تراجع وزير العمل اللبناني عن قراره.. توضيح أم ضغوطات سياسية؟

أصدر وزير العمل اللبناني قرارًا يقضي بالسماح للفلسطينيين المولودين على الأراضي اللبنانية بالعمل في مهن كانت محظورة عليهم سابقًا. وبعد أن تلقف اللاجئون الفلسطينيين القرار بترحيبٍ واسعٍ، ومعربين عن أملهم بانتهاء فصول التّمييز الإنساني، عاود الوزير وتراجع عن قراره بذريعة أن القرار فهم خطأ. فيما ندّد مسؤولون لبنانيون بالخطوة، مشيرين إلى أن ذلك يعني مزاحمة المواطنين في سوق العمل.

تراجع وزير العمل اللبناني عن قراره.. توضيح أم ضغوطات سياسية؟
الإثنين 13 كانون الأول, 2021   04:53
بيروت- زياد أبو غزالة

بلبلة كبيرة أثارها قرار وزير العمل اللبناني مصطفى بيرم الأخير بشأن المهن الَّتي يجب حصرها على المواطنين اللبنانيين فقط. فانقسم الشارع اللبناني على نفسه بين مؤيدٍ ومعارضٍ شرسٍ، بعد أن أشيع القول بالسّماح للفلسطينيين المولودين على الأراضي اللبنانية، بمزاولة المهن الّتي كانت ممنوعة فيما مضى كالطبّ والهندسة والمحاماة... ليطل الوزير بنفسه مجدَّدًا ويحسم الجدل، فيوضح الأمر، ويخيّب آمال من اصطاد في الماء العكر من المسؤولين اللبنانيين، ويخيّب آمال فلسطينيين تمسكّوا بحبال الهوى في كلامه السّابق للنّجاة من مستنقع العنصريّة الّذي غرقوا فيه عقودًا طويلةً جدًّا.

ووفقاً لما جاء في المؤتمر الصحفي، فقد فصّل وزير العمل لنصف ساعة كاملةٍ تفاصيل قراره المتعلق بالمهن الواجب حصرها باللبنانيين. بداية قال الوزير بيرم إن القانون اللبناني يحتّم عليه أن يصدر قراره هذا في شهر كانون الأول الحالي، وبالتَّالي فهو لم يتجاوز القانون اللبناني في شيء. على العكس، يقول الوزير، إن كلامه المتعلق بالحالة الفلسطينيّة مأخوذ كما هو من قرارات الوزيرين السّابقين بطرس حرب ومحمد كبارة. وأكد أن الأمر أخذ حيّزاً صغيراً لا يتعدى السّطر الواحد في قرارٍ من ست صفحاتٍ تتعلّق جميعها باللبناني.

وأشار الوزير بيرم إلى أن ما كان ممنوعاً في القانون والمراسيم ما يزال ممنوعًا لم يتغيّر، فهو لا يستطيع ولا يجرؤ على تخطّي الدستور اللبناني أو قوانين المشرّع اللبناني القديمة، مؤكدًا أن أيّ قرار لا يتخطّى بطبيعة الحال أيّ قانون.

وقال الوزير إن 90 في المئة ممن انتقد القرار لم يقرأه أبدًا. معتبرًا أنه كان من باب الأولى لمن يعرف بالقانون أن يرى كيف حمى القرار العمالة اللبنانية. وفي هذا الشّأن، أوضح بيرم أنه صار ممنوعًا على الأجنبي العمل في لبنان من دون الحصول على استثناء، على أنه جرى تفصيل المهن لحماية اللبنانيين في القطاعات كافّة.

وشدد على أن القرار جاء وفق تسلسل معياري ومهني بعيدًا عن أيّ محسوبيات سياسية، لافتاً إلى أنه عمل وفق ما تمليه القوانين والأصول، قائلاً: "أنا ابن الإدارة وخريج ديوان المحاسبة"، أما الانتماء إلى جهة سياسية فيظهر في مجلس الوزراء لا في وزارة العمل.

وفيما يخص النقطة الجدليّة، أعلن بيرم أنّ الأمر لا يتعدى مسألة تعديل النسبة، ولا يمتّ بِصلة لمسألة السماح للفلسطينيين المولودين في لبنان بمزاولة المهن الممنوعة. ومثالًا على ذلك، قال الوزير، القانون اللبناني يلزم أصحاب المطاعم بتشغيل 5 عمال لبنانيين مقابل كلّ عامل أجنبي. ووفقًا لقراره، صار يمكن لأصحاب المطاعم بعد أن يعطوا الأولوية للعامل اللبناني، واللبنانيّ حصرًا، أن يسدّوا النّقص بتشغيل العامل الفلسطيني، وبعدها يكون العامل الأجنبي. فتكون المعادلة كالتّالي: 3 عمَّال لبنانيين، عاملان فلسطينيان لسدّ النّقص، ومقابل هؤلاء الخمسة يُؤخذ عامل أجنبي من جنسيّات أخرى.

وبناءً على ما تقدّم، ما تزال الأبواب مغلقة أمام الفلسطينيين كما كانت في السّابق، كلّ ما في الأمر أن البيكار توسّع لصالح اللبناني، في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة الرّاهنة، الّتي تحتّم عليه الدّخول إلى قطاعات كان منعدمًا وجوده فيها قبل الأزمة، أو كاد يكون لاعتبارات كثيرة، معظمها الاجتماعيّ. فقلّما مثلاً وندر أن يرى أحدٌ عامل تنظيف لبنانيّاً في لبنان.

الطّعن بقرار الوزير بسلاح التّوطين والمزاحمة

لم يلبث أن خرج قرار وزير العمل اللبناني مصطفى بيرم إلى العلن، حتى انقضّت عليه ألسنة أحزاب ومسؤولين لبنانيين، أبرزهم رئيس "التيار الوطني الحر"، النائب جبران باسيل.

فقد رأى باسيل - أو هكذا أراد - قرار وزير العمل "توطيناً مقنّعاً". على اعتبار أن بيرم سمح للاجئين الفلسطينيين بمزاولة مهن كانت محصورة باللبنانيين. وغرّد باسيل عبر "تويتر": "قرار وزير العمل السماح للفلسطينيين ومكتومي القيد بممارسة عشرات المهن المحصورة باللبنانيين، مخالف لقانون العمل وللدستور، وهو توطين مقنع ومرفوض". داعياً النقابات إلى "كسره أمام مجلس شورى الدولة، واللبنانيين إلى عدم الالتزام به". وأضاف "ما بتمرق هيك قصة! وما رح نسمح بتشليح اللبنانيين وظائفهم بهالظروف"، بحسب تعبيره.

من جهته، حزب الكتائب اللبنانية بلغت في انتقادها لقرار الوزير بيرم حد اتهامه بتهجير اللبنانيين والتوطين وتغيير وجه لبنان المعروف. وفي بيان له، قال الحزب: "إن فتح الباب للاجئين في لبنان لممارسة عشرات المهن هو اعتداء على حق اللبنانيين، وترسيخ لوجودهم الدائم في لبنان فيما اللبنانيون يهاجرون، وسيساهم في قطع الطريق على من بقي ببلده في إيجاد فرصة بأعمال كانت حتى اليوم محفوظة لهم بالقانون، وإنّ الخطوة ستساهم في خفض مستوى الرواتب في المهن المذكورة تماشياً مع سوق العرض والطلب".

أما وزير العمل السابق سجعان قزي المحسوب على حزب الكتائب، فاتفق مع باسيل في حملته الشرسة على القرار. مشيرًا إلى أن قرار بيرم "يزيد بطالة اللبنانيين بنسبة 40 %، ويشرع أبواب التوطين والتّجنيس".

من جانبه، نقيب أطباء لبنان في بيروت البروفيسور شرف أبو شرف أعرب عن "تفاجُئه" ممّا تم تداوله في وسائل الإعلام حول السّماح للفلسطينيين بممارسة مهنة الطب في البلاد، مشيرًا إلى أنّه "لا توجد اتفاقية بين دولة فلسطين والدولة اللبنانية حول المعاملة بالمثل".

هذا وتوعد أعضاء في مجلس النواب اللبناني، وعدد من النقابات المهنية بالتصدي لقرار الوزير بالطرق القانونية المشروعة.

ترحيب وفرحة لم تكتمل

في مقابل المعركة الإعلامية أحادية الجانب على وزير العمل اللبناني مصطفى بيرم بعد إصدار قراره بشأن العمالة اللبنانية، رحبت أطراف لبنانية وفلسطينية بالقرار، بالإضافة إلى جهات إعلامية محليّة وعالميّة.

وتوالت بعض التفسيرات الإيجابية للقرار ونشرت وسائل إعلام عالمية قرار بيرم على أنه خطوة إيجابية على طريق منح الفلسطينيين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، فيما اعتبرته وسائل إعلامية محلية أن الوزير "عدّل القانون فرفع الحظر الذي كان واقعاً على كل من الفلسطينيين المولودين في لبنان والأجانب أبناء اللبنانية أو المتزوجين من لبنانية والمولودين في لبنان من حملة بطاقة مكتومي القيد".

وكذلك رحب الائتلاف اللبناني الفلسطيني لحملة حق العمل للاجئين الفلسطينيين في لبنان، بالقرار متقدماً بالشكر والتقدير للوزير بيرم على قراره باستثناء اللاجئين. وأكد الائتلاف أهمية الإجراء لما فيه من مساهمة فعلية لرفع الظلم عن الشعب الفلسطيني في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية المترديّة.

أما مجلس نقابة أطباء لبنان في طرابلس فقد دعا وزير العمل إلى "عدم التراجع عن هذا القرار إنصافاً للحق الإنساني والواجب الأخلاقي والديني والشرعي". مشدداً على أنّ "الحقوق المدنية للأخوّة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان هي حقوق نصت عليها حقوق الإنسان والمواثيق والقوانين الدولية الراعية لحقوق اللاجئين، ولبنان من الدول الموقعة على هذه القوانين والمعاهدات".

ترحيب واسعٌ كان في موازاة العداء الواسع، غير أنّ الفرحة لم تكتمل مع توضيح وزير العمل اللبناني بأن قراره لا يشمل أبدًا أي تعديل لقانون المشرع اللبناني الذي يحظر على الفلسطينيين مزاولة مهن محصورة باللبنانيين فقط. وسواء كان هذا التوضيح حقيقيًا أم ناتجًا عن ضغوطٍ سياسيّة مؤثّرة، فالأكيد الوحيد أن الفلسطينيّ اللاجئ حول العالم يعيش أسوأ أوضاعٍ إنسانيّة في لبنان، بلا أدنى حقوق بشريّة، وكلّ ذلك بذريعة حماية لبنان من شبح التوطين. والأكيد الثّاني أن الطّبقة الحاكمة الّتي تهاجم الوزير أو الفلسطيني، تحت عنوان حماية العامل اللبناني من المزاحمة في سوق العمل، هي نفسها تلك الطبقة الّتي أوصلت البلاد إلى هذا الحال غير المسبوق، وهي نفسها الّتي دفعت اللبنانيين إلى الهجرة، وهي نفسها الّتي دفعتهم إلى الانتحار بإحراق أنفسهم أمام الملأ في حوادث متكررة، وهي نفسها الّتي حولت سوق العمل اللبناني إلى شاهدٍ على أكبر إخفاقٍ سياسيّ ووطنيّ وأخلاقيّ.

(ح)

ANHA