​​​​​​​لبنان يبدأ عامه الجديد بالتعطيل

ودّع لبنان العام 2021 أسوأ من الحالة التي استقبله فيها. 365 يومًا لم يتحسن فيها شيء في قطاعات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ففيما يواصل سعر الدولار ارتفاعه الأسطوري منذ أكثر من عامين، ما يزال الفراغ السياسي عنوان المرحلة وبمرتبة تعطيل حكومي فاقم المأساة المعيشية. ما وسّع تناحر أطراف الطبقة الحاكمة البلاد الصغيرة إلى ساحة صراع إقليمي.

​​​​​​​لبنان يبدأ عامه الجديد بالتعطيل
الجمعة 7 كانون الثاني, 2022   05:09
بيروت – زيادة أبو غزالة

لو كان رجلاً مريضًا لاستفاق من غيبوبته وتماثل للشّفاء. لكنَّه لبنان الـ 2021 يستكمل موته السّريريّ ويدخل عامًا جديدًا، يستهله بخراب سياسيّ وانهيارٍ فوق الانهيار المعهود بدولار يلامس الثّلاثين ألف ليرة. فقد رُحلّت النّسخة السّابقة إلى الـ 2022 ومعها التّعطيل الحكومي وكل صور المشهد السّياسيّ التي اختزلتها الطبقة الحاكمة بالمناكفات فيما بينها على حساب المصلحة العامة وحقوق المواطنين.

وقد جرت العادة أن تبدأ الحكومات الأعوام الجديدة، بخططٍ مستقبليّة شاملةٍ، بعد تحقيق إنجازات المخططات الماضية. أما في لبنان فاستفاق اللبنانيون على ما ناموا عليه شهورًا طوالا، التعطيل الحكومي. وإنّه تعطيل بلا سقف أو غطاء فوقه، وبلا أمدٍ متوقّع.

وعليه لن تنعقد جلسات وزارية في المدى المنظور، هذا ما تؤكده مصادر حكومية بقولها: "أعان الله لبنان على ما ينتظره بفعل المكايدات التي قدمت حسابات السياسيين على مصلحة البلد واللبنانيين". مضيفة أنَّ "كل محاولات إعادة إحياء الحكومة قد باءت بالفشل". المصادر الحكومية نفسها أشارت إلى أنَّ "الوضع يزداد صعوبة ما يفترض انعقاد الحكومة سريعًا لاتخاذ الخطوات الكفيلة بالحد من المصاعب التي تتورم، ولمواكبة الحكومة للاستحقاق الذي بات قريبًا جدًا والمتمثل بانطلاق المفاوضات مع صندوق النقد الدولي خلال النصف الثاني من الشهر الحالي".

الوضع المتأزّم هذا لا يعجب أحداً في لبنان، هكذا يعبّر الجميع، حتى أطراف التعطيل أنفسهم، فقد نقل عن الرئيس اللبناني ميشال عون خلال الأيام الماضية انزعاجه من التعطيل الوزاري "واستمراره في المشاورات السياسية للوصول سريعًا إلى انعقاد طاولة الحوار وعودة مجلس الوزراء إلى الاجتماع للتفاهم على النقاط العالقة قبل فوات الوقت لتأمين استئناف العمل في المؤسسات وانتظام الحياة السياسية واسترجاع القضاء استقلاليته، والبلاد أمنها".

ربّما كان الأمل منعقدًا على العام الماضي، حيث كان ثمّة صفقة سياسيّة مشى بها "حزب الله" وقيل إنها ستحدث ثقبًا في جدار الجلسات الوزاريّة المجمّدة. لكن الأمل صار بعيدًا وربّما محالًا. فالخط بين بعبدا وعين التينة ما يزال باردًا برودة التوافق بين رئيس مجلس النّواب نبيه بري من جهة، وعون وصهره رئيس التّيّار الوطنيّ الحرّ جبران باسيل، من جهة أخرى.

وعلى أيّة حال، وبصفقة ودون صفقة، ما يزال "حزب الله" يبتز الأفرقاء السياسيّين ببطاقة المحقق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار. ويحاصر انعقاد الجلسات الحكومية بشرط إقالة بيطار والامتثال لشروطه وشروط حركة أمل في قضية التحقيق قضائيّاً مع الوزراء والنّواب الّذين تم استدعاؤهم قبل شهرين من الآن. واللافت أن الابتزاز يطال أيضاً حليف "حزب الله" نفسه، ولعلّ تصريحات باسيل النارية الأخيرة توضح حجم الاستياء من نهج الحزب في المساومة مع باسيل في ملف الانتخابات النيابية المرتقبة. النهج نفسه كان وما يزال يضع رئيس الحكومة اللبناني نجيب ميقاتي بين أمرين أحلاهما مُر. فإما الانتظار في ظلّ التّعطيل دون جدوى إلّا بشروط "حزب الله"، وإمّا عقد جلسة عاجلة بمشاركة من حضر تعمّق الشّر السّياسي في البلاد، وإمّا استقالة نفى صاحب الأمر احتمال حدوثها أكثر من مرة.

وعلى الرغم من جمود الأحداث وفداحة الخسائر المعيشيّة المترتبة عليها، وبالتّوازي مع الحاجة الملحة إلى انعقاد فوري لجلسات وزارية تنقذ ما يمكن إنقاذه لجهة القدرة الشرائية للبنانيين بعد تحليق الدولار في فضاء العام الجاري، يواصل الفريق المعطّل تعنتّه وتفرّده في توجيه السياسات وتحديدها.

هل ينهض لبنان هذا العام متعافيًا كطائر الفينيق؟

يقول الصحافي اللبناني منير الربيع لوكالتنا: "لا شك أن اللبنانيين لن ينسوا أبداً عام 2021، فهو عام الانهيارات الأبرز، بل إنه عام الانهيارات خارج الصندوق وبطرق غير مألوفة على المستويات كافّة سياسيًّا واقتصاديًا وأمنيًّا".

وأضاف أن "الحدث السّياسيّ الأقرب زمنيًّا هو استمرار التّعطيل الحكومي. معضلة كان قد سبقها خلال العام المنصرم أزمة الفراغ الحكومي، أزمة امتدت إلى منتصف العام في ظل مناكفات سياسية غير مسبوقة بين الرئيس اللبناني والرّئيس المكلّف بتشكيل الحكومة آنذاك سعد الحريري، وأفضت إلى اعتذار الأخير وتكليف نجيب ميقاتي لتشكيل الحكومة بعد مخاض عسير، سرعان ما اصطدمت بتجميد جلساتها بفيتو الثنائي الشّيعي".

ولتزيد أثقال اللبنانيين وأحمالهم، كانت الأزمة الدبلوماسية مع دول الخليج على رأسها السّعوديّة، بسبب تصريحات أطلقها وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي حول حرب التّحالف على اليمن، لتحول لبنان بعدها مجدداً إلى ساحة حرب بالوكالة بين السعودية وإيران على الرغم من تطور المشهد الخارجي عبر احتضان الإمارات لحكومة دمشق والتّطبيع معه على أمل إعادة تعويمه وإرجاعه للحضن العربيّ. عواصم الخليج طردت سفراء لبنان من أراضيها، ألغت المعاملات التجارية مع البلد المنكوب، وبعد استعراضات إعلامية طويلة وإحراج كبير لميقاتي أمام الرّياض، استقال قرداحي من منصبه بضغط فرنسي، لكنّ شيئًا من تداعيات الخصومة الدبلوماسيّة لم ينته، وامتدّ إلى تضييق الخناق الاقتصادي على اللبنانيين.

أمنيًّا، لم يكن الوضع أفضل حالًا، بل أرجع اللبنانيين إلى سبعينيّات القرن الماضي، وتحديدًا إلى الشّيّاح عين الرّمانة ونيران الحرب الأهليّة المستعرة. مع صور الاقتتال الداخلي بين عناصر حزب الله وحركة أمل من جهة وعناصر حزب القوّات على خلفيّة استدعاء القاضي بيطار نواب ووزراء سابقين للتحقيق في جريمة المرفأ.

أحداث دامية، وقع قبلها مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن في بيروت وطرابلس، بالإضافة إلى اغتيال النّاشط السّياسي المعروف لقمان سليم.

لم تكن الأحداث السّياسية والدبلوماسيّة والأمنيّة المريرة بمعزل عن وضعيّة السقوط الاقتصادي الحرّ المستمرّ، حتى وصلت الأمور إلى الشّلل التّام وتحّول أكثر من 74 % من اللبنانيين إلى فقراء جراء تآكل قدرتهم الشّرائيّة بسبب ارتفاع سعر الدولار ارتفاعًا جنونيّا وصل إلى آخر ما وصل إليه حدود الـ30 ألف للدولار الواحد. وطبعًا، لا جلسات وزارية تنعقد حتى اللحظة لمعالجة الملفات المعيشية الدّاهمة والطّاحنة.

بمراجعة أرشيف العام الفائت، يفقد اللبنانيون بحدوث أيّ تغيير إيجابي خلال العام الجاري. فالأزمات جميعها رُحّلت دون أي حلحلة مهما كانت صغيرة. الطبقة الحاكمة نفسها، التركيبة الطّائفيّة نفسها، نظام المحاصصة نفسه، لا شيء يتغيّر أبدًا، حتّى إجماع الشّعب اللبناني على إسقاط الطبقة الحاكمة، ما يزال هو هو هشًّا ضعيفًا لا يقدر أن يخلع عنه عباءة الولاء للأحزاب. وفي ظلّ هذه المتاهة، يؤكّد المطّلعون أن التّسويات الإقليمية وحدها يمكن أن تنقذ لبنان من الموت الحقيقي، فلا يمكن للبنان الانسلاخ عن تاريخ طويل من الارتهان للخارج على حساب شعبه ودمه وحقه بالسّيادة والاستقلال والعيش الكريم.

(ح)

ANHA