلى تكريسها وتمكينها.

الشهيدة ساكينة، كانت مع الأطفال طفلة، ومع الشبيبة شابة، ومع كبار السنّ ناضجة لأقصى درجة. كانت تعرف كيف تستقطب الناس حولها، كي تروي لهم قصة شعب منسيّ بين طيات التاريخ المظلم، وكيف تزرع فيهم عشق الوطن والحرية. كانت نبراساً من جهة نكران الذات والتضحية والفداء في كل الظروف والشروط.

ولا بد لكل ناشطة نسائية أن تتعمق في المسيرة النضالية للشهيدة ساكينة؛ لأنها تشكل صُلبَ وعمق النضال النسائي المعاصر ضد كافة أشكال الاحتلال والاستعمار وقوى الحداثة الرأسمالية والإمبريالية، وكذلك ضد شتى أنواع الذهنية/ العقلية الذكورية، بكافة أدواتها ومؤسساتها.

إنها منبر على درب نضال حرية المرأة، أينما كانت هذه المرأة، طالما أنها تتطلع إلى الحرية والكرامة.

*لقد بدأتم بمشروع ترجمة مذكرات الشهيدة ساكينة "حياتي كلها صراع"، التي تروي فيها مسيرة نضالها الشاق، ما سبب توجهكم إلى تنفيذ هذا المشروع؟

كلنا ندرك مدى التعتيم والتشويش والتزوير الذي يطال النضال النسائي عموماً، والنضال النسائي في منطقتنا، الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خصوصاً، وفي كردستان بصورة أخص. وعندما سطع نجم المرأة الكردية في قتالها الشرس ضد أعتى أشكال الظلامية متجسداً في داعش ومَن لَفَّ لفَّه، تعمَّدت جميع وسائل الإعلام إبراز صورة المرأة الكردية المقاتلة بشكل محض (على أهمية ذلك طبعاً)، دون أن تتعمق في أسباب نجاح المرأة الكردية في قتالها هذا، في الوقت الذي تراجعت فيه أغلب الجيوش النظامية في المنطقة وتركَت المناطق عرضة للسلب والنهب على يد الجماعات الإسلاموية الأصولية و/أو الجهادية و/أو التكفيرية بمختلف مسمياتها.

هذا تحديداً كان السبب العام وراء التفكير في ضرورة تسليط الضوء على الخلفية الفكرية الكامنة وراء سبب نجاح المرأة الكردية في قتالها ضد داعش. إذ لا يمكن للسلاح وحده أن ينتصر ضد الظالم، ما لم يستند إلى فكر سديد ورؤية مستبصرة ومستشرفة للمستقبل بكل احتمالاته.

فجاء مشروع ترجمة مذكرات الشهيدة ساكينة جانسيز (حياتي كلها صراع) ضمن إطار تسليط الضوء على كل مخاضات وتشعبات وأبعاد نضال المرأة الكردية، وعلى الأشواط التي قطعتها، والآلام التي عانت منها، والإنجازات التي حققتها. ذلك أن مسيرة الشهيدة ساكينة تُعَدُّ خُلاصة هذا النضال التحرري الذي تخوضه المرأة الكردية، والذي ما يزال قائماً ولم ينتهِ بعد.

ويمكنني القول إن مذكرات ساكينة جانسيز هي خلاصة مذكرات كل النساء المناضلات في المنطقة، أياً كان نوع أو شكل نضالهن، ما دمن يسعين إلى التحرر من الاحتلال و/أو الاستعمار و/أو العقلية الذكورية. وكلي أمل أن أُكمِل هذا المشروع، إذ ثمة جزءين، الثاني والثالث من هذه المذكرات، قيد الترجمة، على أمل أن يَرَيا النور خلال هذين العامين.

*من خلال ترجمتكم للمذكرات، ماهي رؤيتكم لهذه المذكرات، ما الذي خرجتِ بها من أفكار؟

إلى جانب عملي في الجمعيات النسائية، وأنشطتي العملية، فإني أقوم بين الحين والآخر بأعمال الترجمة. لكن، يمكنني القول، وبكل سهولة، إن فترة ترجمة الجزء الأول من مذكرات الشهيدة ساكينة، كانت من أروع الفترات. إذ وجدتُ في كل سطرٍ مكتوب، وفي كل جملةٍ واردة، أنها تمثلني، تمثل قضيتي، تمثل آلامي وأوجاعي، وتمثل آمالي وطموحاتي. وعندما عرضتُ الجزء الأول من الكتاب على بعض الشخصيات النسائية العربية لكتابة مقدمة لها، وجدتهنّ يشعرن بنفس المشاعر والأحاسيس، لدرجة أنهنّ أكدن مِراراً على ضرورة نشر هذه المذكرات عاجلاً، وبكل لغات العالم، كي تستفيد منها كل امرأة مناضلة. وهذا ما يعني أن هذه المذكرات تتضمن لغةً عابرةً لكل الحدود والقوميات، لغةً أممية شاملة، لا سيما أن الشهيدة ساكينة، لم تدّخر جهداً في التواصل مع كل امرأة أينما حلت وفي أي بلد كان.

*تمثل المناضلة ساكينة جانسيز القوة الريادية في النضال التحرري الكردستاني وفي حركة تحرر المرأة، منذ تأسيس الحزب، وإلى الآن.. برأيكم لماذا؟

لا ننسى أن المناضلة ساكينة من مؤسسي النضال التحرري الكردستاني المعاصر، ومن واضعي حجر الأساس لهذا النضال النوعي الفريد. ثم إنها واحدة من امرأتَين حضرتا المؤتمر التأسيسي لحزب العمال الكردستاني. أضف إلى ذلك، أنها فتاةٌ لعائلة نجَت بأعجوبة من مجزرة ديرسم 1938. ونضالها التحرري بالتالي، يمثل انتقاماً للمجزرة المروعة، التي راح ضحيتها آلاف النساء الكرديات. بل انتقاماً لعقلية المجازر والإبادة المرتكبة بحق الشعب الكردي وشعوب المنطقة.

كما إنها من واضعي حجر الأساس للنضال التحرري النسائي الكردي المعاصر أيضاً. وساهمت بفعالية في كل المحطات المفصلية التي مرّ بها نضال المرأة الكردية. بل وكانت أول امرأة كردية تفكر في ترسيخ التنظيم النسائي الخاص بين صفوف النساء الكرديات، في وقتٍ كان مجرد الحلم بكردستان حرة يُعَدُّ جريمةً لا تغتفر، وعقابها الموت المحتوم على يد قوى الأمن أو الجيش التركي الفاشي.

وقد ظلت كذلك طيلة مسيرتها النضالية الطويلة، حتى آخر نفس لها.

*لكل مسيرة نضال استمرارية، الشهيدة ساكنية جانسيز كانت إحدى المناضلات في سجن آمد ناضلت وكافحت ضد النظام الاستبدادي التركي وممارساته القمعية والتعسفية، الآن هناك العشرات من السياسيات الكرديات اللواتي انتهجن نهج المناضلة ساكينة، أمثال ليلى كوفن، فيغان يوكساك داغ، أيسيل تولوك وغيرهن من المناضلات، كيف تقيّمين هذا النضال وما تأثيره على نضال المرأة الكردية؟

ثمة مقولة أو حكمة شهيرة تقول: "لا يضيع حق وراءه مُطالب". واللافت في النضال النسائي الكردي المعاصر، أنه يعتمد على التنظيم الرصين للنساء من كافة الشرائح. بالتالي، لا تنحصر الريادة على حالات انفرادية مشتتة هنا وهناك، بل تتحول كل امرأة كردية ناشطة إلى مشروع مناضلة عتيدة، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار ظروف القهر والصهر والقمع والاستبداد والفاشية التي يمارسها النظام التركي بسلطاته وقواه الأمنية والعسكرية والموازية بحق الشعب الكردي عموماً والنساء الكرديات خصوصاً.

بالتالي، هذا ما فجَّر طاقات العديد من النساء الكرديات، وحوَّلَهنّ إلى مناضلات عنيدات في وجه هذه السلطات الفاشية التركية. وهذا ما جعل السلطات تتجه إلى سياسة الاعتقال كطريقة لكسر إرادة وشوكة المرأة. لكن هيهات. فقد تحولت السجون التركية إلى منبر للإرادة الصلبة والمقاومة العظيمة، والتي أشعل نارها الشهيد مظلوم دوغان بعيد كبريت في نوروز عام 1982.

لذا، نجد السجون التركية اليوم تعجّ بالنساء المناضلات، لا سيما الكرديات منهن، سواء كنّ ناشطات حقوقيات، أم رئيسات بلديات، أم رئيسات أحزاب، أو حتى برلمانيات، واللواتي يؤدين دوراً ريادياً في المقاومة، وخصوصاً على صعيد معركة "الأمعاء الخاوية"، أو كما يُعرَف بـ "صيام الموت". وما يزال عالقاً في ذاكرتنا صيام الموت الذي رادَته المناضلة "ليلى غوفن" لمدة 200 يوماً لأهداف إنسانية وأخلاقية ووجدانية، حينما طالبت بمعرفة مصير الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، وبفكّ العزلة المشددة عليه. وهذا مجرد مثال من بحرٍ من الأمثلة العظيمة على مقاومة السجون.

*لماذا إلى الآن لم تتم محاسبة المجرم الحقيقي وراء عملية اغتيال المناضلات الثلاثة، وهو استخبارات الدولة التركية، وصمت الحكومة الفرنسية على عملية الاغتيال التي نفذت على أراضيها؟

أجل، ناضلت الشهيدة ساكينة انتقاماً لمجزرة ديرسم، لكنها استشهدت في "مجزرة باريس" المشؤومة، فتحولت إلى أيقونة عالمية بكل ما للكلمة من معانٍ.

ثمة الكثير من حالات الاغتيال السياسي التي ما يزال التحقيق فيها موضوعاً على الرف، حفظاً للمصالح الاقتصادية أو التوازنات السياسية بين الدول والسلطات. ومجزرة باريس واحدةٌ منها. لا ننسى أن حادثة اغتيال رئيس الوزراء السويدي، أولف بالمه، أيضاً ظلت عالقة سنين طويلة، بقيت خلالها أصابع الاتهام موجهة إلى حزب العمال الكردستاني، ليتم الكشف مؤخراً أن هذا الحزب بريء من هذه الجريمة، وذلك بعد أن قضى الفاعل الحقيقي حتفه.

مجزرة باريس أيضاً، معروفٌ أن جهازَي الاستخبارات التركي والفرنسي قد تعاونا معاً في التخطيط لهذه المؤامرة، هذا إن لم يكن ثمة أطراف أخرى أيضاً. وعلى الرغم من وضوح هوية القاتل، وأنه عضو في جهاز الاستخبارات التركية (مِيت MIT)، وعلى الرغم من موته المبهم في السجن، إلا أن الاعتراف الحقيقي بهذه المجزرة لم يحصل بعد، كرمى للمصالح المتشابكة بين تركيا وفرنسا.

(ي م)

ANHA