"الرشوة صارت على عينك يا تاجر"

تزداد معاناة السوريين يومًا بعد يوم، نتيجة الخناق الاقتصادي الذي يحكم قبضته على البلاد من جهة، وزيادة قياسية في معدلات الفساد والرشوة التي أصبحت تسمى بالهدية أو "السكر والتحلاية"، نتيجة غياب الرقابة وتحجّج الموظفين بانخفاض قيمة الرواتب الممنوحة من قبل الحكومة.

"الرشوة صارت على عينك يا تاجر"
الأربعاء 8 كانون الأول, 2021   06:12
حلب - محمد عبدو

يتردد عثمان (24 عامًا)، وهو اسم مستعار لأحد الشبان، إلى البنك المصرفي، فرع حلب منذ أسبوع فقط؛ لسداد رسوم اقتناء جواز للسفر.

أما لمى (46 عامًا)، فتبرر تلقي الرشاوى من المراجعين إلى حاجتها لسد المصاريف التي أثقلت كاهلها والتي لا يمكن للراتب الشهري الممنوح لها (20 دولار) سوى جلب الخبز والشاي، وفق ما أفادت به.

التكلفة القانونية حبر على ورق

عثمان قال إن جواز السفر النظامي يكلّف 15 ألف ليرة سورية، بالإضافة إلى دفع 50 ألفًا لإذن السفر في شعبة التجنيد، كما هو مسنون في القوانين إلا أن التكلفة الحقيقية أعلى بكثير.

وعزا الشاب السوري ذلك إلى الرشاوى و"السكر" المطلوب لتمرير المعاملة من شخص إلى آخر، والتي تتطلب تواقيع "من الصغير للكبير وكلو بدو ياكل" بحسب ما وصفه، في إشارة إلى الروتين المميت الذي لا يزيد إلا في الاختلاس والفساد والتعقيد.

ويعتبر جواز السفر السوري من أسوأ جوازات السفر في العالم، إذ احتل المرتبة 114 من أصل جوازات 116 دول مُصنفة ضمن القائمة لعام 2021، بناءً على وجهات السفر التي يُتيحها الجواز لدولٍ أخرى من دون تأشيرة سفر؛ بحسب تصنيفات شركة “هينلي” البريطانيّة التي تعنى بالاستشارة العالمية للمواطنة والإقامة.

وعلى الرغم من هذا التصنيف السيء، إلا أن جواز السفر السوري يُعتبر من أغلى الجوازات في العالم، إذ تبلغ تكلفة استصداره نحو 800 دولار أميركي لجواز السفر المستعجل، و400 دولار للجواز غير المستعجل، بالنسبة للمغتربين.

فيما بلغت التكلفة الحقيقية لاستصدار جواز سفر للسوريين الموجودين في البلاد قرابة المليون ليرة سورية (300 دولار)، تكون نسبة الرسوم القانونية فيها 6%، أما الباقي فتكون على شكل رشاوى، بحسب ما أفاد به عثمان.

شعبة التجنيد تتحول إلى بؤر نهب وتشليح

مازن (23 عامًا) وهو اسم مستعار لأحد طلاب الماجستير في جامعة حلب، قال في حديث لوكالتنا إنهم يعانون من مسألة تجديد التأجيل الدراسي لخدمة العلم على الرغم من استكمال كافة الأوراق سنويًّا، إلا أن موظفي شعبة التجنيد يقومون بتشليحهم وأمام الضباط الذين يكونون على اتفاق معهم.

وتابع مازن حديثه أنه باليوم الكامل للدوام يتم تمرير ما مجموعه 30 طلبًا فقط، على الرغم من وجود 6 موظفين معنيين وأن الأمر لا يتطلب سوى 5 دقائق لإصدار التأجيل "كلو ختم وتوقيع ما بدها كل التأخير".

بهذا الصدد، أكد مازن أن هذه الممارسات أصبحت مكشوفة وهي لخلق طوابير ومشاكل جمة، فإن أردت أن تنتهي من الإجراءات بسرعة ادفع ما يعادل8000 ليرة لمنظم الدور وهدية للموظف تختلف بين "باكيت ماستر أو كولا وأحيانًا بطلبوا علبة معجون سنان من نوع كولغيت حصراً".

الأمر الذي أكده عثمان بعد مراجعته للشعبة من أجل إصدار إذن سفر، وأفاد بأنه عندما لم يقدم الرشوة للموظف المعني، طلب منه ورقة من مديرية الصحة تفيد بخلو جسمه من الأمراض السارية، إلى جانب تقرير طبي مصدّق من المديرية أيضًا تؤكد صحة عينيه، وهي أوراق غير مطالبة من الناحية القانونية كجزء من إضافة التعقيد لإجبار المراجعين على الدفع.

وفي النهاية أُجبر عثمان على دفع مبلغ 10 آلاف ليرة لمنحه إذن السفر مع شطب الطلبات المذكورة أعلاه.

الراتب ما بكفي !!

وكالتنا تواصلت مع إحدى الموظفات في إحدى الدوائر الرسمية لحكومة دمشق، واسمها المستعار لمى (46 عامًا) التي أكدت أنهم يلجؤون إلى الرشوة من أجل تأمين لقمة العيش لا أكثر.

وقالت لمى إنهم وعلى الرغم من عمل زوجها على أحد تكاسي الأجرة، وأنها موظفة تقبض 70 ألف ليرة سورية شهريًّا (20 دولار)،إلا أن ذلك لا يغطي احتياجات أسرتها من إيجار بيت ومصاريف الحياة اليومية.

كما نوّهت إلى أنه وعلى الرغم من تلقيها للرشاوى إلا أنها تعيش تحت خط الفقر، مشيرةً إلى أنها تلغي المكملات وحالها حال 80 % من الشعب السوري.

العقوبة القضائية للرشوة ضمن الدستور السوري

يحدد الدستور السوري عقوبة لكل من الراشي والمرتشي بحسب الواقعة والتحقيق، وتكون وفق المواد المنصوصة تحت أرقام 341و342و 34.

وأتت عقوبة الراشي في جريمة عرض الرشوة وفق ما نصت عليه المادة 345 كما يلي: (من عرض على شخص من الأشخاص الوارد ذكرهم في المادة 341 هدية أو أية منفعة أخرى أو وعده بها على سبيل أجر غير واجب ليعمل أو لا يعمل عملًا من أعمال وظيفته أو ليؤخر تنفيذه؛ عوقب إذا لم يلاق العرض أو الوعد قبولًا بالحبس ثلاثة أشهر على الأقل وبغرامة لا تنقص عن ضعفي قيمة الشيء المعروض أو الموعود)).

وجريمة عرض الرشوة تعتبر من نوع الجنحة في مطلق الأحوال، سواء كانت الرشوة ذات وصف جنحي أو كانت ذات وصف جنائي وكانت قد أخذت مقابل عمل منافٍ للوظيفة.

(جرم عرض الرشوة المنصوص عليه في المادة 345عقوبات يبقى جنحوي الوصف في مطلق الأحوال).

أما عقوبة المرتشي، فقد قررتها المادة 341و342 كالآتي: ((فعقوبة المرتشي في المادة 341 ذات وصف جنحوي، إذ يعاقب الموظف ومن في حكمه بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة أقلها ضعفا قيمة ما أخذ أو قبل به إذا كان العمل الذي قام به المرتشي لقاء الرشوة أو الهدية أو المنفعة شرعيًّا)).

أما عقوبة المرتشي في المادة 342 جنائي الوصف، فهنا يعاقب المرتشي بالأشغال الشاقة المؤقتة وبغرامة لا تنقص عن ثلاثة أضعاف قيمة ما أخذ أو قبل به إذا التمس أو قبل لنفسه أو لغيره هدية أو وعدًا أو أية منفعة أخرى ليعمل عملًا منافيًا لوظيفته أو يدعي أنه داخل في وظيفته أو ليهمل أو يؤخر ما كان عمله واجبًا عليه.

ولا بد من التنويه إلى أنه يعفى الراشي والمتدخل من العقوبة إذا باحا بالأمر للسلطات ذات الصلاحية أو اعترفا بها قبل إحالة القضية للمحكمة.

'بطلبوا الرشاوى وعلى العلن'

عثمان نوّه خلال حديثه إلى أن طلب الرشوة تغيّر في السنوات الأخيرة، وأصبح في العلن، ويقول إن الموظف في السابق كان يظهر بعض العراقيل ليفهم المراجع ويعطي ما أمكن، إلا أن الموظفين يطلبونها الآن بكل جرأة، ويحددون قيمة الرشوة.

فيما تنوّه لمى إلى أنها تحصل على حصتها من تسيير المعاملات ما نسبته الثلثين من قيمة الرشوة التي تتم عبر سمسار عادة ما يكون من موظفي الخدمات أو حارس الباب " الآذن".

بدوره، قال مازن إن المثل على "عينك يا تاجر" بات يسمع كثيرًا حول المواضيع التي تفتح بهذا الصدد.

(م)

ANHA